تيطس أحد تلاميذ القديس بولس الرسول أو أحد رفقائه في الخدمة وربما كان من أهل أنطاكيه، وقد دعاه بولس الرسول في رسالته إليه: “الابْنِ الصَّرِيحِ (الأصيل) حَسَبَ الإِيمَانِ الْمُشْتَرَكِ” (تي4:1)، وقد كان خادمًا مدبرًا لكنائس جزيرة كريت رابع أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط.
أما الرسالة نفسها فهي قصيرة (3 أصحاحات فقط) بليغة المعنى والمبادئ وفيها مجالاً واسعًا للبحث خاصة عندما تحدث عن صفات الأسقف بحسب قلب الله: “لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ كَوَكِيلِ اللهِ، غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ، وَلاَ غَضُوبٍ، وَلاَ مُدْمِنِ الْخَمْرِ، وَلاَ ضَرَّابٍ، وَلاَ طَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ، بَلْ مُضِيفًا لِلْغُرَبَاءِ، مُحِبًّا لِلْخَيْرِ، مُتَعَقِّلاً، بَارًّا، وَرِعًا، ضَابِطًا لِنَفْسِهِ، مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ الَّتِي بِحَسَبِ التَّعْلِيمِ، لِكَيْ يَكُونَ قَادِرًا أَنْ يَعِظَ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ وَيُوَبِّخَ الْمُنَاقِضِينَ” (تيطس 1: 7-9).
الأسقف هو أعلى درجة كهنوتية في الكنيسة المسيحية (الأسقف- القس– الشماس). والكلمة تعني: الناظر- الحارس- الرقيب من أعلى. وشروط اختيار الأسقف من طغمة الرهبان كثيرة إلى جانب أنها صارمة أيضًا نظرًا لمسؤوليته الجسيمة إذ من يده يطلب دم رعيته.
أما ألقاب الأسقف فهي أيضًا كثيرة منها: أب- معلم- راعي- مدبر الإكليروس… إلخ. وهي كلها توضح المظاهر المختلفة لأبوته الروحية.
ومعروف تاريخيًا أن القديس مارمرقس الرسول مؤسس كنيسة الإسكندرية في القرن الأول الميلادي رسم أسقفًا هو أنيانوس وثلاثة قسوس وسبعة شمامسة، وكانت هذه هي بداية الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
وبذلك صارت ثلاثية كنيسة الله هي: مذبح- إکلیروس- شعب:
1- المذبح: وهو مركز وقوة حياة الكنيسة كلها.
2- الإكليروس: بكل درجاته لتدبير كنيسة الله الحي.
3- الشعب: أعضاء جسد المسيح المتحدين بالأسرار المقدسة.
وهذه الثلاثة تصل إلى كمالها وتوفي حقها في سر الإفخارستيا سر الأسرار، وبدون أحد هذه الثلاثة لا يمكن إكمال سر الإفخارستيا. وتوصف هذه العلاقة الثلاثية بأنها رابطة روحية سمائية تقوم على الإيمان والمحبة والاتضاع والطاعة في تماسك قوي مستمر عبر الأجيال وعلى امتداد القرون وإلى منتهى الأعوام.
ويرسم القديس بولس الرسول مؤهلات النضج والخبرة للأسقف ليكون حسب قلب الله في مسؤوليته الخطيرة جدًا، ويستخدم أربعة عشر وصفًا دقيقًا ومعبرًا، وبها تكتمل صورة الأسقف الخادم الحقيقي وليس مجرد الشكل أو اللقب أو المنصب أو المهارة. وتصلح هذه المؤهلات لكيما يراجع الأسقف عليها نفسه وخدمته من وقت لآخر لئلا يفقد واحدًا منها أو أكثر وسط انشغالات الحياة العديدة فيوجد ناقصًا أمام الله الديان ويضيع نصيبه السماوي:
1) بِلاَ لَوْمٍ: يقصد الخطايا الظاهرة المعثرة وليس أي خطية سواء على مستوى الكلام أو الأفعال وبالطبع ليس الكمال المطلق لأنه لا يوجد إنسان خال من العيوب بل المقصود ألا يكون شخصًا له طباع شريرة أو صيت رديء. لأنه أولاً وأخيرًا هو قدوة لشعب الله.
