على رجاء القيامة نودع هذه النفوس، نودعها فى بداية هذا الشهر، شهر التسبيح والفرح، نودع هذه النفوس وكلنا رجاء فى هذه القيامة المجيدة، إننا نستمع إلى صوت شهيد، من القرن الأول الميلادى، هو القديس بولس الرسول عندما قال “إنِّي أحسِبُ أنَّ آلامَ الزَّمانِ الحاضِرِ لا تُقاسُ بالمَجدِ العَتيدِ أنْ يُستَعلَنَ فينا” (رو8: 18).
آلام هذا الزمان، مهما بلغت ومهما أشتدت، ومهما تواصلت، ولكن لا تُقاس بأى مقدار، بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا، نودع هذه النفوس التى إنتقلت إليه، لأنه ليس هو موت بل إنتقال، فنحن نؤمن أولاً، ونقبل ونرضى بكل ما يسمح به الله.
فلا يتم شئ على هذه الأرض، مهما بلغ ومهما إتسع ومهما كان ظاهراً أو خفياً، لا يتم إلا بسماح من الله ضابط الكل، وقدر كنيستنا المصرية أن تقدم شهداء، ولذلك نُسميها كنيسة الشهداء، ليس هذه تسمية حديثة.
ولكنها تسمية من القرون الأولى، فى بداية تجسد مسيحنا، قدم عدد كبير من الأطفال نفوسهم، ونعتبرهم أنهم باكورة الشهداء فى الكنيسة على الدوام، ومعروف أن الكنيسة المصرية، بإمتداد تاريخها الطويل، تُقدم أبناء وبنات، وكباراً وصغاراً وأطفالاً وفتيان وشابات، تقدمهم كشهداء أمام الله.
وعمل الشهادة أيها الأحباء، هو عمل يربطنا بالسماء هذه النفوس التى نُقدمها اليوم، إنما يرفعون قلوبنا نحو السماء أكثر وأكثر، نحن فى كل قداس نصليه يُنادى الكاهن ويسأل كل الرعية “أين هى قلوبكم؟” فترد الرعية وتقول “هى عند الرب”، ليس القلب فقط، ولكن الحياة كلها عند الرب.
نتألم كثيراً لإنتقال هؤلاء الأحباء فى هذا الحادث، ونتألم كثيراً لهذا الشر وشكل الشر الذى تخلى عن المشاعر، التى أوجدها الله فى الإنسان، وصار هذا الشر أداة فى يد أشرار، يؤذون بها المشاعر والوطن، فهذا المُصاب يا أحبائى ليس مُصاب الكنيسة، ولكنه مُصاب للوطن ولكل مصر.
وعندما نقف أمامهم ونفتح ستر الهيكل، كأننا نقف أمام باب السماء المفتوحة، ونرى نفوسهم منطلقة، وأكاليل الشهادة توضع لهم، يُفرحنا كثيراً يا أحبائى أنهم أنتقلوا فى وقت الصلاة، وما أشهى أن ينتقل الإنسان فى أهم لحظة من لحظات الحياة، وهى وقت الصلاة، الإنسان فينا يصنع أعمالاً كثيرة كل يوم، ولكن يقف على قمتها الوقت الذى نقضيه فى صلاة.
هؤلاء كانوا فى صلاة القداس الإلهى، ذهبوا فى هذه الصلاة، لكى ما يرفعوا قلوبهم فقبلها الله منهم وإرتفعت نفوسهم، عندما نتألم ولكن لما ننظر للسماء التى قبلت هؤلاء فى وقت صوم، أيضاً نحن فى الكنيسة نصوم فى هذه الأيام الصوم الذى يسبق عيد الميلاد، صوم إستعداد، ثم أنهم ذهبوا وسبقونا إلى السماء ليس فى وقت صلاة فقط، وليس فى وقت صوم فقط، ولكن أيضاً فى يوم الأحد فيوم الأحد فى الكنيسة، وحسب التقليد هو يوم القيامة، ولذلك نحن نودعهم على رجاء القيامة.
