كلمة ”إنجيل“ معناها ”بشارة مُفرحة“ أو ”فرح“، والعهد الجديد هو الكتاب الأكثر بهجة بين جميع الكُتُب. ولو تتبَّعنا آيات الفرح في العهد الجديد، نجدها تُمثِّل أربعة أضعاف آيات الحزن. فالصورة الرئيسية أو النغمة الرئيسية في الكتاب المقدَّس هي نغمة الفرح، والرجاء، والأمل، والسرور، والبهجة، والمسرَّة … إلخ. وكلُّ هذه المعاني مُذَّخرة في هذه الوصية: «اِفْرَحُوا كُلَّ حِينٍ».
إنَّ أجمل رسالة كتبها القدِّيس بولس الرسول وتكلَّم فيها عن الفرح، هي رسالته إلى أهل فيلبِّي، حيث قال: «اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا» (في 4: 4).
وما يدعو إلى العَجَب أنَّ القدِّيس بولس الرسول كَتَبَ هذه الرسالة وهو في السجن. وهُنا المُعادلة الصعبة للمسيحية، فبالرغم من السجن، والضيق، والتعب …، إلَّا أنَّ روح الفرح هي الظاهرة الواضحة في حياة هذا القدِّيس، فكيف يفرح وقدماه مُقيَّدتان بالسلاسل؟
إنَّ فرح بولس الرسول لا يعتمد على الظروف الخارجية، بل فرحه في علاقته مع الرب.
الفرح الزائف:
الفرح الزائف ينحصر في أمور الأرض، فيه يسعى الإنسان للجسد وكل شهوة، مثل:
1. الفرح بزيادة وكثرة المال:
مثال: الغَني الغبي (لو 12: 18 – 20).
2. الفرح بقوَّة الجسد:
يوجد مَنْ يفرحون بقوَّة الجسد وبالقتال والحروب، فيقول داود النبي: «شَتِّتِ الشُّعُوبَ الَّذِينَ يُسَرُّونَ بِالْقِتَالِ» (مز 68: 30).
هؤلاء يفرحون إذا غَلبوا، وإذا ظَلموا، ومِن هؤلاء مَنْ يفرح بمصائب البشر وبضيقات الآخرين، فيرد عليهم داود قائلًا: «لِيَخْزَ وَلْيَخْجَلْ مَعًا الْفَرِحُونَ بِمُصِيبَتِي» (مز 35: 26).
3. الفرح بإشباع الشهوات الجسديَّة:
يقول عنها سليمان: «بَنَيْتُ لِنَفْسِي بُيُوتًا، غَرَسْتُ لِنَفْسِي كُرُومًا. عَمِلْتُ لِنَفْسِي جَنَّاتٍ وَفَرَادِيسَ، وَغَرَسْتُ فِيهَا أَشْجَارًا مِنْ كُلِّ نَوْعِ ثَمَرٍ … اتَّخَذْتُ لِنَفْسِي مُغَنِّينَ وَمُغَنِّيَاتٍ وَتَنَعُّمَاتِ بَنِي الْبَشَرِ، سَيِّدَةً وَسَيِّدَاتٍ … وَمَهْمَا اشْتَهَتْهُ عَيْنَايَ لَمْ أُمْسِكْهُ عَنْهُمَا. لَمْ أَمْنَعْ قَلْبِي مِنْ كُلِّ فَرَحٍ، لأَنَّ قَلْبِي فَرِحَ بِكُلِّ تَعَبِي. وَهذَا كَانَ نَصِيبِي مِنْ كُلِّ تَعَبِي. ثُمَّ اِلْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلَا مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ» (جا 2: 4 – 11).
4. الفرح بالبُعد عن الله:
مَثَل: الابن الضال (لو 15).
وكذلك الوجوديون:
يشعر الوجوديون أنَّ فرحهم هو في البُعد عن الله، لأنهم يشعرون أنه قيَّد عليهم: «فَيَقُولُونَ للهِ: ”ابْعُدْ عَنَّا، وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لَا نُسَرُّ“» (أي 21: 14).
5. الفرح بأباطيل العالَم:
هناك مَنْ يفرح بأباطيل العالم من إدمان الخمور والمخدرات والأغاني والأفلام غير النقيَّة، وهناك مَنْ يفرح بأمور الخلاعة، حتى أنه ظهرت فلسفة جمعت كلَّ هذه الأباطيل وقالت: «فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!» (1كو 15: 32). هذه فلسفة بسيطة جدًّا، نأكل ونشرب لأننا سنموت غدًا، بمعنى أنَّ الإنسان لا ينظر إلَّا للَّحظة التي يعيشها؛ فلا ينظر إلى السماء، ولا إلى الأبديَّة، ولا إلى الدينونة، ولا إلى أيِّ شيء آخر من هذا القبيل.