2) وَكِيلِ اللهِ: الوكيل لا يملك لكنه يدير كل ما يضعه سيده في يديه. وأهم صفة فيه هي الأمانة المطلقة بالتدبير الحسن من أجل الله سواء وقته.. خدمته.. مواهبه.. ماله.. علاقاته.. عظاته.. إلخ. فهو مسؤول من قبل الله عن رعاية الشــعب، ويقدِّم حساب وكـالته أمــام الله، لذا يجب أن يكون بلا خطية معثرة للشعب ويعي تمامًا وكالته التي سيعطي حسابًا دقیقًا عنها: “أَعْطِ حِسَابَ وَكَالَتِكَ” (لوقا 16: 2).
3) غَيْرَ مُعْجِبٍ بِنَفْسِهِ: وهذا الأمر بالغ الخطورة لأنه يعني محبة الذات والتمركز حولها والثقة المفرطة بالنفس والارتكان على إرادته الشخصية وأسلوبه الخاص، ويرى أن كرامته هي إذعان الآخرين له. وهذا أحد أشكال الاستبداد أو التشبث بالرأي. إن الراعي المعجب بنفسه يكون متكبرًا كثيرًا لا يعي ما يقوله أو يصرِّح به سوى إرضاء نفسه وذاته.
والمقصود أن يكون غير أناني أو مغرور بل يكون متضعًا محتملاً للجميع متمثلاً بالمسيح الذي دعانا للاقتداء به.
4) غَيْرَ غَضُوبٍ: أي لا يكون سريع الغضب لأنه من غير اللائق أن يدير الكنيسة ويحكمها إنسان غضبه حاضرًا على الدوام. هناك الغضب المقدس ضد الخطية (أف 26:4)، وعندما يرى أمورًا خاطئة، ولكن في مسيرة خدمته يجب أن يكون ضابطًا حازمًا لأي غضب، وكما قال الآباء: “ولو أقام الغضوب ميتًا، فما هو مقبول أمام الله”.
5) غَيْرَ مُدْمِنِ: كان الخمر قديمًا نوعًا من العلاج لبعض أمراض الجهاز الهضمي وذلك قبل تواجد الأدوية العديدة. والمقصود عدم الانهماك في اللذات المادية. وفي الأزمنة الحديثة لم يعد الإدمان مقصورًا على الخمر بل امتد إلى مواد أخرى كثيرة طبيعية وصناعية ومخلقة، وأيضًا إلى إدمان الميديا والمواقع والصفحات الإلكترونية، وصار الارتباط بجهاز الموبايل أحد وسائل الإدمان المدمرة في حياة الأسقف وسلامة ونقاوة فكره وتواضعه، حيث نجح الشيطان في وضع العالم كله في قلب الراعي ونسى أنه في الأصل راهب ترك كل ما في العالم ذات يوم.
6) غَيْرَ ضَرَّابٍ: أي كثير الضرب حيث يستخدم الشدة في معاملاته وليس الضرب باليد فقط بل أيضًا بالكلام والتعنيف والتوبيخ المستمر، بالأوامر والتعليمات والقرارات القاسية. وهو بهذه الصورة لا يخدم شعبه بالتشجيع أو بالوجه البشوش المبتسم، ولذته في إيذاء الآخرين قولاً أو فعلاً، وهو بذلك لا يقدم صورة المسيح المريح والحنون لمن يرعاهم، والأدهى من ذلك أنه يسمي ما يفعله إنه إدارة ونظام وهو في الحقيقة قسوة.
