«اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ» (1تس 5: 18). موضوع الشكر من الموضوعات المُرتبطة بحياة الإنسان ووجوده، وكأن الإنسان غير الشاكر هو إنسانٌ غير موجود، بمعنى أنَّه لا يشعر بإنسانيته. وكنيستنا تُعلِّمنا أنَّه في بداية أيِّ صلاة يجب أن نتلو ثلاثة أجزاء أساسيَّة نُسمِّيها ”لباس الصلاة“.
فنبدأ بصلاة ”أبانا الذي في السموات …“، وتُسمَّى ”ثوب الصلاة“؛ ثم يليها ”صلاة الشكر“ وتُسمَّى ”المنطقة“ (حزام يدور حول الوسط)، وفي هذا إشارة إلى أنَّ الشكر يجب أن يشمل حياتنا كلها؛ ثم نُصلِّي الجزء الثالث ”المزمور الخمسين“، وهو مزمور التوبة الذي يُمثِّل ”الحذاء“، لأن الإنسان التائب خطيئته تكون مثل الشوك المُنتشر في الأرض، فلا يستطيع السَّير عليه بدون حذاء، وهذا يُذكِّرنا بقصة ”الابن الضال“، وكيف أنَّ أباه قدَّم له حذاءً بعد توبته ورجوعه إلى بيته، فقال الأب لعبيده: «أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ، وَاجْعَلُوا خَاتَمًا فِي يَدِهِ، وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ» (لو 15: 22).
1. اشكر الله على كونك إنسانًا:
اشكر الله على كونك إنسانًا موجودًا، فوجودك هو فضلٌ من الله وهبة منه، فوجودنا أُعطِيَ لنا مجَّانًا بدون مقابل. فمَنْ مِنَّا دفع شيئًا مقابل وجوده؟ ما هو الثمن الذي دفعناه؟ لا شيء! وهذا ما نُسمّيه ”نعمة“، فالنعمة هبةٌ مجَّانية.
وهناك سؤال يتردَّد دائمًا: لماذا خلقني الله؟ وإجابة هذا السؤال: لأن الله يحبُّني. ويمكن تشبيه هذا الأمر، بفنانٍ في ذهنه لوحة جميلة يُريد أن يرسمها، فأحضر اللوحة والألوان والفرشاة، وبدأ يضع بعض الخطوط لرسم هذه اللوحة، واستمرَّ في العمل حتى أكمل هذه اللوحة البديعة التي تنبهر وتندهش من روعتها. لذلك اشكر الله: لأنه أوجدك وأعطاك الحياة والعقل والفكر والعمل والحرية والإبداع.
2. اشكر الله لأنك جئتَ في هذا الزمان:
بِغَضِّ النظر عن سلبيات هذا الزمن، لكن أقول لك: اشكر الله على إيجابيات هذا الزمان التي تتمتع بها:
يوجد كثيرٌ من الاختراعات والابتكارات، والتقدُّم في وسائل المواصلات والاتِّصالات. فأنت تستطيع أن تصل لأيِّ مكان في زمنٍ قصير. فمثلًا الأديرة التي كانت لا أحد يستطيع أن يصل إليها إلَّا بالجِمَال، تستطيع الآن في ساعةٍ أو ساعتين أن تكون في قلب الدير وتأخذ بركة رهبانه وقدِّيسيه.
وفي هذا الزمان، توجد ثورة اتِّصالات. فأنت في عصر الراحة، تستطيع باستخدام الأجهزة الحديثة بضغطة مفتاح أن تصل للغرض المطلوب. لذلك فأنت في عصر المعرفة والمعلومات، تستطيع أن تصل للمعرفة بكلِّ أشكالها، المرئية والمسموعة والمقروءة. فتوجد ملايين المواقع على النِّت وملايين الكُتُب في كلِّ فروع العِلْم منذ القديم وحتى الآن.
