«لَا يُجَازِيَ أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرٍّ بِشَرٍّ» (1تس 5: 15):
الشرُّ هو عدم وجود الخير تمامًا، كما نقول إنه لا يوجد كيانٌ وجودي للظلام، ولكن غياب النور يُمكن أن نُسمِّيه ظلامًا؛ كما إنَّ غياب الحياة نُسمِّيه موتًا، وغياب الخير نُسمِّيه الشر.
الله لم يخلق عالم الشر. الشرُّ هو شيءٌ سلبي، هو انحرافٌ عن الخير. هناك في الحياة أشياء كثيرة يمكن أن نستخدمها في الخير، والانحراف في استخدامها يكون هو الشر.
لماذا يسمح الله بالشرِّ؟
إساءة استخدام الشيء تُحوِّله إلى شر، فالله لا يُريد الشر، ولكنه قد يسمح به كثيرًا. وهنا نسأل: لماذا يسمح الله بالشرِّ أو بالانحراف عن الخير؟ ذلك لأنَّ الله أعطى الإنسان حريَّةً ليتصرَّف، ويختار، ويصنع مصيره.
درجات من مُجازاة الشرِّ بالشرِّ:
هناك مَنْ يردُّ على الشرِّ بطُرُقٍ عِدَّة:
1. بعدم المواجهة أو بالابتعاد عنه:
في العهد القديم نقرأ عن موسى النبي، عندما أراد أن يمرَّ هو وشعبه في أرض أدوم (أبناء عيسو)، أرسَلَ رُسُلًا ليستأذن من مَلِك أدوم، بأن يسمح له بالمرور دون أن يأكلوا من ثمارهم شيئًا، ولن يأخذوا ماءً، ولن يتفحَّصوا شيئًا مِمَّا على يمينهم أو يسارهم؛ فرفض مَلِك أدوم وقال له: «لَا تَمُرُّ بِي لِئَلَّا أَخْرُجَ لِلِقَائِكَ بِالسَّيْفِ» (انظر: عد 20: 14 – 18).
فعَرَضَ موسى أن يدفع ثمن المياه التي سيستخدمها شعب بني إسرائيل، فرفض ملك أدوم بإصرارٍ وهدَّد بأن يُحاربه، فكانت النتيجة أنَّ موسى ابتعد عن الشرِّ.
2. الرَّدُّ بفكرِ الشرِّ:
إنَّ الإنسان في هذه الحالة عندما يتعرَّض للشرِّ يواجهه بشرٍّ، ولكن هذا الشر يكون على مستوى الفكر فقط. وكمثال لذلك، شخصٌ يتعرَّض لشرٍّ أو إساءَةٍ من شخصٍ آخر، فيواجه هذا الشر بالغضب الداخلي، بمعنى أن يقول بعض الكلمات الحادة التي تُعبِّر عن هذا الغضب، مثل طلب الانتقام منه أو ما يُعبِّر به عن غضبه.
3. الردُّ بفعلٍ مُماثل:
أي إنَّ الإنسان يواجه الشرَّ بشرٍّ مثله بالضبط، بمعنى أنه إن تمَّ توجيه شتائم إليه يردُّ عليها بشتائم مثلها بالضبط، وإن وجَّه أحدٌ إليه إهانة يردُّ عليها بإهانةٍ مثلها، وهكذا … ولكن كل هذا ليس حسب الوصيَّة المسيحيَّة.
4. الرَّدُّ بفعلِ الشرِّ:
أي مَنْ يواجه الشرَّ بالفعل، مثل اثنين يصل الخلاف في الحوار بينهما إلى حدِّ أن يقوم أحدهما أثناء النزاع مع الآخر ويقتله. وهنا شرُّ الكلام تحوَّل إلى شرِّ أفعالٍ ووصل إلى مرحلة الإيذاء.
وقد يقوم إنسانٌ بشرٍّ مُعيَّن، فيقوم الآخر بشرٍّ أصعب منه؛ لكن المسيحيَّة تُعلِّمنا قائلة: «انْظُرُوا أَنْ لَا يُجَازِيَ أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرٍّ بِشَرٍّ» (1تس 5: 15).
