تأسست المسيحية فى مصر منذ منتصف القرن الأول الميلادى حينما جاء القديس مارمرقس الرسول إلى مدينة الأسكندرية قادماًمن مسقط رأسه ليبيا (الجارة الغربية لبلادنا) وبعدما تتلمذ على يد السيد المسيح فى أورشليم بفلسطين، وعلى أرض مدينة الأسكندرية إستشهد عام 68 ميلادية، بعد أن إرتوت الأرض بدمائه المقدسة، وصار مؤسساً للكنيسة المصرية، التى عُرفت عبر الزمن باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (كرسى الأسكندرية) Coptic Orthodox Church of Alexandria
وإنتشرت المسيحية فى كل ربوع مصر، ولم ينته القرن الأول إلا وقد صارت مصر مسيحية فى كل أرجائها، من شمال الوادى حتى جنوبه، ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب مروراً بالواحات والصحارى والبرارى وكل بقاع “كورة مصر” حسب التعبير القديم.
وتحولت كثير من معابد الوثنين إلى مواضع المسيحية، كما صارت كثير من المغاير والمقابر والمزارع بمثابة كنائس لإجتماع المسيحين، خاصة فى أزمنة الإضطهاد التى إستمرت عدة قرون، وبعدها بدأ بناء الكنائس لحاجة المؤمنين وبالطبع لم تكن هناك أية قوانين أو تشريعات لهذا الأمر.
وإستمر الحال بعد دخول الإسلام مصر فى القرن السابع الميلادى…وكان يحدث بين الحين والحين تضيق على المسيحين بسبب قسوة بعض الحكام، وفى أحيان آخرى نعمت البلاد بالسماحة والمودة والعلاقات الطيبة فكان الحال أفضل…وتشهد الآثار المسيحية والكنائس القديمة والمنتشرة فى أماكن كثيرة فى مصر (خاصة تلك التى زارتها العائلة المقدسة) على إنتشار الكنائس فى المدن والقرى والصحارى والأديرة وغيرها…
وإستمر الحال هكذا إلى أن بُليت البلاد بالإمبراطورية العثمانية بكل ما حملته من عنف وإضطهاد وتعصب، وصدر فيها ما يُسمى بـ “الخط الهمايونى” عام 1856 م، وهو بمثابة قانون يضع بناء الكنائس فى سلطة المسؤل الأول فى البلاد سواء الخديوى أو الملك أو الرئيس، وبذلك يصير إنشاء الكنيسة يخضع لهذه السلطة فقط فى إستثناء غير مبرر عن إنشاء أى مبنى آخر على أرض الدولة!!!
ورغم توالى الحكام، وتنوعهم ثم قيام الملكية فى مصر بقى هذا “القانون”، إلى أن جاء عام 1934م،وأضاف إليه وكيل وزارة الداخلية وقتها، وإسمه العزبى باشا، عشرة شروط تعجيزية تجعل من بناء الكنيسة أمراً عسيراً جداً يستغرق سنوات وسنوات، ويحتاج إجراءات معقدة جداً… وإستمر الحال حتى بعد قيام الثورة وقيام الجمهورية فى يوليو 1952 م، (منذ 64 سنة)، وظهرت المشكلات، وإستغل ضعاف النفوس ومتعصبى الفكر هذا القانون، وهذه الشروط لتعطيل بناء الكنيسة فى أماكن كثيرة، وربما تشهد بعض المدن هذا الظلم حتى الأن، رغم تواجد مصريين أقباط فيها بأعداد كبيرة ووقعت حوادث فى أماكن مُتفرقة سُميت بـ “الفتنة الطائفية”!!وسببت صداعاً وألماً وجرحاً فى نفوس المواطنين الأقباط، وإحساسهم بأنهم ليسوا على نفس مستوى المواطنة مع إخوتهم فى الوطن، رغم تاريخهم الطويل.