في هذا الزمان أيضًا، توجد أدوية لكثيرٍ من الأمراض، وتوجد مُسكِّنات لكثيرٍ من الآلام، ويوجد طبٌّ مُتقدِّم، وكثيرٌ من العمليات الجراحية، وعمليات المناظير المُتقدِّمة. فنحن نعيش في زمانٍ، مَنَحَ الله لنا فيه نِعَمًا كثيرة جدًّا، وهذه النِّعَم مُتعدِّدة وكثيرة.
3. اشكر الله لأنك تعيش في هذا المكان:
اشكر الله، لأنه أوجدك مصريًّا تعيش على أرض مصر. فقد كان من الممكن أن يوجِدك في أيِّ بلدٍ أُخرى، قد لا تعرف اسمها. فالله قد أعطاك نعمةً خاصة بانتمائك إلى أرض مصر.
لقد اختار ربنا يسوع المسيح أرض مصر، لكي تكون البلد الوحيد التي تباركت بزيارته، واختارها الله للهروب من هيرودس الملك، فهي التي باركها الله وقال عنها الكتاب: «مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ» (إش 19: 25)، وهذه أيضًا نعمةٌ خاصة. فلك أن تفتخر أنك مصري، وقد نشأتَ على هذه الأرض ذات التاريخ القديم والعريق.
أيضًا مصر التي تمتَّعت بظهورات السيِّدة العذراء.
مصر بلدٌ متديِّن، يضع الدِّين في حسبانه، فهناك بلادٌ تَعتَبِر الدِّين تخلُّفًا وكبتًا لحرية الإنسان.
كلُّ مصري مُرتبط ارتباطًا وثيقًا بنهر النيل. فنهر النيل يبدأ من أقصى الصعيد بمجرى واحد، وعند القاهرة يتفرَّع إلى فرعين. وهذا الشكل، إن رأيته من ارتفاعٍ مثل الطائرة، تراه يُشبه رجلًا يرفع يديه للصلاة!!
4. اشكر الله لأنك تحيا في هذا الإيمان:
اشكر الله، لأنه أعطانا نعمة الإيمان المسيحي، لكي تحيا في الإيمان المسيحي المستقيم، إيمانًا تعيش به وتحيا نفس نقاوة الإيمان الذي سلَّمه الرُّسُل للآباء. فنحن ننتمي إلى واحدةٍ من أقدم كنائس العالم.
ففي بداية تأسيس المسيحيَّة، كان يوجد أربعة كراسي رسوليَّة في العالم كله، وهي: كرسي أورشليم (أُم الكنائس)، وكرسي أنطاكية، وكرسي الإسكندرية، وكرسي روما، ثم أُضيف إليهم كرسي القسطنطينيَّة بعد ذلك. وبذلك تكون كنيسة الإسكندرية من أقدم كنائس العالم، ويمكن تسميتها حاليًّا بـ ”أُمِّ الكنائس“. فمثلًا الكنيسة الإثيوبيَّة والكنيسة الإريتريَّة قد تكوَّنتا من خلال الكنيسة المصرية.
فالكنيسة المصرية، هي أول كنيسة في أفريقيا، وهي المسؤولة عن الخدمة بهذه القارة، وبالفعل لنا خدمات كثيرة بها، فهي كنيسة رسوليَّة أسَّسها القدِّيس مار مرقس الرسول. أيضًا كنيستنا كنيسة شهداء، فما زالت تُقدِّم شهداء حتى اليوم. وهي أيضًا كنيسة قدِّيسين، تَلِد قدِّيسين حتى يومنا هذا.
فمؤخَّرًا اعترفت كنيستنا بقداسة البابا كيرلس السادس، وبالأرشيدياكون حبيب جرجس، وتمَّ إضافة سيرتهما الطاهرة إلى سنكسار كنيستنا. وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ كنيستنا كنيسة رهبنة، فالكنيسة المصرية هي التي قدَّمت الرهبنة كهدية إلى العالم كلِّه، وأيُّ راهبٍ في العالم يعلم أن جدَّه الأكبر هو الأنبا أنطونيوس الراهب المصري. فأنت تنتمي إلى كنيسةٍ عامرة بحلول روح الله فيها وبعملها ونشاطها.
