يُعتبر المجمع المقدس لكنيستنا القبطية الأرثوذكسية، هو السلطة الكهنوتية العليا فى الكنيسة للإكليروس وكل الشعب، إذ يضم المطارنة والأساقفة مع وكيلى البطريركية بالإسكندرية والقاهرة، ولائحة المجمع المقدس تضم 70 مادة تنظيمية تشرح إختصاصاته ورئاسته وسكرتاريته ولجانه وقراراته، وقد أُقرت هذه اللائحة عام 1985 بإعتماد المُتنيح البابا شنودة الثالث وتوقيع الأعضاء.
وللمجمع جلسة سنوية عادة، فى نهاية فترة الخماسين المقدسة (مايو/ يونيو من كل عام)، ويسبق الجلسة إنعقاد لجان المجمع، وفتح المُناقشات حول الموضوعات المُثارة، كما أن للمجمع سيمنار دراسياً لمدة ثلاثة أيام عادة فى شهر نوفمبر من كل عام (وقد تعذر إنعقاده فى نوفمبر 2015 بسبب واقعة السيول التى تعرضت لها أديرة وادى النطرون، ويُعقد بمشيئة الله فى نهاية فبراير 2016 بالمقر البابوى بدير الأنبا بيشوى العامر كالمعتاد).
ومسؤلية أعضاء المجمع المُقدس، مسؤلية كبيرة وخطيرة، مستوحاة من الكتاب المقدس والتقاليد الكنسية والآبائية، وبحكم وضع اليد بالسيامات القانونية وجوهر الروحانيات فى تُراثنا المُقدس، وهذه المسؤلية هى التى تفعل فعلها داخل حياة المؤمنين، كمثل خميرة فى عجينة الله المُقدسة، لأن كل مؤمن يحمل صورة الله داخله منذ خلقته، حيث يُمارس الأسرار والوسائط الروحية الكنسية على تنوعها وتعددها، فى مسيرة روحية تمتد عبر حياته، وحتى يرجع إلى خالقه ومصدر وجوده.
ومما يُفعل هذا العمل إزدياد المحبة لرعية المسيح، إينما كانوا وأينما وُجدوا، إذ يجب ألا يغيب عن بالنا أهمية الوصية العظمى التى تُقدم الروحانية المسيحية فى أصلها وجذورها “تُحِبُّ الرَّبَّ إلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ، ومِنْ كُلِّ نَفسِكَ ومِنْ كُلِّ فِكرِكَ. هذِهِ هي الوَصيَّةُ الأولَى والعُظمَى. والثّانيَةُ مِثلُها: تُحِبُّ قريبَكَ كنَفسِكَ” (مت22: 37-39).
الوصية الأولى تتجه عمودياً نحو الله فى عمق وإستمرار، والوصية الثانية تتجه أفقياً نحو كل إنسان فى مساواة وإستمرار، ونحن لا نستطيع أن نتبع المسيح حقيقة فى حياتنا بدون هاتين الوصيتين، فهما المُشاركة الحقيقية فى الروحانية المسيحية، التى تجعل كل واحد منا تلميذاً مخلصاً للمسيح، ومُحباً أميناً لكل العالم الذى يحبه الله وبذل نفسه عنه، هذه هى قاعدة وجودنا : محبة الله ومحبة القريب ونبنى عليها وجودنا الفكرى واللاهوتى، والإجتماعى والأخلاقى والرعوى لأن المحبة هى “طبيعة الله” (1يو4: 8).
ومن العبارات الآبائية الهامة حول هذا المعنى السامى :
+ لا معرفة إلا بالحب.
+ من لا يعرف الحب يفهم الحياة.
+ أى مصباح بلا نور، وأى مسيحى بلا حب؟!!
كما يقول أحد الأباء : “كثيرون يتكلمون ولكن قليلون جداً هم الذين يفعلون ما يتكلمون عنه”، إن الإنسان الروحى المُستقيم فى عينى الرب يحيا بالأمانة ولا يعرف كذباً أو قسوةً يعيش بالتعب والوعى الروحى فى عشرة المسيح أو معية المسيح.
ويُعتبر عمل الأب الأسقف فى الكنيسة ذا ثلاثة مستويات متوالية ومتوازية:
1) المسؤلية الرعوية والتنظيمية :
“كراعٍ يَرعَى قَطيعَهُ. بذِراعِهِ يَجمَعُ الحُملانَ، وفي حِضنِهِ يَحمِلُها، ويَقودُ المُرضِعاتِ” (أش40: 11)، وفحوى هذه المسؤلية الحُب، وتتويب النفوس والستر وإرشاد الناس، والسعى وراء الخاطئ ومساعدته لحل مشكلة، وصعوبات حياته الشخصية والروحية والأسرية والإجتماعية.، إننا نُصلى فى طلبات القداس الإلهى “لينمُ بر الإيمان، سهل لنا طريق التقوى يارب أرحم”.
