نفرح أن تقدِّم الكنيسة من أبنائها من يخدمها في درجة الأسقفية، هذه الدرجة الجليلة، فعلى أكتاف آبائنا الأساقفة والآباء المطارنة تمتد الكنيسة باعتبارهم خلفاء للآباء الرسل.
الأب الأسقف ينبغي أن يتميز بأربع صفات رئيسية:
الصفة الأولى أن الأبوة فيه حاضرة، فهو عندما يُختار لكيما يقود عمل الأسقفية هو يُختار لكونه أبًا، والأبوة في كل معانيها ينبغي أن تجتمع في حياة الأب الأسقف وهو يقود عمله ورعيته وإيبارشيته، الأبوة الحاضرة وفي كل يوم، بل أقول في كل ساعة ينبغي أن تكون هذه الأبوة هى الحاكم وهي الفيصل في كل كلامه وتصرفاته وقراراته، وفي كل علاج يقدمه لأي مشكلة. الأبوة أولاً، وإن غابت الأبوة عن الأب الأسقف تصير حياته لاترضي الله، فالأبوة كما نخاطب الله في صلواتنا الربانية ونقول: “يا أبانا الذي في السموات…”، هذا تذكار دائم بأبوة الله وبأبوة الأب الأسقف في مجال خدمته ومجال عمله… أبوته حاضرة في كل وقت، وليس عبثًا يا إخوتي الأحباء أن نقول لمن يخدمنا لقب “أبونا”، فهذا اللقب أمام الله غالي جدًا، وإذا لم يحرص الخادم – كاهنًا كان أم أسقفًا – على هذا اللقب في حياته فإنه يخسر كثيرًا، أولاً وأخيرًا هو أب، والأبوة تحمل كل معاني العناية والرعاية والحماية والستر والحب والعطف وأيضًا الحزم، ولكن الحزم يأتي من خلال الأبوة، أمًا إذا انقلبت الآية وصار الحزم أولاً والأبوة ثانيًا فهذه الخدمة ما هي مقبولة أمام الله! ولذلك أتصور أن عمل الأب الأسقف ليل نهار أن يطلب من الله أن يعطيه هذه الأبوة لكي ماتتدفّق في حياته وفي كلامه وفي كل مايصدر عنه؛ هو أب، وهذه الأبوة ليست لقبًا يتحلّى به ولكنه فعل يمارسه. الأبوة الجسدية داخل نطاق الأسرة هي صورة مصغرة، أمّا الأبوة الروحية فمداها واسع جدًا، إنني أتجاسر وأقول أنه لا يكون أبًا فقط في داخل خدمته أو في داخل كنيسته ورعيته، لكنه أب لكل الموجودين: إذا كنا في مصر لكل المصريين، إذا كنا خارج مصر في المنطقة التى يرعاها هو أب للجميع، وهذه الأبوة ينبغي أن تظهر حتى في علاقاته مع المسئولين. وكما نعلم فأن كلمة أسقف تعني “الناظر من أعلى”، فهو بهذه الأبوة المتضعة يرتفع، وبهذه الأبوة الحانية يسكن في القلوب، وبهذه الأبوة المتدفقة تبقى سيرته في حياته وبعد سنين طويلة من خدمته، وتبقي هذه الأبوة في قلوب الناس وفي قلوب الرعية.
الصفة الثانية السيرة الطاهرة: فهو باعتباره راهبًا اختار هذا الطريق الملائكي وسكن في الدير، وربما الدير كلّفه ببعض الخدمات سواء داخل الدير أو خارجه، ولكنه في كل هذا يحمل السيرة الطاهرة في كل العلاقات: سيرته الطاهرة أمام نفسه أولاً، وأمام الآباء الذين يخدم معهم، وأمام كل الشعب وكل الرعية، في العلن وفي الخفاء، وهذه السيرة الطاهرة يلاحظها في حياته وفي قلبه ويجتهد أن يحرص عليها. وهذه السيرة يا إخوتي تتكون من صفحات يكتب فيها عبر أيام خدمته، فالسيرة الطاهرة كما يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس «أحفظ نفسك طاهرًا» يقصد احفظ نفسك في سيرة طاهرة هذا هو الأمر الثاني.
الصفة الثالثة هي القدوة الحاضرة أو قدوة صالحة، هو النموذج الأول في إيبارشيته وفي خدمته، هو النموذج الأول في المحبة التي انسكبت في قلبه بعمل الروح القدس، قال القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس: «تمثّلوا بي كما أني أنا في المسيح»، فكأن الأب الأسقف يتمثّل بالمسيح في هذه القدوة… كما نعلم أن السيد المسيح لم يكتب كتابًا ولا خط حرفًا، ولكنه خدمنا وخلصنا بقدوته الصالحة، الإنسان الخادم، وفي أعلى مراتب الخدمة الأب الأسقف، لا يخدم بكلامه فقط ولكن يخدم بقدوته أولاً، قد يكون صمته خدمة وقدوة، وقد يكون كلامه بالمثل، المهم أنه يحرص أن يكون له هذا النموذج مع كل أحد، لا يصح أن تكون هذه القدوة الصالحة المطلوبة التي نراها في الأب الأسقف تغيب عنه حتى ولو إلى قليل، وهذه القدوة هي قدوة بالآباء وبالتراث الذي نحمله تراث كنيستنا، قدوة في التعليم، قدوة في الافتقاد، قدوة في الصلوات والتسابيح.
الصفة الرابعة هي أن يكون صاحب فكر متجدد. الأب الأسقف يقود إيبارشيته أو يقود رعيته، وهذه القيادة تحتاج من القائد أن يكون صاحب فكر متجدد، كنيستنا القبطية الأرثوذكسية تحمل تاريخًا طويلاً مجيدًا، وتحمل تراثًا عظيمًا في العقيدة وفي الطقس وفي التاريخ، ولذلك تكون المعادلة عند الأب الأسقف هي كيف يحوّل هذا البعد التاريخي العظيم للغة العصر؟ وكيف يقدم الصورة المشرقة لكنيستنا القبطية في وسط هذا العالم الذى يعيش في العولمة وبلا حدود؟ كيف يكون حارسًا وأيضًا مجدِّدًا؟ حارسًا على هذا التراث الذى ينتقل من جيل إلى جيل، وفى نفس الوقت كيف نقدمه بالصورة العصرية التي تتناسب مع شبابنا وأبنائنا والزمن الذي نعيش، فيه فلا يصح أن يقال عن الأسقف أو حتى عن الكاهن أنه “دَقّه قديمة”! يجب أن يكون الأسقف صاحب فكر متجدد باستمرار، يقبل الأفكار ويمتحنها، يختار ما هو حسن فيها، يجيد الحوار ويجيد الاستماع، يفكر كثيرًا، يحتضن كل التنوع الموجود في البشر، قلبه متسع لكل أحد، فكره متسع لكل أحد، يحمل الكنيسة كلها في قلبه ويقدمها في زمنه بالصورة التي يفهمها الجميع. كنيستنا رائدة وسط كنائس العالم كله، تحمل هذا التاريخ العريق والمجيد، وهذا العمل يؤتمن عليه الأب الأسقف.