وذهبوا أيضاً فى بداية هذا الشهر، شهر كيهك، الشهر الرابع فى التقويم القبطى، وهو معروف بالشهر المريمى، وهو الشهر الذى نطوب فيه القديسة العذراء المريم، فأراد الله أن يكرمهم وقال لهم أئتوا وإحضروا هذا التسبيح ليس على الأرض، ولكن فى السماء، أما الأكثر ونحن نودعهم فى هذا اليوم (3 كيهك) وهذا اليوم فى الكنيسة، إحتفال بتقديم السيدة العذراء إلى الهيكل، بداية تقدمة حياتها فى الهيكل فى أورشليم، فهم هؤلاء أحباؤنا نودعهم ونستودعهم فى أورشليم السماوية، لكى ما يفرحوا مع القديسة مريم العذراء وكل الأبرار والصديقين.
الأن نفوسنا مفتوحة على السماء، الآن قلوبنا مرفوعة إلى السماء، الآن عيوننا لا ترى إلا السماء، ولذلك يا إخوتى إن كنا نتألم لهذا الفراق، وإن كنا نحزن، وإن كنا نسكب الدموع وأنين القلوب، ولكننا فى الواقع بقلوبنا المرفوعة نحو السماء، نرفع حياتنا كلها إلى السماء.
أما هؤلاء الذين كانوا سبباً وإعتداء، فليتذكروا صوت الله عندما قام قايين فى بدء الخليقة، وإعتدى على أخيه هابيل وقتله، فقال له الله “أين هابيل أخوك؟ إن دم هابيل يصرخ فى كل الأرض”، فأنت أيها المُدبر مهما كان وجودك، لن تعرف راحة ضمير، ولا راحة قلب هنا على الأرض، ولكن أعلم أيها الإنسان، أنه ليس من أجل أغراض أرضية فعلت هذا، وتظن أنك حققت شيئاً، أيها الإنسان أنت تنتظرك دينونة رهيبة، فمن يستطيع أن يقف أمام الله الحى؟
سيقف كل إنسان أمام الله الحى فى يوم الدينونة، ماذا تستطيع أن تقول؟ ماذا تستطيع أن تفعل؟ وأن تُبرر ما صنعته، وما تسببت فيه من آلالام لوطن بأكمله؟ الإنسان عندما يتذكر، وقفة الدينونة أمام الله الحى، الذى سيدين الأحياء والأموات الله الذى يعرف كل شئ، عما فعله الإنسان إن كان ظاهراً أو خفياً، الله الذى الكل مكشوف أمامه، هل فكرت فى وقفتك فى يوم الدينونة؟
هل فكرت فى العار الذى يلبسك وقت الدينونة؟ هل فكرت فى مصيرك الأبدى، وأنه يوجد أمامك الهلاك الأبدى، الذى بلا نهاية الذى كله آلام؟ لا تحسب إنك حققت شيئاً، فالألم الذى سببته فى قلوبنا جميعاً، وفى قلوب كل مصر، وفى قلب كل إنسان، ليس فى مصر فقط، ولكن فى العالم أجمع، هذا الألم سوف يحل عليك، وسوف يملأك، وستعيش فى الهلاك، وترى أن ما فعلته يداك الملوثتان بالدماء، سينعكس عليك أنت.
يا أحبائى نحن نعلم أن شعبنا المصرى، شعب يعيش دائماً بعيداً عن كل عنف، ولا يعرف العنف ولا الإرهاب، لا يعرف هذا!! فالتاريخ المصرى تاريخ نقى، ولكن إن كنا نتعرض فى مصرنا الحبيبة إلى هذه الأفعال، ويذهب ضحيتها شهداء فى كل مجال، ليس فقط من نودعهم فى هذا الصباح، لكن أيضاً شهداء الوطن فى كل موقع، هؤلاء الذين يُدافعون عن الوطن، إن سفك الدم عقابه شديد أمام الله، ومن يقتل الحياة التى هى عطية الله للإنسان، الله سوف يمنحه ويعطيه هلاكه الأبدى، إننا يا أخوتى عندما نقف أمام السماء، ووجوهنا متجهة إلى فوق إنما نودع إخوتنا وكلنا رجاء، هؤلاء سبقونا إلى السماء ليتمتعوا بالمعية الإلهية ليتمتعوا بالوجود فى حضرة الله.