5. الردُّ على الشرِّ بشرٍّ أكبر:
لقد اندفع شكيم واغتصب دينة ابنة يعقوب، فكان الانتقام بردٍّ أكبر، أنَّ أولاد يعقوب قتلوا كلَّ رجال شكيم وسبوا غنائمهم ونساءهم، وذلك انتقامًا لِمَا فعله شكيم مع دينة أختهم (تك 34).
6. أسوأ أنواع الشرور مَنْ يُجازي عن الخير شرًّا:
بعد أن كان شاول يُخطِّط في نفسه سرًّا للتخلُّص من داود لم يستطع أن يكتم الأمر في نفسهِ، وخاصةً بعد نجاحات داود المُتتالية. ولهذا أعلن لابنه يوناثان ولرؤساء جيشه المُقرَّبين منه برغبته في أن يقتل داود، رغم أن داود صنع معه خيرًا وأنقذه كثيرًا من الفلسطينيين (1صم 19: 1 – 7).
7. نُشتَم فنُبارِك:
المسيحيَّة توصي بمُقابلة الشرِّ بالخير: «لَا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ» (رو 12: 21).
والأكثر من هذا أننا نسمع وصيَّة مكوَّنة من كلمتين، والكلمتان عكس بعضهما البعض، وهي مثل: «نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ» (1كو 4: 12). فقد تَرُدّ على مَنْ يشتمك بشتيمةٍ مثلها، ولكن الأجمل أن تردَّ عليه بعبارةٍ جميلة مثل: ”الله يُباركُك“. وهذا هو سموُّ المسيحيَّة، وبالطبع هذا الردّ يحتاج إلى نفسٍ قويَّة.
أسباب الاندفاع للشرِّ:
(1) الشيطان:
إنَّ السبب الأول لعمل الشرِّ هو بلا شكٍّ الشيطان. فالشيطان (سطانائيل) كان ملاكًا، وأراد أن يرفع كرسيَّه فوق كرسي الله، فانحدر من رتبته: «قَدِ ارْتَفَعَ قَلْبُكَ لِبَهْجَتِكَ. أَفْسَدْتَ حِكْمَتَكَ لأَجْلِ بَهَائِكَ» (حز 28: 17). وصار شيطانًا بالاستكبار، كما نقول في مديحة كيهك.
ويقول عنه الكتاب المقدس: «ذَاكَ كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ» (يو 8: 44). فالشيطان هو الذي يُحرِّك الناس لفعل الشرِّ، فيضع أفكارًا في عقل الإنسان تجعله يقع في شرورٍ كثيرة.
ويقول القدِّيس دوروثيئوس:
[الذي هزم الانفعال فقد هزم الشياطين. فالشيطان يحثُّ الإنسان على مقاتلة أخيه الإنسان، فيُدبِّر أسبابًا ويحبكها ويملأ قلب الإنسان غيظًا وحَنَقًا ورغبة في القتال].
(2) الكرامة والذات:
قد يُجازي الإنسان شرًا بشرٍّ من أجل كرامته أو من أجل حقوقه. وهناك عبارة نقولها كمصريين دائمًا: ”كرامتي أُهينت … حقوقي ضاعت … أنا سأرُدُّ بالمِثْل“. وهذا يكون على كلِّ المستويات، فقد يكون هذا في البيت الواحد أو الخدمة أو الكنيسة أو الدير سواء كان للرهبان أو للراهبات … إلخ. انظر قصة هامان ومردخاي في سِفْر أستير.
(3) روح الانتقام:
الإنسان أحيانًا قد يسمح لنفسه أن يتكوَّن في داخله روح الانتقام، وهذا الانتقام ليس شرطًا أن يكون في نفس اللحظة، ولكنه قد يكون على مدى فترةٍ طويلة يُخطِّط له روح الانتقام.
وهذا ما جعل مُعلِّمنا بولس الرسول يقول: «لَا تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: ”لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ“» (رو 12: 19).
مثال: أبشالوم وأمنون (2صم 13). بعد أن أخطأ أمنون مع ثامار وهي أُخته غير الشقيقة، أخذت تبكي ضياع عذراويتها. وبعد سنتين انتقم لها أبشالوم وقتل أمنون.