هذه هي الأربع نقاط الأساسيَّة التي يجب أن تشكر الله عليها: وهي أنَّ الله خلقك إنسانًا، في هذا الزمان، وفي هذا المكان، وبهذا الإيمان.
ولكن، لماذا لا يشكر بعض الناس الله؟
فعلًا يوجد أشخاصٌ لا يشكرون الله، وهذه هي الأسباب:
(1) نسيان نِعَم الله:
هناك بعض الأشخاص قد ينسون نِعَم الله عليهم، وحينما ننسى أعمال الله معنا، تبرد محبَّتنا له، ويسكن عدم الشكر في قلوبنا.
مثال: شعب بني إسرائيل (سِفْر الخروج 15، سِفْر العدد 14).
الذي يتذكَّر أعمال الله السابقة معه، يقول مع داود النبي: «بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلَا تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ» (مز 103: 2).
اذكُر أعمال الله السابقة معك، فتشكر الله ويزداد إيمانك.
(2) تذمُّر الإنسان:
الإنسان المُتذمِّر، إنسانٌ لا يعرف الشكر، فهو دائمًا ما يكون مُتذمِّرًا على كلِّ شيء، فلا شيء يُسبِّب له الرِّضا. فهو يتذمَّر على وضعه، وعلى مكانه، وعلى زمانه، وعلى بيته، وعلى أسِرته، وعلى كلِّ شيء حوله، وعلى كلِّ شخص معه. فإذا أَخَذَ يُريد أكثر، كما إنه يحب الأَخْذ أكثر من العطاء.
قال أحد المُختبرين: ”كنتُ أتذمَّر على الله دائمًا، لأنه ليس عندي حذاء، ولكني وجدتُ ذات يوم إنسانًا بلا قدمين، حينئذٍ شكرتُ الله“.
إنَّ التذمُّر يُدمِّر أيَّة نعمة أعطاها لنا الله، ويُعلِّمنا الكتاب المقدَّس قائلًا: «وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ. لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لَا نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا» (1تي 6: 6 – 8).
مثال: قورح وداثان وأبيرام (سِفْر العدد 16).
إنَّ القناعة والرِّضا دلالةٌ على الشكر، ويقول معلِّمنا بولس الرسول: «وَأَمَّا التَّقْوَى مَعَ الْقَنَاعَةِ فَهِيَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ. لأَنَّنَا لَمْ نَدْخُلِ الْعَالَمَ بِشَيْءٍ، وَوَاضِحٌ أَنَّنَا لَا نَقْدِرُ أَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ. فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ، فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا» (1تي 6: 6 – 8).
(3) المُقارنة بالآخرين:
إنَّ السبب الثالث لعدم الشكر، هو المُقارنة بالآخرين، ودائمًا ما تكون المُقارنة ظالمة، وهذا خطأٌ شائع في تربية أولادنا. فأحيانًا يُقارِن الأب أو الأُم درجات ابنهم في بعض الامتحانات ببعض أصدقائهم، فإن كان الابن قد حصل على درجاتٍ أقلَّ من زميله، ينال من أبيه كثيرًا من التوبيخ، حتى وإن كانت نتيجته مرضية؛ في حين أنَّه إذا استخدم الأب أسلوب التشجيع، فإنه سيؤدِّي إلى نتائج أفضل في الامتحانات التالية. فالمُقارنة دائمًا ما تُضيِّع الإنسان، فالله عندما خلق أصابع اليد الواحدة، لم تكن جميعها مُتشابهة. وإن حاولتَ أن تتخيَّل أنَّ جميع أصابع اليد الواحدة مُتشابهة، حجمًا ونوعًا، فإنك لن تستطيع أن تعمل بيدك أيَّ عمل. فالله قد نوَّع شكل وحجم أصابع اليد الواحدة، لكي ما يتآلفوا ويتناغموا ويتمكَّنوا من عمل كلِّ شيء.
وهذا هو جمال وروعة الاختلاف والتنوُّع الذي أراده الله للإنسان.
البابا تواضروس الثاني