كلُّ ما سبق من أمثلة تُمثِّل فرح الإنسان الذي لا يدوم. فالإنسان سيفرح، ولكنه فرح مؤقَّت ينتهي يومًا؛ أمَّا وصية الكتاب، فهي تتكلَّم عن الفرح الدائم الذي لا ينتهي: «اِفْرَحُوا كُلَّ حِينٍ».
الفرح الحقيقي:
هو ثمرة من ثمار الروح القدس في النفس، فهو فرحٌ دائم وثابت في القلب، لأن مصدره الله كوعد الرب: «وَلكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا يَنْزَعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ» (يو 16: 22).
إنَّ الفرح الحقيقي الذي من الربِّ هو مملوءٌ بالسلام والهدوء وراحة البال، هو فرحٌ لا يتأثَّر بالظروف أو بأيَّة متاعب.
إنَّ الروح القدس هو المصدر الوحيد للفرح الحقيقي، والعزاء الدائم لكلِّ مؤمن. إنَّ الإنسان الروحي فرحه ليس فقط بسبب صحةٍ جيِّدة، ولا بسبب خلاصٍ من مرض أو ضيقة أو هدوء الأحوال، أو بسبب نجاحٍ أرضي؛ وإنما أفراحه بسبب أمورٍ عالية وسامية.
هناك أربعة أنواع أساسيَّة لهذا الفرح الدائم:
(1) فرح الخلاص:
إنَّ فرح الإنسان المسيحي هو فرحه بالخلاص، الخلاص الذي جعل الصليب والفداء في حياتنا. فالإنسان بحسب تاريخ البشريَّة، وبحسب العقاب الذي أخذه آدم وحواء من الله، وبحسب تركهما للفردوس الذي كانا به إذ إنهما كسرا وصية الله؛ بسبب ذلك عاش الإنسان باحثًا ومُحتاجًا لمَنْ يمسح له هذه الخطية التي ورثها من أبويه الأوَّلين آدم وحواء، حتى جاء السيِّد المسيح في ملء الزمان، وفي الوقت المُعيَّن وقدَّم لنا الفداء، وقال على الصليب: «قَدْ أُكْمِلَ» (يو 19: 30)، وتمَّت قصة الله مع الإنسان التي بدأت في جنة عَدْن، وانتهت على الصليب، وهذا هو فرح الخلاص: «الشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظِلَالِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ. أَكْثَرْتَ الأُمَّةَ. عَظَّمْتَ لَهَا الْفَرَحَ» (إش 9: 2 – 3)، وهذا هو الفرح الأساسي للإنسان.
(2) فرح التوبة:
هو الفرح الثاني الذي يحافظ به الإنسان على نعمة الخلاص، فالصليب يُشبه اليدين الممدودتين، وكأنَّ السيِّد المسيح يمدُّ يده لنا لنصنع فرح التوبة: «عَلَى غَضَبِ أَعْدَائِي تَمُدُّ يَدكَ، وَتُخَلِّصُنِي يَمِينُكَ» (مز 138: 7). فالمسيح يمدُّ يده دائمًا لكي ما ينتشل الإنسان من الخطية.
فرح التوبة الحقيقيَّة، هو الذي تكلَّم عنه الكتاب قائلًا: «هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ» (لو 15: 7). فالإنسان قد لا يشعر بتوبة غيره من البشر، لكن السماء تفرح بتوبة الخاطئ، وتهتزُّ لهذه التوبة أعتاب السماء. فإن كانت الخطية عبوديَّة، فالحرية فرحٌ، والحرية عيد.
(3) فرح الخدمة:
النوع الثالث من الفرح نُسمِّيه: ”فرح الخدمة“، أو ”فرح الانفتاح على الآخر“، أو ”فرح التَّخلِّي عن الأنانية“. إنَّ الخدمة على كافة مستوياتها ودرجاتها تتطلَّب تعبًا وسهرًا، إلَّا أنه يوجد العزاء الذي يفيض به الروح القدس في قلوب خُدَّامه.
فليس بالضرورة أن يكون الخادم مُستريحًا ليفرح، بل نجده في عمق الفرح وهو يذرف الدموع. مثلما قال بولس الرسول: «كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ» (2كو 6: 10). وهو ممتلئ بالفرح وهو في وسط التجارب والضعفات. العالَم يرى الخُدَّام ويظنُّ أنهم حزانى ويصفهم بالكآبة؛ أمَّا داخلهم، الذي لا يراه العالَم، فهو الفرح الدائم.
وهكذا التلاميذ عندما تعرَّضوا لمتاعب كثيرة، وذلك في بداية نشأة الكنيسة الأُولى، يقول عنهم الكتاب: «وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامَ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ» (أع 5: 41). ومُعلِّمنا بولس الرسول له عبارة رائعة جدًّا يُعبِّر بها عن آلام كلِّ كاهن أو خادم، فيقول: «الآنَ أَفْرَحُ فِي آلَامِي لأَجْلِكُمْ» (كو 1: 24)، بمعنى أنَّ هذه الآلام والضيقات لا تنزع الفرح من الخادم أو الأب الكاهن.
