الحياة الروحية مثل الحياة الجسدية، تمر بها فصول السنة الأربعة فى كل مراحل حياة الإنسان…. وتُسمى فترة الصوم الحالية بأسماء عديدة، فنقول الصوم المقدس لأن أيامه كلها غالية، أو الصوم الكبير نظراً لأنه أطول أصوام السنة إذ يمتد إلى 55 يوماً. أو الصوم الأربعينى، حيث صام السيد المسيح فى البرية أربعين يوماً وأربعين ليلة، وقد أضافت الكنيسة له أسبوعين، فى بدايته إسبوع الإستعداد، وفى نهايته أسبوع الآلام، ليكمل 55 يوماً.
وإذ كان الإنسان الروحى، فى مسيرته الروحية الجادة يعانى من الفتور أو البرود، أو أحياناً الجفاف الروحى، فإن علاجه الأكيد، هو فى أيام الربيع الروحى أقصد أيام الصوم الكبير، حيث نجد أن فصل الإنجيل المقدس فى أحد الرفاع، وقبل بدء الصوم، يلفت نظرنا إلى أسباب هذا البرود الروحى وهى فى مُجملها :
1) فقدان حساسية الإنسان تجاه الآخرين…
بمعنى تزايد مقدار الأنانية، والذاتية والنفسانية وقوقعة الإنسان حول نفسه دون الإحساس بالآخر، سواء كان جائعاً أو مُكتفياً أو ….إلخ، والإنجيل المقدس يُعبر عن ذلك بموضوع “الصدقة (مت6: 1-4)، وطبعاً لا يقصد فقط الشق المادى فى الموضوع، بل يقصد العطاء والإحساس بإحتياج الآخر سواء أكان هذا الإحتياج مادياً أو معنوياً أو نفسياً أو حتى إنسانياً، إنسان اليوم يُعانى من جفاف مشاعره الإنسانية، تجاه من حوله…
إنسان اليوم صار جائعاً، ليس للطعام بل لإنسان آخر أو كما عبر مريض بركة بيت حسدا (وتعنى بيت الرحمة) “ليس لي إنسانٌ” (يو5: 7)، رداً على سؤال السيد المسيح له ” “أتُريدُ أنْ تبرأَ؟” (يو5: 6). أيها الحبيب فى الرب : أدخل قلبك وأفحص ضميرك وراجع نفسك، وإبحث عن الآخر… وإعتبر نفسك خاسراً إن مر عليك يوم، دون أن تُقدم حباً وإحساساً نحو أى إنسان.
2) قلة فرصة الحوار والحديث القلبى مع الله :
من خلال الصلوات والتسابيح، وصار الإنسان بارداً فى قلبه، من كثرة إهتمامه الشديد بالتكنولوجيا، والأجهزة الحديثة والتواصل الإجتماعى الجاف، عبر كل الوسائل دون النظر إلى “التواصل الإلهى”، الذى يرفع حرارة الإيمان، ويضع الصلاة موضع الصدارة، فى يومه وفى حياته “فإنسان بلا صلاة ليس بإنسان”!
وتقوم الصلاة فى الأساس على الكتاب المقدس الذى يهب معرفة الحق ويُنير طريق الإنسان ويُجدد فكره وكلامه ومشاعرة ورؤياه، والجهل بالكتاب المقدس هو علة جميع الشرور كما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم “إن الإبتعاد عن الوصية الإلهية، يُصيب الإنسان بالعمى الداخلى”. وليس من اللائق، أن يكون مُبرر إهمال الكتاب المقدس هو قلة الوقت… إن الوقت الذى تقضيه فى قراءة الكتاب، ومُمارسة الصلاة، هو الذى يقدس ساعات اليوم كله، ويجعل البركات فى جانبك.
3) النظرة المسيحية للأصوام :
دون الدخول إلى عمقها….فالصوم عمل روحى بالأساس، قبل أن يكون عملاً خارجياً… هو ضبط للجسد والأهواء والرغبات والشهوات…هو تقوية الإرادة التى بها نواجه أى خطية… هو جهادنا الروحى، بهدف الوصول إلى تنقية القلب، ومكتوب “طوبَى للأنقياءِ القَلبِ، لأنَّهُمْ يُعايِنونَ اللهَ” (مت5: 8).
ولا نقصد الصوم مُجرداً، بل مجرد وسيلة مع سائر الوسائط الروحية الآخرى، والتى تُساعد الإنسان فى مسيرته الروحية، ومعظم الأسرار الكنسية السبعة نُمارسها ونحن صائمون. للإستعداد الجسدى والتهيئة النفسية، لأن فى الصوم إصلاح وصيانة لإنسانيتك، والأسرار الإلهية تُعطى القوة والثبات فى المسيح، خلاصة القول هى فى الأية :

فيجب أن تكون أيام الصوم مختلفة تماماً، عن سائر الأيام الآخرى، ففيها نرى مسيحنا كنزنا (الأحد الأول)… ونصرتنا (الأحد الثانى)، وتوبتنا (الأحد الثالث) ومعرفتنا (الأحد الرابع)، وشفاءنا (الأحد الخامس) ونورنا (الأحد السادس) وملكنا (الأحد السابع – أحد السعف) فرحتنا (الأحد الثامن – عيد القيامة).
كل ربيع وأنتم طيبون…

