“فانظُروا كيفَ تسلُكونَ بالتَّدقيقِ، لا كجُهَلاءَ بل كحُكَماءَ، مُفتَدينَ الوَقتَ لأنَّ الأيّامَ شِرِّيرَةٌ. مِنْ أجلِ ذلكَ لا تكونوا أغبياءَ بل فاهِمينَ ما هي مَشيئَةُ الرَّبِّ. ولا تسكَروا بالخمرِ الذي فيهِ الخَلاعَةُ، بل امتَلِئوا بالرّوحِ، مُكلِّمينَ بَعضُكُمْ بَعضًا بمَزاميرَ وتسابيحَ وأغانيَّ روحيَّةٍ، مُتَرَنِّمينَ ومُرَتِّلينَ في قُلوبِكُمْ للرَّبِّ. شاكِرينَ كُلَّ حينٍ علَى كُلِّ شَيءٍ في اسمِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، للهِ والآبِ. خاضِعينَ بَعضُكُمْ لبَعضٍ في خَوْفِ اللهِ” (أف5: 15-21).
الزمن هو العطية الفريدة التى يمنحها الله لجميع البشر بنفس التساوى، فالطفل الرضيع والإنسان البالغ رجلاً كان أم أمرأة… كبيراً أم صغيراً، ينال أربع وعشرين ساعة كل يوم، وصارت فى حياة البشر عبارات تقليدية ترتبط بالزمن مثل، ربنا يخليك / ربنا يطول عمرك / كل سنة وأنت طيب/ عقبال مائة سنة…ألخ.
ويختلف إحساس الإنسان بالزمن، فهو عند الطفل ذى الثمانية أعوام زمن بطئ، ولكنه عند الشيخ ذى الثمانين عاماً زمن سريع، وبسبب ذلك نقابل شيوخاً فى العشرين من عمرهم، وبالمثل شباباً فى السبعين من عمرهم، ومعنى ذلك أن الشيوخة ليست هى تجاعيد الوجه بل هى تجاعيد العقل.
إن الزمن يناسب مع “تركيز” الحياة التى إختبرناه، وأيضاً مع “نوعية” الحياة التى نشعر بها، فعشرون سنة مثمرة خير من مائة سنة بلا ثمر عديمة النفع وباطلة.
وبالنظرة الفاحصة للزمن تراه :
1) زمن ينقضى : وهو شيخوخة وزوال وموت.
2) زمن يبقى : وهو مستقبل فيه رجاء وأمل.
ومن هنا كانت علاقة الإنسان بالزمن فى ثلاثة أفعال رئيسية :
1) يتذكر: فعل مرتبط بالماضى والذكريات والأحداث التى مرت فى حياة الإنسان، عبر عشرات السنين… وأكثرها محفوظ ومحفور فى ذاكرة الإنسان، ولها تأثيرات سلبية أو إيجابية على شخصيته وقراراته ونفسيته.
2) يتأسف : فعل مرتبط بالحاضر، أى أن الإنسان يستطيع أن يحكم على أموره، وضميره يتعبه ويشعر بخطئه إن أخطأ، سواء بالكلمة أو الحركة أو الإشارة أو القرار، أو فى العلاقات مع الآخرين، والإنسان يبدأ فى الشيخوخة حين يقول لنفسه أو للآخرين ” كم كانت الحياة جميلة وحلوة….وليس مثل الحاضر” إنه يهرب من الحاضر نحو ماضٍ أمين ومريح وهذا وهم مرفوض، لأن كل شئ جديد يولد فى اللحظة الحاضرة، فالواقع الذى تعيشه اليوم أو فى هذه اللحظة، هوبكر جميل وجديد يحمل لك نسمات أول صباح فى حياة الخليقة البديعة.
3) يحلم : فعل مُرتبط بالمستقبل حيث يمتد الفكر والذهن والإشتياق والتطلع إلى آفاق الزمن القادم بلا قلق أو هم ويقولون “اليوم هو الغد الذى كنت قلقاً بشأنه بالأمس”، وعلى هذا الأساس لا يصح أن نقول أن “الوقت يمضى”،الأصح أن نقول “أننا نحن الذين نمضى”، ونُلاحظ أن الطفل يعيش اللحظة الحاضرة بكاملة ويتوه فيها، وهذا هو سر سعادته حين يلعب أو يسمع قصة أو يُشاهد عرضاً…
وهكذا تتشكل عند الإنسان ثلاثة خبرات هى :
1) خبرة الزمن : أى الخبرة التى أشعر فيها بنفسى فقط، كما فى وقت الخلوة الشخصية والفردية حيث يخرج الإنسان من حالة التشتت والسطحية والخارج إلى حالة التركيز والوعى والداخلمن خلال السكون والصمت، ويميل الإنسان لحالة هروبمن الحضور للذات!!! أو هناك خوف من مواجهة الذات، فأحياناً فى حالة الصمت يفتح الإنسان مذياعاً أو ريكوردر أويتصل تليفونياً، وبالتالى يعيش معظمنا فى حالة إنشغال وتشتت مفزعة، صديقى دع ما تقرأ وأقفل أية موسيقى وأدخل إلى ذاتك وواجه نفسك ” فادخُلْ إلَى مِخدَعِكَ وأغلِقْ بابَك” (مت6: 6)، بمعنى “أدخل إلى قلبك وأغلق فمك”.
