التدبير الكنسي هو علم الإدارة الكنسية وهو علم واسع له مجالات كثيرة، وترجع جذوره إلى بدايات تأسيس الكنيسة المسيحية، ونجد ملامحه الأولى في سفر أعمال الرسل ورسائل القديس بولس الرسول والرسائل الجامعة. والتدبير كلمة كتابية وكنسية هامة للغاية ويكفي ما نراه في معجزة إشباع الجموع من الأرغفة الخمسة وسمكتين، وهي المعجزة الوحيدة التي نقرأها في البشائر الأربعة، كما أننا نقرأها في قداسات الأحد الخامس عندما يأتي في أي شهر قبطي ونسميه إنجيل البركة أو إنجيل الشبع. وأيضًا نقرأ ونصلي إنجيل الساعة التاسعة من الأجبية حول نفس الموضوع.
وفي نفس السياق عندما نختار شماسًا لكي يصير كاهنًا يجب أن يكون “مدبرًا حسنًا لبيته” حتى يستطيع أن يدبر كنيسة الله المقدسة حسنًا. ويذكر القديس بولس الرسول في رسالة رومية قائمة محددة بنوعيات من يعمل في كرم الله الواسع من خلال المواهب المتنوعة “وَلكِنْ لَنَا مَوَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ النِّعْمَةِ الْمُعْطَاةِ لَنَا: أَنُبُوَّةٌ فَبِالنِّسْبَةِ إِلَى الإِيمَانِ، أَمْ خِدْمَةٌ فَفِي الْخِدْمَةِ، أَمِ الْمُعَلِّمُ فَفِي التَّعْلِيمِ، أَمِ الْوَاعِظُ فَفِي الْوَعْظِ، الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ، الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ، الرَّاحِمُ فَبِسُرُورٍ” (رو 12: 6- 8). وعبارة “الْمُدَبِّرُ فَبِاجْتِهَادٍ” تعني الشخص الذي لديه القدرة على استخدام الموارد المتاحة بأفضل صورة في خدمته مع من يخدم معهم دون أي إهدار في الوقت أو الجهد أو الفكر أو المال.
ويطبّق علم الإدارة الكنسية في العديد من المجالات، فهناك إدارة الإيبارشية – إدارة الكنيسة الواحدة – إدارة الدير – إدارة منظومة الخدمة بكل قطاعاتها – إدارة المبنى الخدمي مثل المدرسة أو المستشفى أو المستوصف أو المركز المهني – إدارة بيوت الضيافة مثل المغتربين أو المغتربات – المسنين – المعاقين – المدمنين – الحالات الخاصة… إلخ.
وفي نوفمبر 2012م بعد أن اختار الله ضعفنا لمسؤولية خدمة الكنيسة، جاءني أحد الصحفيين وسألني: ما هو أول عمل ستقوم به؟ وكانت إجابتي: ترتيب البيت من الداخل. وهذه الإجابة تعني تنظيم العمل الإداري، العام والمتخصص، في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لأنها تنمو وتتسع وتمتد في مصر وخارج مصر، ويعمل روح الله من خلال آبائها وخدامها في هذا النمو والامتداد.
ولذلك كانت الخطوة الأولى هي إعداد اللوائح المنظمة حيث تبنَّى المجمع المقدس إصدار حوالي عشر لوائح مدروسة علميًا وبمساعدة متخصصين في هذه المجالات مثل لائحة مجالس الكنائس – لائحة اختيار الكاهن ومسؤولياته – لائحة الأسقف الجديد – لائحة إدارة الدير… إلخ. وهذه اللوائح مضى على إصدارها عشر سنوات وربما تحتاج إلى إعادة صياغة ومراجعة.
وبدأنا بعد ذلك مشوار طويل من أجل التدبير الكنسي من خلال تأسيس معهد متخصص تحت اسم: معهد التدبير الكنسي والتنمية، ويعرف باسم كوبتيكاد “Copticad”. كان ذلك عام 2015م ويرأسه الأستاذ الدكتور مجدي لطيف ومعه فريق عمل من محاضرين ومتخصصين في الإدارة والقيادة والتنمية. وخلال عشر سنوات حتى الآن قام المعهد بجهد مشكور في تقديم مناهج وكورسات وبرامج عديدة في مجالات التدبير الكنسي، كما أصدر عدة كتب متخصصة. وكذلك كانت هناك فرصة كاملة لعرض وتقديم هذه البرامج في سيمينار المجمع المقدس في نوفمبر 2021م وكان لقاءً ناجحًا للغاية أثنى عليه الجميع لقيمة محتواه وفائدة مناقشاته. وخلال هذه السنوات العشر زار المعهد بأساتذته معظم الإيبارشيات في مصر، كما امتد نشاطه لبعض الإيبارشيات خارج مصر كما في سان فرانسسكو بأمريكا وفي سيدني بأستراليا. وإذ يحتفل المعهد بمرور عشر سنوات على تأسيسه هذا العام 2025م، فإنه يواصل رسالته العلمية والإدارية بنجاح ويكتب بعض الأساتذة فيه مقالات هامة عبر مجلة الكرازة دائمًا.