والظروف التى صاحبت إنتقالهم، من صلاة من صوم من تسبيح من إحتفال كل هذا يُعبر عن مقدار الفرح السماوى هؤلاء صاروا فى المعية الإلهية، وإبتعدوا عن ضيقات الأرض وآلام التراب، والله عندما أختارهم رغم أعمارهم البعض صغير والبعض مُتقدم فى الأيام، إختارهم الله لكى ما يعيدوا معه فى السماء.
هناك فى السماء الفرح الكامل، إن كنا على الأرض نفرح قليلاً بين وقت وآخر، لكن فى السماء الفرح الدائم، الفرح الذى لا يُعبر عنه، وهناك فى السماء السلام الكامل، لا يوجد مرض ولا يوجد عنف، ولا يوجد ضيق ولا يوجد ألم ولا يوجد هم، السماء الثانية التى قلوبنا جميعاً مرفوعة إليهاـ تجعلنا جميعاً نفرح مع إنتقال أحبائنا هؤلاء، نفرح بالحقيقة يا أخوتى ونتعزى.
نحن نتعزى بوعود الكتاب المقدس، ونتعزى بتعزيات الآباء الأحباء ونتعزى بالألحان التى إستمعنا إليها والتى تعزى قلوبنا، ونتعزى يا أخوتى بإهتمام الوطن كله، وبالتكريم الذى تقدمه الدولة لهؤلاء الأحباء على أعلى مستوى، نحن نودعهم وكلنا رجاء، فالموت يا أخوتى هو طريق الأرض كلها، ولكن هذه الباقة من النفوس التى أختارها الله، والتى صارت تعرف باسم “شهداء الكنيسة البطرسية” يُسجلون فى التاريخ، ويُحفظون ويرفعون صلوات من أجلنا، ويتشفعون من أجل ضيقاتنا، ويصلون من أجل بلادهم التى عاشوا فيها، نحن نحزن ولكن ليس كالباقين الذين لا رجاء لهم، عندنا رجاء، عندنا نظرة للسماء، ففى السماء الكنيسة المنتصرة، ونحن على الأرض الكنيسة المجاهدة.
إن تكريم مصر لهؤلاء، وتكريم الكنيسة ومشاركة كل الأباء والأحباء وضيوفنا الأعزاء، والذين يشاركونا بقلوبهم نحن نشكرهم على تعزياتهم الكثيرة نشكر كل الذين عزونا وهم بالآلاف، وفى مقدمتهم الرئيس السيسى، وأيضاً البابا فرنسيس يبلغ تعزياته إليكم، كل المسؤلين فى الدولة بلا حصر، الآباء البطاركة فى كنائس كثيرة أتصلوا بنا وعزونا، ولأننى قادم من اليونان أيضاً رئيس أساقفة الكنيسة اليونانية، وأيضاً سيادة رئيس دولة اليونان يعزى جميعكم، والكل مُتألم ولكننا نودعهم على رجاء القيامة.
هؤلاء الذين سبقونا يقدمون لنا رسالة هامة جداً، يقدمون لنا رسالة الإستعداد،إستعد فالحياة قد تنتهى فى وقت قصير، إستعد للسماء، والإنسان ليس البكاء والصراخ بالصوت، لكن الألم فى القلب، حول ألمك ودموعك ومشاعرك إلى صلاة، وإرفعها فى صلوات مقبولة أمام الله، لنستعد جميعاً إلى الأبدية، ولتكن لنا جميعاً النهاية الصالحة، ويكمل الله حياتنا بكل سلام، وليحفظ بلادنا من كل شر ويحفظ وحدتنا الوطنية على أرض مصر، ويحفظ كل الشعب المصرى، نحن نعلم أن الذى يفعل هذا لا ينتمى لمصر على الإطلاق، حتى وإن كان على أرضها، لا ينتمى إليها، ولا لتاريخها ولا لحضارتها يعزى الله قلوبنا جميعاً.


