أهنئكم أيها الأحباء بعيد القيامة المجيد، أهنئكم بفرحة هذا العيد، أهنئ الكنيسة القبطية فى كل مكان الأباء الأباء المطارنة، والأباء الأساقفة الأباء الكهنة والشمامسة أهنئ مجالس الكنائس وكل الخُدام والخادمات.
الشباب والأطفال، وأهنئ كل الأسر المسيحية فى كل مكان، أهنئ كل الإيبارشيات القبطية، الموجودة فى بقاع العالم، كل سنة وحضراتكم طيبون، وكل قيامة وأنتم بخير وبصحة.
الحقيقة عيد القيامة هو قمة أعيادنا، وفرح أفراحنا وبهجة قلوبنا، وهو العيد الذى نحتفل به فى كل يوم. عندما نتحدث عن عيد القيامة، نتذكر السيد المسيح الذى صُلب على الصليب.
لقد مات حقاً، ويؤكد هذا شهادات كثيرة، فهناك قائد المئة، وهناك حُراس القبر، وهناك النسوة اللاتى زرن القبر، وهناك يوسف الرامى، الذى حمل جسد السيد المسيح، وهناك بيلاطس البنطى الذى حوكم أمامه السيد المسيح، وهناك أدلة كثيرة، على أنه مات حقاً على الصليب، منها إنشقاق حجاب الهيكل، والأكفان التى وُجدت فى القبر والحجر الكبير الذى كان على باب القبر، وأيضاً الحُراس الذين حرسوا هذا القبر، بأمر من الوالى الرومانى، وأخيراً ختم الوالى الرومانى، الذى وُضع على باب القبر.
السيد المسيح الذى صُلب على الصليب قام فى اليوم الثالث كما نقول ونشهد فى قانون الإيمان وأيضاً شهد الملاك الذى أعلن أن المسيح قد قام، وشهد الحُراس الذين أنبطحوا على الأرض.
ولكن رؤساء الكهنة أشاعوا إشاعات كاذبة، وأضاليل باهتة وأخيراً قد كانت ظهورات السيد المسيح العديدة للتلاميذ أكبر دليل على قيامة السيد المسيح، وهناك دلائل آخرى ملموسة منها الزلزلة، التى صاحبت قيامة السيد المسيح.
والحجر الذى دُحرج على باب القبر، وحديث النسوة وهن فى طريقهن، فى فجر القيامة ليضعن الحنوط، ثم القبر الفارغ، لأن المسيح قد قام تاركاً الأكفان، والمنديل فى مكان الدفن. القيامة قد تمت فى السنوات الأولى من القرن الأول الميلادى، تقريباً فى عام 33 م، ولكن السؤال الأهم، ما هى فائدة القيامة لإنسان اليوم، ونحن نعيش فى القرن الواحد والعشرين؟!!
ما فائدة قيامة السيد المسيح من أجلنا؟
أما عن فائدة القيامة لنا، سأذكرها فى عدة نقاط :
1) القيامة تجعل الإنسان يعرف حقيقة أصله السماوى فأنت أيها الإنسان مخلوق سماوى، خُلقت على صورة الله ومثاله، على صورته فى العقل ومثاله فى الإرادة، ولكن الإنسان الأول، إستخدم إرادته إستخداماً خاطئاً، فكانت النتيجة أنه أساء إستخدام الحرية.
فكسر الوصية ومعها كسر قلب الله، وسقط الإنسان وإنطفأت صورة الله فيه، فصار هناك إرتباط فى العقل وعدم القدرة على التمييز أو الأفراز، وبالكلية صار الإنسان عاجزاً على تبيان الحقيقة، وجاءت فترة سعى فيها الله للإنسان، من خلال أصوات الأنبياء.
ثم جاء تجسد الله، وكان القصد من وراء كل هذا إستعادة الصورة المُضيئة للإنسان، فى صورته الجميلة وجاءت القيامة، لكى تُنير للإنسان الحياة الجديدة، وصار الإنسان كائناً مُنيراً.
ولذلك قال السيد المسيح “كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بي لا يَمكُثُ في الظُّلمَةِ” (يو12: 46)، لأن نور القيامة يشع فى حياته فتعود الصورة إلى أصلها، ويعود الإنسان فى الحقيقة على صورة الله ومثاله، هذه إذا أول فائدة وهى أن الإنسان يعرف حقيقة أصله السماوى.
2) الأمر الثانى، أن يحيا الإنسان حياة الأمل، والرجاء كل يوم، وليس فى فترات مُتقطعة فى حياته. فالإنسان اليوم يحتاج إلى هذا الرجاء كثيراً، تذكروا معى مريم المجدلية المرأة اليائسة التى ذهبت إلى القبر، تبحث عن مُعلمها وسيدها، وعندما وجدت إنساناً يُحدثها…
ظنت أنه البستانى، وكانت فى هذه اللحظات، فى بكاء شديد تبحث عن مسيحها، وأخيراً وجدته وعرفته، عندما نطق باسمها “يا مريم”، وكانت النتيجة أنها صرخت بتلك العبارة “ربونى” (يو20: 16)، أى معلمى وسيدى وربى.
