“التربية” أحد المحاور الأساسية فى الحياة الإنسانية، وغياب التربية أو نقصها أو عدم كفايتها له آثار بالغة الخطورة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع المحلى والمجتمع العالمى، بل وعلى الوجود البشرى بصفة عامة.
وإن كان للتربية معاهدها المتعددة وكلياتها المتخصصة، فإن موطنها الأول هو “الأسرة” التى تتكون من خلال الزواج المُقدس، ومن خلال نعمة سر الزيجة المقدس، الذى هو رباط روحى يرتبط فيه رجل واحد وإمرأة واحدة ويكون كل منهما مُساوياً ومُكملاً للآخر فى محبة مُتبادلة وتفاهم وإنسجام، مع تعاون كامل يحفظ قدسية الأسرة بكامل أعضائها.
وكما يعد المجتمع أبناءه للحياة العملية بكل ما فيها من أعمال ومهن وقدرات ومواهب لازمة لقيام هذا المجتمع، من طبيب إلى مهندس إلى محاسب إلى صحفى إلى فلاح إلى عامل…ألخ، وذلك من خلال الدراسات العديدة والمتعددة، فإننا نحتاج إلى إعداد شبابنا إلى الحياة الزوجية والحياة الأسرية والحياة العصرية، لنضمن تربية الأجيال القادمة بالصورة التى نشتهيها فى تكوين إنسان مسيحى متحد بالمسيح الفادى والمُخلص، ومُرتبط بالقديسين فى الكنيسة، ومع كل المسيحين فى كل مكان بروح مسيحية خالص، وكذلك يتفاعل بإيجابية مع بنى وطنه فى نشر السلام والحب وحتى الممات.
إن هناكقلقاً مُتزايداً بين الآباء فى القرن الواحد والعشرين بشأن تربية أبنائهم، لأن هذا العالم المشبع بوسائل التواصل الحديثة هو المسؤل عن لهث الأجيال الجديدة نحو الإلكترونيات مثل :
Facebook, twitter, cellphone (mobile), computer… وهذا أدى بدوره إلى فتور العلاقات الأسرية، وبالتالى نرى هؤلاء الأبناء والشباب فى علاقة حميمية مع أجهزتهم الإلكترونية حتى صاروا شبه منفصلين عن العالم الخارجى وعن أفراد أسرهم، وإنهمكوا فى عالمهم الإلكترونى الجديد، وصار الوجود على شبكة الإنترنت أهم من الوجود فى العالم الحقيقى، لأن هذا هو السبيل الوحيد الذى يحقق لهم الذات والشهرة.
وإحقاقاً للحق فإن الآباء والأمهات فى معظم الأسر صاروا مُثقلين بالأعباء والأعمال والظروف الإقتصادية، وصاروا كالمقيدين بجدول أعمال مُطول، وذلك يستنزف طاقتهم النفسية والجسدية، وهذا بدوره ينعكس على الوقت الذى يقضونه معاً كعائلة، وفقدوا
Heart to heart conversation as a family أى الحوار القلبى معاً كعائلة.
وشيئاً فشيئاً تنازل الأباء والأمهات عن مسؤلياتهم الأبوية، وتقلص دورهم تجاه أبنائهم وبناتهم، وصار الموبايل والإنترنت هو المربى والمرافق والصديق لهؤلاء الأبناء الذين يبحثون عن إحتياجاتهم بعيداً عن والديهم، ومن هنا تزداد الفجوة بين الطرفين.
إن مفهوم الأسرة فى المسيحية نراه فى مواضع كثيرة من الكتاب المقدس مثل (تث6: 4-9)، و(أف6: 1-4)، وأود أن أضع أمام كل بيت مسيحى بعض النصائح المفيدة من أجل تربية حقيقية لأبنائنا، وإعدادهم للزواج وتكوين أسر قوية تصمد أمام تقلبات الزمان وأزماته :
1) أشكر الله على أسرتك، لكى تتضاعف بركات الله لك.
2) خصص وقتاً من أجل أسرتك، والإهتمام والحب اللذان ينميان كلما خصصنا وقتاً مع بعضنا البعض.
3) شجع أبناءك أن يكون لهم علاقة مع الإنجيل والصلاة يومياً، كما أن اللقاء الأسبوعى لكل أسرة حول الإنجيل عادة مقدسة.
4) علم أبناءك أن الخضوع للوالدين لا يعنى الطاعة العمياء، ولكن الطاعة والنظام يمهدان طريق النجاح فى الحياة.
5) إحترام آراء أبنائك، وإذا ظهر الخطأ وجههم نحو الصواب بلطف.
6) كن صديقاً لهم بدلاً من آمراً، بصدق وتواضع وإحساس بالمسؤلية.
7) كن مُتفائلاً ومُتفاعلاً معهم، مُحافظاً على علاقتك بهم مهما كلفك الأمر، مُظهراً حبك حتى فى أصعب أوقات الإختلاف.
وعلى مستوى الأحوال الشخصية، بدأنا فى يوليو 2015 تطبيق نظام جديد بخصوص المجلس الإكليريكى للأحوال الشخصية، وصار له ستة فروع أو دوائر إقليمية، ثلاثة فى مصر وثلاثة فى خارج مصر، وهذه الدوائر الست هى التى تختص بدراسة المشكلات الأسرية والفصل فيها، وقرارها نهائى بعدأن تكون المشكلة الواحدة قد مرت على ثلاثة مستويات هى الكنيسة المحلية، والإيبارشية المعنية، والدائرة الإقليمية.
ويصاحب هذه المستويات الثلاثة لجان مُصالحة تعمل على رأب أى صدع فى حياة الأسرة، وكثيراً ما تنجح هذه اللجان خاصة لو توفر فيها الراعى الصالح والخادم الحكيم.
وخلال الأسبوع الماضى، يوم 3/12/2016 عقدت إجتماعاً لرؤساء وأعضاء ثلاث دوائر داخل مصر هى : القاهرة وضواحيها، الأسكندرية وبحرى، الصعيد وذلك بعد سنة ونصف من بدء أعمالها.
وإستعرضنا ما تم فحصه من حالات والمشكلات التى تواجه عملها، وتقديم بعض الحلول والإقتراحات، وإنتهينا إلى وضع عدة خطوط عريضة فى عمل هذه المجالس:
1) ضرورة الإحتواء الأبوى والرعوى للحالات المتضررة.
2) المسؤلية الأمنية فى التدرج فى عرض المشكلة، الكنيسة المحلية، والإيبارشية، والدائرة الإقليمية.
3) النصح بالكشف الطبى قبل الخطوبة أو مع بدايتها، وكذلك دورة المشورة والإعداد للزواج قبل الإرتباط.
4) تدريب وتوعية لأعضاء المجالس الإكليريكية الفرعية على مستوى الإيبارشيات من أجل العمل بالروح الواحد والفكر الواحد.
5) إعداد “رسالة توعية مكتوبة” للمخطوبين، وأخرى للمقبلين على الزواج.
6) تفعيل عمل لجان المُصالحات بقوة وفى كل كنيسة وفى كل إيبارشية.
7) مراعاة الشفافية والحيادية وخلوص النية، وتسهيل طريق التقوى فى عمل هذه المجالس.
ليبارك المسيح فى كل بيت وكل أسرة حتى ما تكون بالحقيقة أيقونة فى الكنيسة والمجتمع


