يوم الصليب هو أعظم أيام البشرية الذى انتظرته أجيال وأجيال لكى مايفرحوا. جاء ذلك فى عظة قداسته التى ألقاها فى صلوات الجمعة العظيمة اليوم فى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية. حيث قال قداسته أن الصليب يحمل 3 أبعاد وحقيقتان وخطوتان… إليكم نص العظة
يوم الصليب هو يوم مشهود ومشحون بتفاصيل كثيرة. لقد أصبح الصليب شعار لكل المسيحيين. بعض الشعوب تتخذ من الأشجار أو الحيوانات أو الطبيعة شعاراً لها؛ أما المسيحيون فقد اتخذوا الصليب شعاراً لهم، فهو شعارنا، حياتنا، ملخص إيماننا وافتخارنا فى كل زمان ومكان.
تجتمع فى الصليب كل المشاعر، المعانى، القيم والمبادئ. فهو يتكون من عارضتين إحداهما رأسية والأخرى أفقية. ورغم أنه بسيط فى تكوينه هذا إلا أنه يزخر بالمعانى السامية ويحوى أعماق لا يدركها كل البشر
الصليب يضم 3 أبعاد وحقيقتان وخطوتان هم:
1 – الصليب الذى صلب عليه السيد المسيح كان شجرة عادية مقسومة إلى نصفين بدون اى تهذيب؛ لكنه حوى حقيقتين هما:
– الأولى هى الإنسان الخاطئ الذى سقط فى اختبار المحبة والوصية التى أعطاها الرب لادم وحواء متمثلاً فى اختبار الشجرة “من كل شجر الجنة تأكل عدا شجرة معرفة الخير والشر” وكانت السقطة الأولى بغواية الحية واستحق أبوينا العقوبة “موتاً تموت” ودخلت الخطية إلى الإنسان فنجد قايين يقتل هابيل. وانتشرت الخطية حتى جاء الطوفان ليغسل الإنسان؛ حتى برج بابل لم يفد الإنسان فى شئ
الخطية تبدو فى حياة الإنسان لذيذة ومقنعة وأحياناً تبدو له ضرورية. وبعد دخوله فى شباكها يبدأ يتلوث فكره وضميره ومشاعره بها. فإذا كان منتبهاً استطاع طردها. وإن لم يكن فتتحول داخله إلى عادة شريرة ويرتبط بها ارتباط وثيق حتى يظن أنه لن يستطيع الحياة بدونها سواء أكانت الشهوة المحّرمة أو القنية المحّرمة “الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله”
– أما الحقيقة الثانية فهى حقيقة الله المحب الذى خلق الإنسان ولم يتركه فى شره فدبر له خطة الخلاص. فهو الإله المحب الذى أعطى الوعود وأرسل الرسل ثم جاء فى ملء الزمان متجسداً مولوداً من إمرأة “الكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأيناه ورأينا مجده مجد ابن وحيد لأبيه”. جاء يصنع المعجزات ويقابل الشخصيات فتتغير حياتهم مثل: زكا العشار، السامرية ونيقوديموس.
واحد من تلاميذ المسيح خانه.. خان الحب السامى اسلمه بقبلة هى قبلة الخيانة. وجاء يوم الصلب حيث الاستهزاء، اللطم، الجلد وأكليل الشوك.
الصليب يحمل هاتان الحقيقتان: الإنسان الخاطئ والله المحب. ويصنع الرب خلاص الإنسان على الصليب ويكمله فيقول “قد أكُمل”
فى معجزة عرس قانا الجليل تطلب العذراء مريم من السيد المسيح أن يتدخل ويحل مشكلة فراغ الخمر وهو مشروب الضيافة ويرمز إلى الفرح وكأن العذراء تقول للسيد المسيح ليس لهم خمر أى ليس لهم فرح. وكانت إجابة السيد المسيح أعجب ما يكون فيقول لها “مالى ولك يا إمرأة. لم تأت ساعتى بعد” من يدقق فى سؤال العذراء وإجابة المسيح لا يجد اى تساوى أو توافق فالعذراء تتحدث عن الخمر؛ أما المسيح فيجيب وهو شاخص وناظر إلى اتمام الخلاص وإحلال الفرح بموته على الصليب.
2 – يوجد فى الصليب حالتين هما:
حالة الرفض: حيث يرفضه البعض ويعتبره عاراً وهلاكاً. حيث كان قديما وسيلة للاعدام وكانت الإمبراطورية الرومانية لا تنفذ حكم الصلب على رعاياها ممن يحملون الجنسية الرومانية نظراً لبشاعته.
حالة القبول: يقبله المسيحيون ويقول عنه معلمنا بولس الرسول “مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في” ويقول “حاشا لى أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح”
اليهود رفضوا الصليب وصرخوا أمام بيلاطس “اصلبه اصلبه” ومنذ اليهود وعبر الزمان هناك من يرفض الصليب ويعتبره استخفاف وعار. لكن يوجد المسيحيين الذين قبلوه. حتى وقت الصلب نجد من قبلوه ومثّلوا نقاط مضيئة يوم الصلب منهم:
– العذراء مريم والدة الإله التى نظرت لابنها معلقاً على الصليب وقالت ” أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص. وأما أحشائى فتلتهب عند نظرى إلى صلبوتك الذى أنت صابر عليه من أجل الكل يا ابنى وإلهى” تنظر لصليب الخلاص باكية على ابنها لكن قلبها يتهلل بخلاص العالم.
