خلق الله الإنسان كائنًا فريدًا وكأنه ملك على مملكة هي الخليقة بالطبيعة والنباتات والحيوانات وأعطاه نعمة تسمية هذه المخلوقات وعاش سعيدًا في ألفة ووئام مع كل ما حوله..
ثم جاءت الخطية.. تلك الجرثومة التي دخلت حياة الإنسان الأول ممثلاً في آدم وحواء.. وكان السقوط الإنساني في الاختبار أمام طاعة الوصية والتمتع بحب الله الخالق.. لقد كسر الوصية وكسر قلب الله وكسر نفسه التي لم تعد صحيحة.. ودخل الصراع إلى قلبه وحياته فكانت البذرة الأولى من صراع قايين وهابيل وقبل أن تعمر المسكونة حيث الاعتداء والقتل من قايين لأخيه هابيل. ومن ذلك الوقت نشأ الصراع البشري.. بين أفراد وأفراد أولاً ثم قبائل وجماعات ثم بين شعوب وأمم وصارت الحروب بكل أشكالها وتفنن ذهن الخطية في اختراع الأسلحة وتطويرها بكل نوع ولون ووصل الإنسان في صراعاته إلى أسلحة الدمار الشامل وكأنه ينتحر ويبيد إنسانيته من على وجه الأرض التي أوجدها له الخالق العظيم وكساها بجمال الطبيعة والفلك أو كما قال المزمور “اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” (مزمور19: 1). وبالخطية فقد الإنسان أشياء كثيرة جدًا ومن أهمها “راحة البال” وصار هناك قليل من البشر الذي يتمتع براحة البال الحقيقية التي تجعله سعيدًا وممتنًا أمام الخالق العظيم.
وراحة البال هي حالة شعورية داخلية لا يمكن وضعها في كلمات وتعاريف.. إنها تشمل السلام والهدوء والسكينة القلبية وعدم وجود هموم أو قلق أو توتر أو غليان أو مشاعر سلبية ولا يمكن وصفها إلا بمن عاشها.. وربما الفلسفة الرهبانية من البعد عن الاقتناء بأي صورة وتسليم الذات بلا أي أهواء شخصية والانسجام مع الله دون انشغال بآخر غيره له المجد، تشكل في مجموعها راحة البال التي ينشدها الإنسان. ولا أقصد أن يعيش الجميع رهبانًا، فهذا مستحيل وغير منطقي، ولكن أقصد أن تكون هذه المبادئ راسخة عند الإنسان في حياته وأسرته وعمله ومجتمعه وكنيسته. والغريب أن الإنسان يعي تمامًا أنه لن يأخذ أي شيء معه عندما يأتي يوم مغادرته هذا العالم، تمامًا كما جاء ولم يكن معه أدنى شيء، ورغـم ذلك يتناسى هذه الحقيقة الصارخة، فتمضي حياته في صراعات صغيرة أو كبيرة بلا أدنى هوادة حول المال والثروة، الذات والسلطة، والدنيا والمتعة!!! وفي ذلك يتصارع ويتشاجر ويتقاتل ويخاصم ويغضب وينتقم.. ويكذب على نفسه ويحاول أن ينسى حقيقة وجوده وبالتالي يخسر راحة البال التي تنعكس على فكره وجسده وصحته النفسية وصحته الاجتماعية ويعيش كائنًا يتنفس ويحيا بلا إنسانية أو كأنه “يمثل” وجوده الإنساني دون شعور بقيمته التي من أجلها جاء المسيح فاديًا ومخلصًا وماسحًا لخطاياه ومانحًا قلبًا نقيًا ليختبر راحة البال في مسيرة عمره على الأرض تمهيدًا لتكون معه في الأبدية على الدوام.
وكثير من الأدباء حول العالم سجلوا هذه المشاعر في كتاباتهم ورواياتهم ولكن يعتبر الأدب الروسي أكثر من كتب وعاش حياة راحة البال من خلال النظرة العميقة للوجود الإنساني ويتقدم في هذا المجال أحد أعظم أدباء الإنسانية ليوتولستوي (9/9/1828م – 20/11/1910م) الذي أعلن ثورته على هذا الزيف الذي يعيشه العالم المادي سواء شهوة الجسد أو شهوة العيون أو تعظم المعيشة وقد وجد نفسه غارقًا في تساؤلات مصيرية:
ما الهدف من الحياة؟
كيف نعيش براحة البال؟
وهل يمكن أن نجد السعادة خارج دائرة الطمع والشهرة والصراع؟
كيف نقتني السلام الداخلي؟..
وغير ذلك من أسئلة محيرة ومدهشة.
لقد حاول أن يُجيب مقدمًا دعوة إلى العيش الحقيقي بعيدًا عن الأقنعة وقريبًا من جوهر الحياة. وخلال كتاباته وقصصه ذكر العديد من المبادئ التي يمكن أن تساعد الإنسان على راحة البال نسردها في السبعة عشر مبدأً حياتيًا التالية:
1. استيقظ مبكرًا وعش يومك بنشاط.
2. لا تضيع الوقت في التسلية الفارغة.
3. اعمل بجد ولا تعتمد على الآخرين في تحقيق أحلامك.
4. عش ببساطة وتجنب الترف والترف الزائد.
5.كن صادقًا دائمًا مع نفسك ومع الآخرين.
6. تعلم باستمرار فالحياة رحلة تعليمية لا تنتهي.
7. لا تأكل أكثر مما تحتاج واهتم بصحتك الجسدية.
8. لا تستسلم للغضب أو الحقد، سامح وامض قدمًا.
9. اقرأ الكتب التي تثري عقلك وروحك.
10. لا تخف من التغيير لأن النمو يتطلب التحول.
11. ساعد الآخرين دون انتظار مقابل.
12. كن متواضعًا فالكبرياء يعيق التعلم والتطور.
13. اعمل من أجل هدف نبيل وليس فقط من أجل المال.
14. كن مسالمًا وتجنب كل أشكال العنف أو الحدة.
15. لا تلهث وراء الشهرة أو التصفيق. افعل الخير لذاته.
16. احترم الطبيعة وعش في وئام معها.
17. تذكر أن السعادة الحقيقية تأتي من العطاء وليس من الأخذ.
هذه مجرد مبادئ لك أن تأخذ منها أو تأخذها كلها في حياتك لتتمتع براحة البال وتمضي سفينة حياتك في سلام واطمئنان لأن “كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْر لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ” (رسالة رومية 8: 28).
This page is also available in:
English


