فى قصة الميلاد المجيد، أحداث عديدة ومشاهد متنوعة بعضها فردى لأشخاص بعينهم، وبعضها جماعى لجماعات حاضرة وشاهدة على هذا الحدث الفريد… من بين هذه الجماعات “المجوس”، وهم حكماء الشرق الذين كانوا يهتمون، بعلوم الفلك والنجوم….
وعندما وجدوا النجم العجيب، والذى صاحبهم فى رحلتهم، من المشرق حتى بيت لحم اليهودية، قالوا فى قلوبهم، هنا والآن تنتهى رحلتنا اللانهائية…. “فإنَّنا رأينا نَجمَهُ في المَشرِقِ وأتَينا لنَسجُدَ لهُ” (مت2: 2).
أما جماعة الرعاة البسطاء، الذى كانوا يسهرون على رعيتهم فى البادية، يتنقلون من موضع إلى آخر، فقد شاهدوا بشارة الملاك ونوره العجيب “فها أنا أُبَشِّرُكُمْ بفَرَحٍ عظيمٍ يكونُ لجميعِ الشَّعبِ أنَّهُ وُلِدَ لكُمُ اليومَ في مدينةِ داوُدَ مُخَلِّصٌ هو المَسيحُ الرَّبُّ” (لو2: 10-11).
وجاءوا إلى المذود، ليتأكدوا من حقيقة تلك البُشرى كأنهم يقولون فى قلوبهم “هنا والآن تبدأ رحلتنا اللانهائية”، والمعنى المقصود من وراء زيارة المجوس الحكماء، وزيارة الرعاة البسطاء. إن البحث عن الحكمة العالمية البشرية قد إنتهى والآن بدأت السعادة الحقيقية، والحكمة السماوية حيث أقترب الله إلى الإنسان، فى زمن فريد وحيد، وصار عمانوئيل “اللهُ معنا” (مت1: 23)، وهذه الرحلة اللانهائية هى رحلة الإنسان على الأرض.
رحلة البحث عن السعادة والسرور والبشر فى هذه الرحلة، ينقسمون إلى فريقين، فريق يبحث عن سعادته الشخصية والفردية والذاتية والخاصة وفريق يبحث عن سعادة الآخرين سواء كانوا قريبين أو بعيدين.
وفى أنشودة الميلاد : “المَجدُ للهِ في الأعالي، وعلَى الأرضِ السَّلامُ وبالناسِ المَسَرَّةُ” (لو2: 14)، إشارة إلى هذه الحكمة العالية “وبالناسِ المَسَرَّةُ”، أو “فى الناس المسرة”، بمعنى كيف يعيش الناس فى المسرة والسرور؟!!
أو بمعنى آخر هل يُمكن إسعاد البشر؟!! ويصير سؤال الميلاد المجيد كيف نُسعد الآخرين؟!! وكأن إحتفالنا بعيد الميلاد، كل عام هو لتجديد أفكارنا وحياتنا، وتوعية بمسؤليتنا كبشر، تجاه بعضنا البعض، وللإجابة على الأسئلة الحياتية والمصيرية، عن وجودنا البشرى وحياة كل الإنسانية.
كيف نُسعد الآخرين؟
إن هدف الميلاد الأول، هو إسعاد كل البشر وسرورهم ولكن كيف؟!!… إن عناصر حدث ميلاد السيد المسيح، تُجيب على هذا السؤال الهام فى خمسة مجالات :
1) العذراء أسعدتنا بطهارتها ونقاوتها :
السيدة مريم العذراء فخر جنسنا، هى المثال الأول فى نقاوة القلب، وطهارة الكلام والسلوك، إختارها الله لتكون معبراً للكلمة المُتجسد، لميلاد السيد المسيح، وكأن الخطوة الأولى لكى تسعد إنساناً أو شعباً، أن تكون أنت نقى القلب طاهر اللسان عفيف اليد، فلا يُمكن أن نحصل على ثمرة شهية من شجرة رديئة، أو على سعادة حقيقية من حياة فاسدة.