إن قمة النجاح للإنسان أن يشعر بداخله بمشاعر الهدوء،وربما يحتاج الأمر أن تُمرر كفك على وجهك وتتلمس جبينك والأنف والأذن والعين والإحساس بالجسد وتهدأ إنفعالاتك وتقول مع أوغسطينوس التائب “أيها الجمال الدائم فى القدم والدائم فى الحداثة… ما أروعك!!”.
2) خبرة المكان :
بمعنى أن يلتفت الإنسان إلى كل شئ فى حياته فيراه جميلاً لأنه أحياناً من سرعة الحياة وعدم التركيز لا نكتشف الجمال أو حتى نتذوقه، والشاعر يقول “كن جميلاً ترى الوجود جميلاً”، فالحياة جميلة وحلوة ورائعة : الوردة…الطبيعة…السماء….البحر…الريف….البرية….ألخ إننا نحتاج إلى الإنتباه إلى التفاصيل والدقائق فى حياتنا لتكون لنا نظرة الفنان إلى العالم لقد رسم الفنان العالمى فان كوخ لوحة شهيرة أسمها “كرسى القش” وقد بيعت فيما بعد بملايين الجنيهات لروعتها وجمالها.
إن خبرة المكان تعنى أن يتلامس الإنسان مع يد الله التى صنعت كل هذا الجمال الموجود فى هذه الخليقة البديعة، وإذا كان الفنان هو الشخص الذى يعرف كيف ينظر إلى الأشياء، فالمسيحى هو الذى يعرف كيف يتأمل جديداً مع كل صباح.
3) خبرة الكيان : وهى تعنى الحضور للآخر، إن عطاء الوقت والإنتباه والفكر والقلب وكل الكيان من خلال النظرة والإبتسامة والمصافحة والوعى والروح، ولكل من نخدم معهم…
فأى لقاء ليس مجرد وجود أجساد متوازية، بل تلاحم أرواح وحضور أفكار وإمتزاج قلوب، المؤمن الذى يحمل سمة الله وصورة المسيح ليقدمه للآخرين أوكما يقول بولس الرسول “كونوا مُتَمَثِّلينَ بي كما أنا أيضًا بالمَسيحِ” (1كو11: 1).
كثيراً ما نتوه فى وسط خدمتنا وننسى مشاعر بداية تكريسنا وحرارة الروح التى كنا فيها، وطالما يحيا المؤمن فى الوصية ويحفظها لا يفقد أبداً إلتهاب قلبه فى خدمته “حافِظُ الوَصيَّةِ لا يَشعُرُ بأمرٍ شاقٍّ، وقَلبُ الحَكيمِ يَعرِفُ الوَقتَ والحُكمَ. 6لأنَّ لكُلِّ أمرٍ وقتًا وحُكمًا. لأنَّ شَرَّ الإنسانِ عظيمٌ علَيهِ” (جا8: 5، 6)، ولأن التاريخ الذى يمتد بعده حاضر بكامله فيه، لذلك أستطاع الرب يسوع المسيح أن يفدى البشر.
أشير عليك أن تدرس كتابك المقدس من جهة الإشارات الزمنية فيه وسوف تجد عجباً… فمثلاً سفر الرؤيا يبدأ وينتهى بإشارة زمنية “الوقت قريب” (رؤ1: 3، 22: 10) أيضاً دراسة الأمثال من جهة الزمن مثل مثل العذارى الحكيمات الذى نُصليه كل ليلة فى الخدمة الأولى من صلاة نصف الليل
“عِظوا أنفُسَكُمْ كُلَّ يومٍ، ما دامَ الوَقتُ يُدعَى اليومَ” (عب3: 13)، “صَنَعَ الكُلَّ حَسَنًا في وقتِهِ” (جا3: 11).
صديقى تعلم من ماضيك، وإفرح فى حاضرك، وترجى كل مستقبلك.