(4) عدم الاحتمال:
يدفع للشرِّ أيضًا عدم الاحتمال، فيوجد شخصٌ هشٌّ ويوجد آخر لديه قدر من الاحتمال، ونحن نُصلِّي كلَّ يوم في صلاة باكر قائلين: «مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ، مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ …» (أف 4: 2 – 3). فصلاة باكر تُذكِّرنا أن نحتمل بعضنا بعضًا وذلك قبل خروجنا من منازلنا، لأننا قد نجد مَنْ يُضايقنا أو مَنْ يُحاول أن يصنع معنا شرًّا أو يقول كلمة شريرة أو غير لائقة أو … إلخ. وهنا نتذكَّر الوصية: «مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فِي الْمَحَبَّةِ».
نتائج الاندفاع للشـِّر:
وهنا نسأل: لماذا توجد وصية «لَا يُجَازِيَ أَحَدٌ أَحَدًا عَن شَرٍّ بِشَرٍّ»؟
الإجابة: لأن نتائج صُنع الشر أو تبادُل الشر هي نتائج مُدمِّرة.
( أ ) الحرمان من التناول:
لا يحقُّ للذي يفعل شرًّا أن يتناول دون توبة واعتراف، فالكتاب يقول: «فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلًا اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ» (مت 5: 23 – 24).
(ب) الحرمان من الملكوت:
يُعلِّمنا الكتاب: «كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ» (1يو 3: 15).
(ج) الاضطراب والقلق:
الإنسان الذي يصنع شرًّا لا يجد راحةً أبدًا ويفقد سلامه الداخلي والمحبَّة والفرح، لأنه يكون متوتِّرًا. وعندما نقرأ عن الجريمة، نعرف أنَّ مرتكب الجريمة يحوم حول مكان الجريمة، وذلك بسبب حالة الاضطراب والقلق التي أصابته والتي تصل أحيانًا إلى حدِّ المرض النفسي.
فالشرُّ نتيجته تنعكس على الإنسان الذي يصنعه؛ أمَّا الإنسان الذي يصنع خيرًا، فإنه يجد راحة.
علاج الاندفاع للشرِّ:
1 – التمثُّل بالسيِّد المسيح في المغفرة:
اذكر السيِّد المسيح والآلام التي احتملها من أعدائه دون أن يردَّ أو يُهدِّد أو يغضب، فقد قيل عنه: «ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ» (إش 53: 7)، وغفر لصالبيه قائلًا: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لو 23: 34).
جرِّب أن تقف بشجاعة أمام نفسك وتحلَّ المُشكلة بكلمةٍ طيِّبة، كما علَّمنا الكتاب: «كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَاتٍ؟» (مت 18: 21).
هذه هي مسيحيتنا، وهذا هو الإيمان المسيحي، وهذه هي الوصية الكتابيَّة.
2 – بالعتاب:
حتى لا تندفع إلى الشرِّ تعلَّم العتاب الراقي، بمعنى العتاب الذي يُقال في صورة المحبة، أي العتاب المبني على أرضيَّة المحبة.
فمَنْ يُعاتِب لا بد أن يختار كلماته بعنايةٍ فائقة، لأنه قد تُفسِد كلمة واحدة علاقة كبيرة. فاجعل دائمًا عتابك هادئًا، وهذا ما صنعه السيِّد المسيح حتى مع الكَتَبَة والفرِّيسيين الذين كانوا يُقاومونه كثيرًا.
3 – ضبط النفس:
ضبط النفس وقَتْل الغضب يُساعداننا على عدم مقابلة الشرِّ بالشرِّ، فالإبطاء في الغضب يجعل الإنسان يجتاز مرحلة الانفعال. فالكلمات في حالة الغضب تخرج بلا ضابط، وكثيرًا ما تكون خاطئة جدًّا وتُسبِّب المشاكل.
ضبط النفس يُساعدك على أن لا تُجازي عن شرٍّ بشرٍّ؛ وضبط النفس يُسمَّى Self Control، وهو قادرٌ على أن يُحوِّل المشاعر السلبية.
مثال: داود ونابال الكرملي (1صم 25).
البابا تواضروس الثاني


