حظت الرهبنة عبر تاريخها الطويل، ومنذ نشأتها الأولى على أرض مصر فى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، وإمتدادها إلى بقاع العالم شرقاً وغرباً… حظيت بكل إحترام ووقار ومهابة وتقديس، ونال الرهبان مقاماً رفيعاً بسبب حياتهم الملائكية، وإنصرافهم عن ذواتهم، وتفرغهم الإرادى لحياة الصلاة والتأمل والتسبيح، وأيضاً بسبب تقشفهم ونسكهم المادى، والعالم الذى طرحوه خلف ظهورهم وتمسكهم بالحياة النقية، والتصرف الحسن فى وداعة الحكمة (يع3: 13) وسكنوا فى المغاير والبرارى وشقوق الأرض من أجل محبتهم الخالصة فى الملك المسيح…
كما قام بعضهم بخدمة المجتمعات التى عاشوا فيها كنوع من إخلاء الذات من أجل الآخرين، فإتجهوا إلى خدمة التعليم والخدمة الصحية، والخدمات الروحية، وتأسيس الكنائس، ونشر الكرازة وفى نفس السياق إهتمت بعض الأديرة بتقديم منتجات غذائية وغير غذائية لخدمة إحتياجات الناس، كما نسمع عن دور هام للأديرة فى أزمنة المجاعات وإطعام الفقراء مثلما نقرأ فى حياة القديس باسيليوس الكبير وغيره الكثير.
وعبر هذا التاريخ الطويل تكونت أصول الرهبنة ومبادئها الحياتية وصار لها تقاليد وأصول راصخة قامت على أرضية الكتاب المقدس، وإستندت إلى إختبارات الحياة الروحية كما عاشها الآباء فى كل جيل، فمثلاً :
الراهب الحقيقى لا يعرف “العناد” لأن الرهبنة أساساً هى الطاعة، التى تُمثل أحد أركان حياته الذهبية.
الراهب الحقيقى لا يعرف “الكذب” لأن الرهبنة هى حياة التوبة والنقاوة، والتى يُمارسها كل يوم وكل ساعة بإجتهاد.
الراهب الحقيقى لا يعرف “العنف” لأن الرهبنة حياة ملائكية ليس فيها ذات ولا صراعات العالم وحروبه.
الراهب الحقيقى لا يعرف “القنية” ولا حب المال، لأن الرهبنة هى الفقر الإختيارى الذى إرتضاه وخرج من أجله.
الراهب الحقيقى لا يعرف “الإعتداء” لأن الرهبنة حياة سلام وصنع السلام، فلا يغتصب حق أحد ولا أرض أحد ولا ملك أحد.
الراهب الحقيقى لا يعرف “الأعلام” والتصريحات الصحفية والتليفزيونية، لأن الرهبنة أساساً إنعزال عن العالم والإنشغال بخلاص النفس.
الراهب الحقيقى لا يعرف “التحدى” ومقاومة السلطة سواء المدنية أو الكنسية فى كبرياء وتصلف…
الراهب الحقيقى لا يعرف “الخُلطة” والتواجد المُستمر بين الناس والعلمانيينوالتصرف مثلهم والعيش كحياتهم، وفى هذا كسر لبتوليته.
الراهب الحقيقى لا يعرف “الأنا” والحياة الأرضية، بل هدف حياته هو السعى الدائم نحو السمائيات والنصيب السماوى وإنكار الذات دائماً.
الراهب الحقيقى لا يعرف “الرياء” والعرج بين الفرقتين وحياة الفلسفة الأرضية النفسانية الشيطانية حيث كل أمر ردئ
(يع3:15، 16).
الراهب الحقيقى لا يعرف “التحزب” والغيرة المرة لأن الأديرة هى عائلات روحية مُتعاونة ومُساندة لبعضها البعض.
الراهب الحقيقى لا يعرف “التشويش” على سلام الكنيسة وتكدير المُجتمع وبث الشائعات المُضللة….
لقد عاشت الرهبنة حياة هادئة طاهرة سالمة مُذعنة، مملؤة رحمة وأثماراً صالحة عديمة الريب والرياء وعاشت فى رعاية وحضن الكنيسة التى تقوم بإنشاء الأديرة وإقامة رؤساء الأديرة أو رئيسات الأديرة، وتنظم الحياة الرهبانية وتدعيمها الروحى والفكرى والمادى، مثلما قامت الكنيسة مؤخراً بعقد حلقات دراسية مُكثفة لمجموعات من الرهبان والراهبات – كلٍ على حِدة – لتشجيع العمل الدراسى لدى الأديرة، والإرتقاء بالمعرفة والقراءة والبحث.
عاشت الرهبنة فى أنظمة مُحددة تضمن سلامة الطريق ونقاوته، فصار للأديرة رؤساء من الأساقفة وهم الذين يقومون بإختيار من تُناسبهم الحياة الرهبانية من الشباب، وقبولهم بعد فترات من الترددعلى الدير، ثم يعطون لهم الملابس البيضاء ليصيروا إخوة طالبى رهبنة، وبعد فترة من الإختبار والنضوج والنجاح الروحى تمتد من سنتين إلى ثلاث، يرسل رئيس الدير إلى قداسة البابا طالباً الأذن برسامة رهبان فى يوم مُحدد (ونفس الحال فى أديرة الراهبات) وبهذا يصير الإنسان راهباً مُعترفاً به كنسياً، وربما بعد عدة سنوات يُمنح سر الكهنوت ليصير (راهباً كاهناً) لخدمة الدير أو خدمة خارجية إذا إحتاجته الكنيسة بصورة مؤقتة.
ومعروف أن قداسة البابا بحكم منصبه هو الرئيس الأعلى لجميع أديرة الرهبان والراهبات، كما توجد (لجنة الرهبنة والأديرة” وهى التى تهتم بالشأن الرهبانى، وكل ما يتعلق بالأديرة وإنشاءها والتوصية بالإعتراف بها لدى قداسة البابا والمجمع المقدس،وتنظيم شئونها، وبدءقبول الشباب بها والإنتساب إلى الدير قانونياً.
وفى نفس السياق هناك أحد الأباء الأساقفة من معاونى قداسة البابا مُخصص لمتابعة مشكلات الرهبان أو الراهبات سواء الروحية أو الصحية وغيرها، وكذلك التحقيق فى بعض التجاوزاتالتى قد تظهر، ضماناً لإستقامة الحياة الرهبانية ونقاوتها من كل شائبة….
وإن باب التوبة مفتوح أمام كل أحد وتفرح الكنيسة تماماً كالسماء بعودة الضال والتائه والمُضلل، وإحتضان كل تائب فهل بعد كل ما تقدم أن نُسمى ما يحدث فى “الريان” أنه “رهبنة”؟!!… إنه تشويه للرهبنة وتاريخها المجيد.