2) قرية بيت لحم أسعدتنا بضيافتها ومأواها :
هى قرية صغيرة جداً فى ضواحى أورشليم، ولم تكن ذات شأن، أمام المدن الكبيرة صاحبة الأحداث الجسام ولكن عندما إستضافت السيد المسيح، فى ليلة ميلاده وأوجدت له ذلك المذود الصغير، ضعيف الإمكانيات.. لمع نجم القرية وإشتهرت، وصارت كبرى المواقع المُقدسة فى التاريخ المسيحى.
وأنت أيها الإنسان عندما يتسع قلبك الصغير، وتُأوى فيه الضعيف والبعيد والمريض، والمُحتاج والذى بلا مأوى، إنما تُسعد الجميع، ويلمع أسمك وشخصك أمام خالقك فى علاه.
3) الرعاة البسطاء أسعدونا بسهرهم وأمانتهم :
لقد كانوا فقراء يعيشون حياة بدائية جداً، وهم رُحل يتنقلون من مكان إلى آخر وهم يعتنون بقطعان الخراف التى يرعونها، وكان المُجتمع لا يقبل شهادتهم فى المحاكم بل ويتم إتهامهم عند فقد أى شئ!!
ورغم ذلك كانوا أُمناء “يَحرُسونَ حِراساتِ اللَّيلِ علَى رَعيَّتِهِمْ” (لو2: 8) وعاشوا بُسطاء أنقياء أمناء وإستحقوا أن ينالوا الإعلان السمائى الأول، عن ميلاد السيد المسيح (لو2: 8-14).
وأنت أيها الإنسان، بسهرك وأمانتك فى عملك وخدمتك، ومسئولياتك الشخصية والعائلية، والإجتماعية والدينية تستطيع أن تُسعد من حولك، وتكون لهم نوراً وفرحاً ومسرة.
4) المجوس الحكماء أسعدونا بزيارتهم وهداياهم :
كانوا علماء فى الفلك يدرسون النجوم، وحركة الكواكب ويعيشون الحكمة والفلسفة، ويبحثون عن “الحقيقة”… وعندما وجدوا النجم العجيب، تتبعوه من بلاد الشرق حتى وصلوا بيت لحم فى رحلة طويلة…وقد بذلوا الوقت والجهد والعناء.
وأتوا وقدموا هداياهم الغالية، من الذهب واللبان والمر، والتى تُعبر عن شخصية المولود، ومسيرة حياته الخلاصية، وأنت أيها الإنسان تستطيع أن تُشعر الآخرين بالزيارة والإفتقاد، والمُشاركة القلبية فى مُناسبات الآخرين من أفراح وأتراح.
5) الملائكة أسعدونا بتسابيحهم وظهورهم :
لقد أنشدوا وقت ميلاد السيد المسيح، تلك الأنشودة الخالدة “المَجدُ للهِ في الأعالي وعلَى الأرضِ السَّلامُ وبالناسِ المَسَرَّةُ” (لو2: 14)، إن العبادة النقية الهادئة هى التى تُفرح قلب الله، وتُسعد قلب الإنسان، وأنت أيها الإنسان تستطيع إسعاد الآخرين، بالصلاة النقية من أجلهم وبالتسابيح المُعزية والسماوية، وبالعبادة الصادقة التى تتحول إلى أعمال صالحة، وخدمات مُباركة.
وفى هذه المُناسبة المُفرحة نُقدم تهانينا القلبية، إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى رئيس الجمهورية ونُبارك جهوده لإسعاد كل المصريين، كما نُقدم التهنئة إلى السادة، رئيس مجلس الوزراء والوزراء والمسؤلين، كلٍ فى موقعه مع تهنئة خاصة إلى رجال القوات المُسلحة ورجال الشرطة الوطنية ونذُكر شهداءنا بكل الإكرام والتقدير، ونُصلى أن يمنح الله السلام والإستقرار، لكل الشعوب التى تُعانى من العنف والجريمة والإرهاب، متمنين الخير والفرح والسلام للجميع.
وعاماً جديداً سعيداً لمصر والمصريين