وفى عام 1972 م، ومع بداية فترة رئاسة الرئيس الراحل أنورالسادات، وأيضاً مع بداية حبرية المُتنيح البابا شنودة الثالث، وقعت أحداث مفزعة فى منطقة الخانكة بضواحى القاهرة، وكانت البلاد تستعد لحرب 1973 م، وتلك الأحداث تؤثر على تماسك الجبهة الداخلية التى هى عماد وجود الوطن، مما جعل الرئيس السادات، يُشكل لجنة لتقصى الحقائق برئاسة الدكتور جمال العطيفى وكيل مجلس الشعب آنذاك،وقد وضعت اللجنة تقريراً صافياً لمحاولة معالجة هذا الموضوع الشائك عُرف باسم “تقرير لجنة العطيفى” وقد تضمن هذا التقرير شرحاً وافياً أن بناء الكنائس يجد تعسفاً وتضيقاً بسبب الشروط العشرة التى أصدرها موظف حكومى دون سند شرعى، فضلاً عن الفرمان العنصرى أو القانون العثمانى الذى مضى عليه وقتها أكثر من 116 سنة (1856-1972)…ووضع ذلك التقرير علاجات شافية لما يُسمى بـ “الفتنة الطائفية” فى أكثر من ثلاثين بنداً…. وللأسف بقيت بنود هذا التقرير حبيسة فى الأدراج حتى الآن….!!
ومع التزايد السكانى الكبير صاربناء كنيسة أمراً عسيراً للغاية، يجد كل تعنت مع أكثر من مسؤل بلا سبب، إلا تمييزاً وتضييقاً وتعصباً!!! وإدى ذلك حدوث أوجاع فى جسد الوطن، ولا يمر عام إلا ونسمع عن هذه الأحداث هنا أو هناك، ويعطى هذا الفرصة لأعداء الوطن وأصحاب النفوس الضعيفة لمزيد من الوجع والألم والحسرة على مصر، وطن المحبة والسماحة والعيش المشترك فى سلام.
ورغم أن العلاج كان واضحاً فى “تقرير لجنة العطيفى” إلا أنه لم يستخدم قرابة الأربعين عاماً!!!
ومع إشتداد الأزمات فى توفير أماكن العبادة للمسيحين المصريين، ورغم صدور بعض القرارات التى تبدو فى ظاهرها أنها تسهيلات، ولكن بقيت التعقيدات الإجرائية التى تستغرق السنين الطويلة، وبلا حلول جادة للمشكلة حتى الآن، وكأن التجمع والصلاة والعبادة للمسيحين صار مُجرماً، ولا يستطيع المسيحى المصرى مقابلة ربه، للعبادة إلا بتصريح وقرار؟!!! وعليه الإنتظار حتى يصدر؟!!…
ومع أحداث الأعوام القليلة الماضية فى حياة الوطن والثورات فيها وإعداد الدساتير، ظهر الحديث عن ضرورة إصدار قانون لتنظيم بناء الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المصريين المسيحيين لشعائرهم الدينية، ووضعت مادة رقم 235 فى الدستور، والتى تلزم مجلس النواب بإصدار هذا التشريع فى أول دور إنعقاد.
وشكلت الكنائس المصرية لجنة واحدة لوضع ملامح مسودة لهذا القانون، وقُدم إلى وزراة العدالة الإنتقالية تمهيداً لعرضه على مجلس النواب وإقراره فى حالة صلاحيته وكفاءته للقضاء على المُشكلات المُتراكمة منذ حوالى 160 سنة وقت صدور الخط الهمايونى؟!!!
وتعددت المسودات والمناقشات والإقتراحات التى نأمل أن تسفر عن صدور قانون حقيقى بلا تعقيدات أو ألغام، أو كما يقولون “تورتة بها زجاج”، أى بنود جميلة شكلاً، ومعقدة ومُعطلة ومُبهمة موضوعاً.
إن الكنيسة مؤسسة روحية مشغولة بخلاص الإنسان من الخطية، كما أنها مؤسسةإجتماعية تخدم مجتمعها بما يُناسب، ولذا نتطلع إلى قانون واضح جداً فى كل بنوده، يبدأ صفحة جديدة فى تنظيم هذا الأمر، ويغلق تماماً كل ما سبق عبر عشرات السنوات.
قانون ليس فيه أى تمييز بين المواطنين، وبعيداً عن الجهات الإدارية التى تفرض هيمنة غير مقبولة، وبعيداً عن أية حساسيات أو فرضيات ليست على أرض الواقع.
إن التاريخ الوطنى للكنيسة المصرية يشهد لها ولدورها الفعال عبر عشرين قرناً من الزمان، إنها مؤسسة وطنية حتى النخاع، مهمومة بسلامة الوطن وصيانته وحفظ تماسكه ووحدته الداخلية، ودور الأقباط المصريين،وكنيستهم مشهود لها فى الداخل والخارج، وعلى هذا الأساس نُصلى وننتظر قانوناُ مُنصفاً عادلاً، خاصة ونحن نحيا فى عصر جديد، فى علاقات طيبة بين جميع مؤسسات الدولة لبناء مصرنا العزيزة والمرموقة بين كل الأوطان.