– اللص اليمين يقبل الصليب فيما يرفضه اللص اليسار فى ذات الوقت. اللص اليسار يسخر ويرفض؛ أما اللص اليمين فيقبله ويؤمن ويطلب من المسيح المصلوب “اذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك” التى نسميها (أمانة اللص). اللص اليمين قبل الصليب بتوبة ومشاعر صادقة، فنال المكافأة من السيد المسيح واستحق أن يسمع منه “اليوم تكون معى فى الفردوس” لذا نسميه سارق الفردوس.
– قائد المئة الذى طعن السيد المسيح فى جنبه بالحربة ثم شهد وقال ” حقاً كان هذا الإنسان ابن الله” قائد المئة لم يكن يهودياً ولكنه كان شاهد فى وقت أحداث الصلب.
أمام الصليب توجد الحالتين: حالة قبول الصليب وحالة رفضه، إما أن يقبله الإنسان أو يرفضه. إما أن يراه عار وإهانة أو يراه مجد وافتخار.. هكذا الصيب هو رجاؤنا، شفاؤنا، خلاصنا وشعارنا.
– الصليب خطوتين هما:
1) خطوة رأسية نحو الله
نسمع كثيراً فى الكنيسة عن حمل الصليب والتألم مع المسيح. كيف يحمل الإنسان الصليب؟
حمل الصليب له صور عديدة منها:
– الاستشهاد والكنيسة تقدم فى كل زمان شهداء حملوا صليبهم وقبلوا الالام من اجل اسم المسيح وحباً فيه.
– احتمال المرض وقبول الألم ومصاعب الحياة هو صورة من صور حمل الصليب إذا احتملها الإنسان بشكر.
– كراهية الإنسان للشر والخطية ورفض أى رغبات جسدية أو رفض الانشغال بالعالم كل هذا صورة من صور حمل الصليب “الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات”.
– حياة الزهد والنسك والتوبة هى أيضاً صورة من صور حمل الصليب “إذا كنا متنا معه فسنحيا ايضاً معه”.
2) خطوة أفقية نحو البشر
يقول لنا السيد المسيح “من لا يحمل صليبه ويأتى ورائى لايقدر أن يكون لى تلميذاً” هكذا لا يستطيع أن يعيش الإنسان فى ذاتية وأنانية؛ لكنه يجب أن يخرج للناس فى خطوة أفقية تتمثل فى:
– أعمال المحبة التى يقدمها طواعية للناس
– اعمال السلام لإنهاء النزاعات والصراعات “طوبى لصانعى السلام…”
– أعمال الرحمة التى يحتاجها العالم كله واللاجئين الذين تركوا بلادهم وحياتهم.. منهم الكبار والصغار. هل لك القلب الرحيم لتفكر فيما يشعروا به.. ان تتحرك نحوهم مادياً او بصلوات ترفعها لله من أجلهم حتى يحل الرب بسلامه فى قلوبهم
– أعمال الخدمة الروحية لتقديم المسيح لكل شخص.
هكذا هو الصليب خطوة رأسية نحو الله وأخرى أفقية نحو البشر.
إن كان الصليب عند الهالكين جهالة؛ فهو عندنا قوة وافتخار حيث نرى مسيحنا القدوس على الصليب فاتحاً ذراعيه منادياً كل أحد. منكس الرأس لأنه ينظر للناس يدعوهم قائلاً “تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم”.نراه مغلق العينين لأنه يحفظنا داخلهما.. نراه نازفاً الدم من يديه ورجليه وجنبه ورأسه الذى كُلل بإكليل الشوك الذى يشير لخطايا كل البشر التى وضعها السيد المسيح فوق رأسه واحتمل آلامها من أجل خلاصنا.
هذا هو يوم الصليب الذى نفرح فيه بمسيحنا المصلوب فنقول له “لك القوة المجد والبركة والعزة” لأنك يارب صنعت بالضعف ما هو أقوى من القوة.
الصليب ليس تاريخاً أو كلاماً نردده أو مشهداً نراه؛ لكنه حقيقة نحتاج أن نعيشها كل يوم. لولا الصليب ما كان لنا مكان فى السماء أو موضع فى الأبدية.. الصليب يفتح لنا الطريق إلى السماء. فلا تدع يوماً يمر من عمرك دون أن تنظر للصليب وتصلى قطع الساعة السادسة (ساعة الصليب) اجعلها تدريب يومى استحضرها فى قلبك وأمام عينيك وفى حياتك كل يوم.
يعطينا مسيحينا أن تكون حياتنا ممجدة بالصليب. لإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد أمين.