7) غَيْرَ طَامِعٍ فِي الرِّبْحِ الْقَبِيحِ: إنه لا يدخل حقل الخدمة على أساس فكر عالمي واتجاه مادي أي لا يكون محبًا للمال أو يقبل ما هو غير مشروع، وقديمًا قالوا إن دخل في الكنيسة مال حرام فيؤخذ ويشترى به حطب لمواقد النار ولا يستخدم في أي خدمة تحت أي مسمى. الأسقف يجب أن يكون متعففًا زاهدًا غير محب للقنية والامتلاك ويضبط نفسه عالمًا أن خدمة الإنسان المحتاج والمعوز والفقير أهم جدًا من أي عمل آخر.
8) مُضِيفًا لِلْغُرَبَاء: مُرحبًا بمن ليس لهم أحد يعتني بهم أو يهتم بهم مثلما كانت مدن الملجأ في العهد القديم (عدد 35). وتكون كنيسته أو مطرانيته محلاً للإنسانية في خدمتها لكل النفوس الغريبة عن المعتاد في الحياة البشرية مثل المهمشين والمتعبين وقليلي الحيلة والإمكانيات والذين ليس لهم أحد إطلاقًا.
9) مُحِبًّا لِلْخَيْر: أي محبًا لكل عمل صالح، فالشخص الصالح هو من له قلب صالح ويحيط نفسه بأمور صالحة ويجول يصنع خيرًا مثل معلمه، وهذا كله يدور في عمل الرحمة في مفهومها الواسع.. له قلب رحيم يتوب، وله قلب مملوء رحمة، وله قلب يفيض ويصنع رحمة مع كل إنسان أوتمن عليه أو حتى من خارج رعيته.
10) مُتَعَقِّلاً: شخص متزن في كلامه وتصرفاته غير مندفع، وهذه نعمة ضرورية في حياة الأسقف تأتي من باب الأبوة التي يحملها باعتباره أب آباء كهنة وأب لكل شعب رعيته. إنه هادئ يدرس ويفحص ويفكر ويصلي فيما يعرض عليه وفيما يصدر عنه.
11) بَارًّا: أي مستقيم “قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي” (مزمور 51: 10). استقامة الفكر والقول والفعل حيث تكون حياته نقية، دائم التوبة وفحص الضمير، عنده مصداقية، ملتزمًا بكلمته، ويعيش ما يعظ به ويسلك بالحق والأمانة.
12) وَرِعًا: يعرف مفهوم “مخافة الله” التي هي بداية طريق الحكمة. إنه يبتعد عن الشرور ويخاف الله ويتقيه في مسيرة حياته ليحيا حياة القداسة “كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ” (1بط 16:1). يكون ورعًا حقيقيًا وليس مظهريًا وإلا سقط في فخ الرياء والنفاق.
13) ضَابِطًا لِنَفْسِهِ: ضبط النفس يعني التحكم في الرغبات والميول مثل محبة الراحة أو محبة الامتلاك أو محبة السفر الكثير والابتعاد عن رعيته. كما يشمل ضبط الوقت وضبط الفكر والنظرة والكلام والأفعال. إنه إنسان قوي تدرب على هذا الضبط في شخصيته الرهبانية كما تحكي لنا كتب واختبارات البرية. إنه يعمل كل شيء بالمقدار المناسب دون تساهل أو تشدد أو تزمت.
14) مُلاَزِمًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ: كلمة الله صادقة لأن الله لا يكذب (تي 1: 2) ومن يعلمها يجب أن يكون صادقًا في التعليم الصحيح الذي يعزز النمو الروحي لدى الرعية وهو في كل هذا يتمسك بالثبات في الإيمان المستقيم وتعليم الآخرين لكي يتمسكوا بالكلمة الصادقة من خلال الوعظ الكتابي والآبائي والكنسي الأصيل.
هذه الأربعة عشرة صفة ترسم معالم حياة الأسقف بحسب قلب الله والتي يجب أن يتحلى بها ويقيس نفسه دائمًا عليها ليتجنب ألا يفقد إحداها أو تسقط عنه فيوجد في الموازين إلى فوق، مصلين أن يعطينا الله النهاية الصالحة ويكمل أيام غربتنا بسلام.
This page is also available in:
English


