يقولون عن الكتاب المقدس أنه ليس كتاباً واحداً بل “مكتبة” كُتب بالوحى الإلهى عبر مئات السنين، فى ترابط وتناغم مدهش حول علاقة الله والإنسان كيف أخطأ، وكيف إفتداه، وكيف خلده فى حياة جديدة نُسميها الملكوت السماوى، والذى يُطالع الكتاب المقدس ويدرسه قراءة وبحثاً سوف يجد بجوار الشخصيات والأحداث والمقابلات سوف يجد “الوعود الإلهية” التى تفيض بها صفحات أسفار الكتاب، والتى تتعدى الألاف كوعود مُحددة واضحة، تمنح القارئ والدارس سلاماً وحضوراً إلهياً فى الحياة الإنسانية مع تقلبات الزمن وتتابع الأحداث والأخبار وإنتشار الشكوك والإحباط مع ضعف الإيمان وغيابه فى أوقات كثيرة.
ولذلك نعتبر أن الوعود الإلهية التى نتمسك بها صدقاً ويقيناً إنها بمثاية أعمدة إنارة فى أزمنة الضيق والألم والظلام والقلق والخوف والحزن، وكما قال أحدهم إن هذه الوعود الثمينة تستحق أن نربطها علامة على أيدينا ونكتبها حقيقة فى قلوبنا.
“فالوَعدِ (أى وعد) الذي صارَ مِنَ اللهِ لآبائنا” (أع26: 6) عندما نقبله بإيمان (رو4: 20)، نصير أولاد الموعد (رو9: 8)، وحسب الموعد ورثة (غل3: 29)، “إذا صَنَعتُمْ مَشيئَةَ اللهِ تنالونَ المَوْعِدَ” (عب10: 36)، وأساس كل الوعود الإلهية يقوم على هذا التساؤل وهذا التأكيد :
“ليس اللهُ إنسانًا فيَكذِبَ، ولا ابنَ إنسانٍ فيَندَمَ. هل يقولُ ولا يَفعَلُ؟ أو يتكلَّمُ ولا يَفي؟” (عدد23: 19)
ورحلة الحياة الإنسانية لكل إنسان تقوم على الإيمان بهذه الوعود وبصدقها وبفعلها وبحضورها وإستمرارها، وهذا ما نراه فى تاريخ كنيستنا القبطية الممتد أكثر من عشرين قرناً من الزمان فى صمود وشموخ، وحضور فاعل لأنها تستند على ذراع حبيبها المسيح (نش8: 5) وتقول فى كل زمان “أنا لحَبيبي وحَبيبي لي” (نش6: 3)، بعض الوعود تُشكل مبادئ إنسانية إجتماعية مثلما قال “الرَّبُّ يُعطي رَحمَةً ومَجدًا. لا يَمنَعُ خَيرًا عن السّالِكينَ بالكَمالِ” (مز84: 11).
وبعض الوعود شخصية، ولكنها تصلح لكل إنسان أمين مثلما قال ليشوع ابن نون “كما كُنتُ مع موسَى أكونُ معكَ. لا أُهمِلُكَ ولا أترُكُكَ” (يش1: 5، عب13: 5). وبعض الوعود تنطبق على الكنيسة “أنا الرَّبُّ حارِسُها. أسقيها كُلَّ لَحظَةٍ. لِئلا يوقَعَ بها أحرُسُها ليلاً ونهارًا” (أش27: 3)، وأيضاً “..علَى هذِهِ الصَّخرَةِ أبني كنيسَتي، وأبوابُ الجَحيمِ لن تقوَى علَيها” (مت16: 18).
ونحن نحتفل ببداية السنة القبطية الجديدة (1733ش) عيد النيروز، نتذكر آباءنا الشهداء على مر العصور حتى أيامنا هذه، وكيف نالوا وعداً ثميناً يقول “اِحسِبوهُ كُلَّ فرَحٍ يا إخوَتي حينَما تقَعونَ في تجارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، عالِمينَ أنَّ امتِحانَ إيمانِكُمْ يُنشِئُ صَبرًا. وأمّا الصَّبرُ فليَكُنْ لهُ عَمَلٌ تامٌّ، لكَيْ تكونوا تامِّينَ وكامِلينَ غَيرَ ناقِصينَ في شَيءٍ..”(يع1: 2-4). ويعنى أن وقوع التجارب من الخارج على المسيحى يجب أن يعتبره مصدراً لبركات كثيرة، ولكن بشرط ألا يسقط فى الخطية، أن هذا النوع من التجارب هولتزكيه الإنسان لكى ينال بركات : الصبر والكمال والحكمة والإيمان والإنضاع وغربة العالم وهذه كلها تُشكل “إكليلَ الحياةِ” (يع1: 12).
وهذا الوعد الذى يذكره القديس يعقوب الرسول، فى فاتحة رسالته يقدم تصويراً لأية حالة معاناة يجتازها المسيحيون فى هذا العالم، والتى تشمل المتاعب والضيقات والأحزان والتى تصل إلى حد الإضطهادات والإستشهاد والموت، ومن المدهش أن كل هذه الأفعال تؤول إلى “فرح” لماذا؟!! لأن مسيحنا القدوس يمنح نعمة خاصة وقت الضيق والتجربة، كما أن الإيمان بالله وبحضوره وعمله من أجل خير الإنسان ينشئ حالة فرح، كذلك الصبر المسيحى الذى كله رجاء فى أن مسيحنا ضابط الكل ومُحب البشر وصانع خيرات.
أما قمة هذا الفرح فتكون بالصلاة الشاكرة التى نرفعها من القلب لكى يمنحنا الله الحكمة وقت التجربة ووقت الضيق وهو “يُعطي الجميعَ بسَخاءٍ ولا يُعَيِّرُ” (يع1: 5)، لقد كان الشهداء وقت عذاباتهم يصلون، ووقت إستجوابهم يجيبون بحكمة مذهلة، ووقت موتهم يفرحون ويسعدون، وهكذا صارت كنيستنا المصرية أم الشهداء الجميلة بكل أبنائها على مرالعصور… “اِحسِبوهُ كُلَّ فرَحٍ يا إخوَتي” (يع1: 2)، “لأنَّ الذي وعَدَ هو أمينٌ” (عب10: 23).