وجاءت خطوة أخرى من خلال ملتقيات لوجوس للشباب في مصر ومن خارج مصر، وهي تقوم على تقديم محتوى كامل ونوعي للشباب من أجل أن يكونوا قادة وخدام على مستوى لائق بخدمة الكنيسة، وفي هذا العام 2025م سيكون ملتقى لوجوس الخامس للشباب من كنائسنا خارج مصر، وهي تجربة ناجحة ومؤثرة لربط الشباب بالجذور المصرية والتمتع بها، وهي تجربة تعتمد على الكيف وليس الكم والذي يتم خدمته من خلال الكنائس والإيبارشيات في اجتماعات الشباب والمؤتمرات والخلوات عبر السنة.
وقد انبثق عن ملتقيات لوجوس ما يسمى بأسابيع الخدمة، حيث يتعاون شباب أي ملتقى على تقديم خدمات عديدة وفي مناطق كثيرة بالكنائس والإيبارشيات ويتحملون فيها كافة المصاريف والبرامج وكل ما يلزم لنجاح هذه الخدمات التي تتم مع الصغار والكبار وفي بيوت الضيافة المتنوعة كما في خدمة اللاجئين والفئات الضعيفة، وتأسس مكتب ملتقيات الشباب بالبطريركية لمتابعة هذه الأنشطة لتكون بكل نظام وإدارة ناجحة.
كما ولدت فكرة جديدة بتأسيس مكتب للتنسيق بين شباب المهجر والخدمات المطلوبة في القرى والكنائس والإيبارشيات داخل مصر. وأطلق على هذا المكتب اسم مكتب هاي “.H.I.G.H” (وهي حروف أربعة اختصارًا لعبارة Hands in God’s Hand)، ونشأت الفكرة في اجتماع اللجنة المجمعية لشؤون المهجر العام الماضي.
وفي مشوار التدبير الكنسي جاءت خطوة جديدة بإعداد “برنامج لوجوس للقيادة” حيث يتم اختيار عدد محدود من الشباب والشابات المتميزين من بين مئات من الشباب يتقدموا لهذا البرنامج المكثف لإعداد قيادات شبابية عصرية قادرة على أن تكون مؤثرة في خدمات الشباب نظريًا وعمليًا من خلال مشروعات مبتكرة ومبدعة تكشف المهارات والمواهب والقدرات التي يتحلى بها هؤلاء الشباب، ويتم ذلك في القاهرة والدير حيث مركز لوجوس للمؤتمرات.
وفي خطوة جديدة ورائعة في الإسكندرية حيث تم اختيار عدد خمسين شابًا وشابة للالتحاق بالأكاديمية الوطنية للتدريب، حيث نظموا لهم برنامجًا تدريبيًا شاملاً قدمه عدد من الأساتذة والمختصّين بصورة أبهرت الشباب وبعد أن أنهوا التدريب وتخرجوا كانت فرصة لهم لتأسيس مجلس الشباب السكندري تحت إشراف مباشر من الآباء الأساقفة العموم بالإسكندرية وتنسيق أبونا أبرآم إميل وكيل البطريركية. وقد حضرت معهم افتتاح هذه الخدمة يوم الجمعة 21 فبراير 2025م، وقدموا عرضًا لما درسوه وتعلّموه بصورة قوية وفعالة ليكون قادة للشباب في كنائسهم حيث إننا نعاني من نقص إعداد قادة الشباب الذي يملكون الموهبة والقدرة العصرية التي تخدم شبابنا بنجاح وتقدم روحي وعصري.
وهكذا يتواصل مشوار التدبير الكنسي الطويل والذي سيساهم بلا شك في تجويد الخدمة الكنسية في كل القطاعات ومع الأجيال الجديدة. وها نحن في نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين والزمن يتسارع وكل شيء يتغير ومازال البيت يحتاج المزيد من الترتيب والنظام.
This page is also available in:
English