2) المسؤلية اللاهوتية / التعليمية / التشريعية :
“لذلكَ أنا أرَى أنْ لا يُثَقَّلَ علَى الرّاجِعينَ إلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ” (أع15: 19) حيث شرح الإيمان المسيحى المبنى على الأسفار الكتابية والحوار العقيدى والدفاع اللاهوتى، ونقض الإنحرافات الإيمانية والهرطقات والضلالات.
3) المسؤلية التقديسية والتكريسية :
“وبَينَما هُم يَخدِمونَ الرَّبَّ ويَصومونَ، قالَ الرّوحُ القُدُسُ:”أفرِزوا لي بَرنابا وشاوُلَ للعَمَلِ الذي دَعَوْتُهُما إليهِفصاموا حينَئذٍ وصَلّوا ووَضَعوا علَيهِما الأياديَ ثُمَّ أطلَقوهُما” (أع 13: 2، 3)، حيث إقامة القسوس والشمامسة وتدشين الكنائس والأوانى والمعموديات وتكريس النفوس بكل صور التكريس (الرهبانى – البتولى – الخدمى…ألخ).
وتُعتبر المسؤلية الرعوية على رأس أولويات عمل الأسقف، فهوراع أولاً قبل أن يكون قاضياً، وغايته ربح النفوس قبل أن يقدم الدروس التعليمية بأنواعها كما أنه يعى تماماً، أن عمل الرحمة يتقدم على تقديم الذبيحة.
+ هو الراعى التنظيمى : بالتدبير “المُدَبِّرُ فباجتِهادٍ” (رو12: 8).
+ هوالراعى اللاهوتى : بالتعليم “اِحفَظِ الوَديعَةَ الصّالِحَةَ بالرّوحِ القُدُسِ السّاكِنِ فينا” (2تى1: 14).
+ هو الراعى التكريسى : بالتقديس “ولأجلِهِمْ أُقَدِّسُ أنا ذاتي، ليكونوا هُم أيضًا مُقَدَّسينَ في الحَقِّ”(يو17: 19).
ورعاية النفوس تشمل إعلان محبة الله ورحمته بلا شروط، وإعطاء المشورة الروحية والعلاجات الروحية أمام الخطية وتطهير القلوب والعقول من الشهوات والأفكار، وتنشيط روح التوبة الحقيقية داخل القلب، وإنارة الذهن بالوصية المقدسة، وزرع وسقى الحياة الجديدة القائمة فى المسيح.
إن المسؤلية الرعوية هى المسؤلية الأولى، عند الأب الأسقف مُتمثلاً بالسيد المسيح، كما قال القديس بولس الرسول لأهل مدينة كورنثوس “كونوا مُتَمَثِّلينَ بي كما أنا أيضًا بالمَسيحِ” (1كو11: 1)، بمعنى أن يمتلك الراعى نظرة السيد المسيح للأحداث والأشخاص والمواقف، هذه هى عين الرحمة والشفقة والمحبة وليست عين القسوة أو الشدة أو الضيق إنه يحمل :
1) عين المسيح : “فنَظَرَ إليهِ يَسوعُ وأحَبَّهُ” (مر10: 21).
2) فكرالمسيح : “مَنْ كانَ مِنكُمْ بلا خَطيَّةٍ فليَرمِها أوَّلاً بحَجَرٍ!” (يو8: 7)؟
3) عمل المسيح : “الذي فيهِ لنا الفِداءُ بدَمِهِ، غُفرانُ الخطايا، حَسَبَ غِنَى نِعمَتِهِ” (أف1: 7).
تجاه النفوس التى يرعاها سواء بالإفتقاد أو الصلاة أو بالتعليم، سواء فى المُشكلات أو الضعفات التى يواجهها أو فى اللوائح والقوانين التى يناقشها، أو فى النُظم والترتيبات التى يضعها، لأن القاعدة الإنجيلية هى “السبت هو من أجل الإنسان وليس العكس”.
القانون من أجل الإنسان والنظام من أجل الإنسان، والمسؤلية الرعوية للراعى، هى من أجل عامة الشعب حتى لا يكونوا (أى الشعب) فى متناول الذئاب الخاطفة وعرضة للهلاك، ويقول القديس بولس “أطيعوا مُرشِديكُمْ واخضَعوا لأنَّهُمْ يَسهَرونَ لأجلِ نُفوسِكُمْ….” (عب13: 17).