وأيضاً عندما ظهر السيد المسيح، لشابين يتحدثان بيأس عن قصة قيامته، ظهر بينهما وهما متجهان إلى عمواس القريبة من أورشليم، لتأتى نهاية المُقابلة بقولهما لبعضهما “ألَمْ يَكُنْ قَلبُنا مُلتهِبًا فينا” (لو24: 32).
وضاع اليأس وحل محله الرجاء والأمل، كما وجدناه أيضاً، مع جماعة التلاميذ، الذين كانوا فى خوف شديد ولكن عندما ظهر المسيح بينهم، نجد الكتاب المقدس يقول ” ففَرِحَ التلاميذُ إذ رأَوْا الرَّبَّ” (يو20: 20).
3) الأمر الثالث من فوائد القيامة لإنسان اليوم، هو إننا نقتنى بالقيامة نعمة التبنى، فى كل يوم تعيش الكنيسة القيامة وتذكرها فى الصلاة، ونحن فى كل يوم عندما نُصلى صلاة باكر فى الأجبية، إنما نتذكر القيامة المجيدة لأنها حدثت وقت الفجر، وعندما نحتفل فى كل يوم أحد بالقداس الإلهى، نجتمع فى يوم الرب، الذى هو يوم القيامة، وهذا هو العيد الأسبوعى.
وفى كل شهر قبطى نحتفل فى يوم 29 من الشهر القبطى، بهذه التذكارات الثلاثة البشارة والميلاد والقيامة وأيضاً فى كل عام، نحتفل بعيد القيامة المجيد، ويمتد إحتفالنا إلى خمسين يوماً، نُسميها الخماسين المُقدسة.
هذه الصورة الجميلة، التى نقتنى بها نعمة التبنى نقتنيها فى المعمودية، حيث نُدفن فى ثلاثة غطسات على مثال الثلاثة أيام، التى قضاها السيد المسيح فى القبر،وعندما نتقدم لتناول الأفخارستيا، يصلى الأب الكاهن فى نهاية كل قداس ويقول فى الإعتراف الأخير.
“يُعطى عنا خلاصاً وغفراناً للخطايا، وحياة أبدية لكل من يتناول منه”، فى كل قداس نتقدم ونتناول، من الجسد المُقدس، والدم الكريم نتناول منهما، لكى ما ننال الحياة الجديدة، فى نور القيامة المجيدة “إنْ لم تأكُلوا جَسَدَ ابنِ الإنسانِ وتشرَبوا دَمَهُ، فليس لكُمْ حياةٌ فيكُم” (يو6: 53).
إننا أيضاً لا نفهم كلمة الإنجيل المقدس، إلا فى ضوء القيامة، فالآباء الذين كتبوا الأسفار بوحى من الله، كتبوها فى ضوء معرفتهم، ومعايشتهم لهذه القيامة المجيدة، القيامة إذاً حدث لكل إنسان، وفرحة لكل البشر، وينبغى أن نسعى إلى إقتناء، هذه الفرحة فى حياتنا، لنعيشها فى كل يوم.
القيامة هى التجديد، لعمر كل واحد منا، فى كل عام إفرح بالقيامة وعش روعة القيامة، نحن نُصلى فى كل ليلة فى تسبحة نصف الليل، ونقول “قوموا يا بنى النور لنسبح رب القوات”، هذه هى صرخة كل يوم، ونداء الكنيسة فى كل يوم “قوموا يا بنى النور”..
بالقيامة صرنا بنى النور، وبالقيامة نقف ونسبح رب القوات، كما يُعلمنا الكتاب المقدس على الدوام “ليس بأحَدٍ غَيرِهِ الخَلاصُ لأنْ ليس اسمٌ آخَرُ تحتَ السماءِ، قد أُعطيَ بَينَ الناسِ، بهِ يَنبَغي أنْ نَخلُصَ” (يو4: 12)، القيامة المجيدة فرحة.
دعونا نُصلى أن تدوم هذه الفرحة، فى قلب كل إنسان فليفرح كل منكم بهذه القيامة، فى حياته فى بيته، فى أسرته فى عمله فى خدمته، فى كنيسته فى حياته، كى تُصبح القيامة فرحة الإنسان فى كل يوم، وليستقبل صباح كل يوم بالقيامة المجيدة، حتى يكون النهار جديداً، كل يوم وتكون حياته قيامة على الدوام.
أكرر تهنئتى للجميع، وأفرح معكم وأنقل إليكم تهنئة مصر كلها، كنيسة وشعباً الآباء المطارنة والأساقفة فى المجمع المقدس، وكل الأكليروس وكل الشعب، وكل قيامة وأنتم بخير.
المسيح قام بالحقيقة قام


