فى الوجود الإنسانى على سطح الأرض، أسرار عديدة، البعض نعرفه وكثير نجهله….على قمة أسرار ذلك الوجود نجد “الحُب”، فالحُب شعور وإحساس يفهمه الإنسان بدرجات مُتفاوتة، ويُعبر عنه قولاً أو فعلاً أو سلوكاً أو إحساساً أو شعراً أو فناً….ألخ.
بل ويُعتبر “الحُب” هو مفتاح قلب أى إنسان، فى كل زمان وكل مكان… الإنسان كائن جائع إلى الحُب، يحتاج أن يشبع و”النفس الشبعانة (من الحُب أساساً) تدوس العسل (أى إغراء آخر)” كما يُعلمنا سفر الأمثال (27: 7).
أما “الموت” فهر سر آخر، من أسرار الوجود البشرى به تنتهى رحلة حياة الإنسان، إلى الشاطئ الآخر من الحياة والموت هو ذلك الزائر المُزعج، الذى يحمل الإنسان بعيداً عن الأرض، ويُشكل لغزاً وسراً لا نعرف كنهه تفصيلاً.
ومعرفتنا عن الحياة الجديدة، نستقيها من الكُتب المقدسة وإختبارات حياة الآباء والقديسين، ثم يأتى “المسيح المصلوب” ليقدم لنا بنفسه، شرحاً عميقاً لهذه الأسرار مجتمعة، فيكون “الصليب هو سر الحُب حتى الموت”.
فى سنوات خدمة السيد المسيح العلنية، صنع معجزات عديدة، وقدم تعاليم كثيرة، بعضها أمثال توضيحية وبعضها وصايا وقيم، كما تقابل مع الشخصيات، أفراداً وجماعات رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً…
البعض من قمة السلم الإجتماعى، والبعض من متوسطى الحال…. وكل هذه كانت تُشير إلى ذلك اليوم العظيم يوم الصليب المجيد، لقد قدم حُبه العجيب بكل شكل، ولكل من تقابل وتلامس معه.
ولكن كانت واقعة الصليب، هى التعبير الأقوى عن ذلك الحُب، وقد سبقها مُباشرة حادثة لها دلالة بالغة وهى غسل الأرجل.
إنه من السهل أن نغسل أرجل الذين نحبهم مثل الأم، التى لا تجد حرجاً فى غسل إبنها أو المُمرضة التى تغسل مريضاً أو مُسناً…
ولكن غسل أرجل من أهاننى أو ضايقنى، بالتأكيد أمر صعب أو حتى مُستحيل… وربما رد فعل بطرس الرسول عن هذا الأمر يوضح لنا شيئاً، كما نقرأه فى (يو13) فى ذلك الحوار الرائع :
بطرس : يا سيد أنت تغسل رجلى؟!!!
يسوع : لست تعلم أنت الآن ما أنا أصنع، ولكنك ستفهم فيما بعد.
بطرس : لن تغسل رجلى أبداً!
يسوع : إن كنتُ لا أغسلك فليس لك معى نصيب.
بطرس : يا سيد ليس رجلى فقط، بل يدى ورأسى.
يسوع : الذى قد إغتسل ليس له حاجة، إلا إلى غسل رجليه، بل هو طاهر كله.
وهكذا ظهرت سيمفونية الحُب، والتجرد التام عند الأقدام…. وبعدها نصل إلى مشهد الصليب القوى، الذى هو قمة خطة الله لخلاص الإنسان، لقد كان مشهداً مُحاطاً بالضعف والعار والإهانات، والأشواك والألم والموت لأنه ” بدونِ سفكِ دَمٍ لا تحصُلُ مَغفِرَةٌ!” (عب9: 22).
ومن مسيح خلاصنا فوق الصليب، تولد العبارات السبع التى ترسم لنا عالم الفداء الجديد :
1) “يا أبَتاهُ، اغفِرْ لهُمْ، لأنَّهُمْ لا يَعلَمونَ ماذا يَفعَلونَ” (لو23: 34) = مغفرة بلا حدود.
2) “الحَقَّ أقولُ لكَ: إنَّكَ اليومَ تكونُ مَعي في الفِردَوْسِ” (لو 23: 43) = فردوس مفتوح بلا حدود.
3) “هوذا ابنُكِ …. هوذا أُمُّكَ” (يو19: 26-27) = وفاء بلا حدود.
4) “أنا عطشان” (يو19: 28) = خدمة بلا حدود.
5) ” إلَهي، إلَهي، لماذا ترَكتَني؟” (مر15: 34)= رجاء بلا حدود.
6) “يا أبَتاهُ، في يَدَيكَ أستَوْدِعُ روحي” (لو23: 46) = سلام بلا حدود.
7) “قد أُكمل” (يو19: 30) = كمال بلا حدود.
والخلاص حب بلا حدود، من المسيح المصلوب صاحب القلب المطعون، واليدين المفتوحتين لكل البشر تناديان نداء الراحة :
“تعالَوْا إلَيَّ ياجميعَ المُتعَبينَ والثَّقيلي الأحمالِ، وأنا أُريحُكُمْ. اِحمِلوا نيري علَيكُمْ وتعَلَّموا مِنِّي، لأنِّي وديعٌ ومُتَواضِعُ القَلبِ، فتجِدوا راحَةً لنُفوسِكُمْ. لأنَّ نيري هَيِّنٌ وحِملي خَفيفٌ” (مت11: 28-30).
لقد إنتصر الحُب على الموت، وقام المسيح فى اليوم الثالث، ليكون الحُب أقوى من الكراهية، والحياة أقوى من الموت، والصليب هو سر الحب الدائم، والقائم فى حياة المسيحين، عبر رحلة الزمان…
إخرستوس آنستى أليسوس آنستى