(4) فرح التسبيح:
التسبيح هو لغة السماء، التسبيح لله هو سبب السرور والفرح: «أَمَسْرُورٌ أَحَدٌ؟ فَلْيُرَتِّلْ» (يع 5: 13).
ففرح التسبيح، هو الجوُّ المُفرح الذي شرحه لنا هذا المزمور: «هَلِّلُويَا. غَنُّوا لِلرَّبِّ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً، تَسْبِيحَتَهُ فِي جَمَاعَةِ الأَتْقِيَاءِ … لِيُسَبِّحُوا اسْمَهُ بِرَقْصٍ. بِدُفٍّ وَعُودٍ لِيُرَنِّمُوا لَهُ» (مز 149: 1 – 3).
يقول المزمور: «سبِّحوا الله في جميع قدِّيسيه»، ثم يبدأ يتكلَّم عن الآلات الموسيقية في كنيستنا الجميلة التي تشترك في هذا التسبيح مع الآلة الطبيعية التي أعطاها لنا الله، وهي الحنجرة والشفتان. وهُنا نجد طاقة فرح وطاقة حُب، وكأنَّ مَنْ يقف يُسبِّح تكبر وتمتدُّ قامته الروحية حتى تصل إلى عنان السماء.
أسباب فقدان الفرح:
توجد ثلاثة أسباب رئيسيَّة من الناحية الروحية التي تُفقِدنا حياة الفرح، وهي:
1 – الخطية:
إنَّ أول سبب يجعل الإنسان دائمًا فاقدًا لحياة الفرح في حياته هو وجود الخطية، وقد تكون هذه الخطية خطية واحدة أو عدَّة خطايا في صُوَرٍ مختلفة، مثل: خطايا الفكر أو القول أو الفعل … إلخ.
لذا ابحث في حياتك وذاكرتك القديمة، وإنْ وجدتَ خطية اطردها واعترف بها أمام ضميرك، وأمام مسيحك، وأمام أب اعترافك، وتعهَّد أمام الله بطرد هذه الخطية من داخلك إن كانت قولًا أو فعلًا أو … إلخ.
2 – غياب روح الرِّضا و(حالة التذمُّر):
إنَّ الطموح المادي وما يترتَّب عليه من صراعاتٍ سواء بين أشخاصٍ أو دول، وتفضيل النفس على الغير؛ يقود لمشاكل اجتماعية واقتصادية وسياسية.
هذا النوع من الطموح يجعل الإنسان دائمًا في حالة تذمُّر وعدم رضا عن كلِّ شيء، ووجود حالة التذمُّر في قلب الإنسان يُفقِده فرحه ويجعله لا يرى النقاط الحلوة والمُضيئة في حياته.
3 – الابتعاد عن مصادر الفرح:
من أسباب فقدان روح الفرح أيضًا، البُعد عن المصادر التي تجلب للإنسان الفرح، مثل: البُعد عن أسرار الكنيسة، أو البُعد عن قراءة الكتاب المقدَّس، أو البُعد عن وسائط النعمة المُعزِّية للنفس.
الإنسان الروحي في أحزانه يلجأ إلى الكنيسة وللصلاة طلبًا للعزاء؛ أمَّا الإنسان الجسداني في أحزانه قد يلجأ للإدمان والخمور والتدخين، ويظنُّ أنه معها سيجد عزاءه وفرحه.
فالشخص الذي لا يقرأ الكتاب المقدَّس، كيف يمكنه أن يفرح؟ وهكذا الإنسان البعيد عن الصلاة، والاعتراف، وكل المُمارسات الروحية، مثل: الأصوام، وفترات الخلوة، والألحان والتسابيح، كيف يستطيع أن يفرح؟
أخيرًا، يا صديقي، لكي تقتني الفرح:
1. تواجَد مع الله دائمًا.
2. اعمل أعمال الخير.
3. اسلك طريق الفضيلة.
4. تواجَد مع صُحبة مُفرحة.
أنت، كإنسانٍ مسيحي، تحتاج أن تكون دائمًا إنسانًا مُفرحًا، فالعالَم جائعٌ لهذا الفرح. ومن المعروف أنَّ الفرح هو من أول ثمار الروح القدس بعد المحبة: «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلَاحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ» (غل 5: 22 – 23).
فالمحبة هي الأرضيَّة، ثم يأتي منها الفرح والإيمان والسلام … إلخ. فالفرح يُعَدُّ من الثمار الأُولى لعمل الروح القدس فينا، فليُعطِنا مسيحنا أن تكون حياتنا في هذا الفرح الدائم، ولنقتني هذه اللؤلؤة الثمينة ”الفرح“: «اِفْرَحُوا كُلَّ حِينٍ».
البابا تواضروس الثاني


