ألقى قداسة البابا تواضروس الثاني عظته الأسبوعية في اجتماع الأربعاء مساء اليوم من الكنيسة المرقسية الكبرى بالإسكندرية، وبُثت العظة عبر القنوات الفضائية المسيحية وقناة C.O.C التابعة للمركز الإعلامي للكنيسة على شبكة الإنترنت.
وقبل صلوات العشية تفقد قداسته معرض الأعمال الفنية لشباب وشابات ثانوي بالإسكندرية والتقط الصور التذكارية مع أوائل الثانوية والدبلومات والشهادات المعادلة.
وصلى قداسته صلوات العشية، بمشاركة صاحبي النيافة الأنبا باڤلي الأسقف العام لكنائس قطاع المنتزه، والأنبا هرمينا الأسقف العام لكنائس قطاع شرق الإسكندرية، والقمص أبرآم إميل وكيل عام البطريركية بالإسكندرية والآباء كهنة الكنيسة وعدد من مجمع كهنة الإسكندرية، وخورس الشمامسة وأعداد كبيرة من الشعب امتلأت بهم الكنيسة.
وبعد انتهاء صلوات العشية كرّم قداسته أوائل الثانوية العامة والدبلومات والشهادات الأجنبية وما يعادلها في احتفالية نظمتها الأمانة العامة لخدمة ثانوي بالاسكندرية.
واستكمل قداسة البابا سلسلة “حكايات الشجرة المغروسة”، وتحدث اليوم عن موضوع “رحلة الجوع والشبع في الكتاب المقدس”، وقرأ جزءًا من الأصحاح السادس من إنجيل معلمنا يوحنا والأعداد (٤٨ – ٥٨)، مشيرًا إلى الجوع والشبع في تاريخ كنيستنا، وأنه منذ أكل آدم وحواء من الشجرة وكسرا الوصية دخل الجوع والعري والخوف إلى العالم.
وشرح قداسته من خلال الكتاب المقدس، كيف تجعل الخطية الإنسان جائعًا وعطشانًا دائمًا، كالتالي:
عندما جاع الشعب في برية سيناء أعطاهم الله المن والسلوى بشكل يومي.
سليمان الحكيم بعد أن سقط في جميع الخطايا اكتشف “فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ” (جا ٢: ١١).
المرأة السامرية قال لها السيد المسيح “مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ” (يو ٤: ١٤)، فقدمت اعترافًا بخطاياها، وذهبت تقول: “هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْت” (يو ٤: ٢٩).
وأشار قداسة البابا إلى أن الخطية تتسبب في جوع قلبي وإيماني ونفسي وداخلي، وليس فقط جوع جسدي، بينما لا يوجد الشبع إلا بيد الله، “قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي” (مز ٥١: ١٠)، لهذا جاء السيد المسيح للأرض لكي: يعطينا جسده ودمه، ويجدد طبيعتنا، ويُتمم عمل الفداء على الصليب.
وقدّم قداسته ثلاثة أدوار للسيد المسيح من أجل شِبع العالم، وهي:
١- منقذًا للبشر جميعًا: في العهد القديم كانت تُقدم ذبائح عن الخطية يوميًّا، أما في العهد الجديد قدم السيد المسيح جسده ذبيحة ممتدة في التاريخ، “وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي»” (مت ٢٦: ٢٦).
٢- يجدد طبيعتنا ويعطينا إمكانية: “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي” (في ٤: ١٣).
٣- أن يكون هو المثال والقدوة لنا باستمرار: لذلك نذكر اسم الله في التسبحة باستمرار، كما نقول “أعطى فرحًا لنفوسنا تذكار اسمك القدوس”.
وتناول قداسة البابا رحلة الشِبع في الكنيسة من خلال عدة أشكال، هي:
١- الشِبع بكلمة ربنا: لذلك من تداريب الكنيسة قراءة الإنجيل يوميًّا “اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ” (يو ٦: ٦٣).
٢- سر الإفخارستيا (سر التناول): فحضور القداس يجعلنا نشعر بالشبع، لأنه هو الوليمة العظمى.
٣- الألوجية (لقمة البركة): والتي ننقلها لإنسان آخر لم يحضر القداس ونتقاسمها معه، لكي يحصل على البركة ويشبع.
٤- وجبة الأغابي: كما تفعل العديد من الكنائس الآن ويأكل الأشخاص عقب صلاة القداس وجبة أغابي (محبة) معًا.
٥- فترة الصوم: هي فرصة للإعلان لله أن الحياة من الله وليس من الأكل، وهذا يشبعنا.
واختتم قداسته بأننا لكي نعيش رحلة الشِبع فليس أمامنا إلا أن نشبع بالمسيح، فالمسيح هو الشِبع الحقيقي في الحياة، “أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ” (مز ١٧: ١٥).
وأوصى قداسة البابا بحفظ الآية: “طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ (المسيح)، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ” (مت ٥: ٦).
عظة: حكايات الشجرة المغروسة (10) “رحلة الجوع والشبع”
بتاريخ: 27/8/2025
باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد أمين تحل علينا نعمته ورحمته من الآن وإلى الأبد آمين.
كنت بدأت من فترة اتكلم في مجموعة من الموضوعات اسمها “حكايات الشجرة المغروسة” وهذه الحكايات هي حكايات في الكنيسة وفي تاريخ الكنيسة وفي حياة الكنيسة بصفة عامة، من الممكن ان نكون قد قلنا إلى الآن حوالي 9 او 10 حكايات..
واليوم أريد أن أتكلم معكم في حكاية اسمها “حكاية الجوع والشبع”
وقبل أن أبدأ أريد أن اقرأ حزء من الكتاب المقدس من إنجيل معلمنا يوحنا البشير الإصحاح السادس:
48أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ.
49 آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا.
50 هذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ.
51 أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ».
52 فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: «كَيْفَ يَقْدِرُ هذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ؟»
53 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ.
54 مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ،
55 لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌ.
56 مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ.
57 كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ، وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ، فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي.
58 هذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». (يو6: 48- 58) والمجد لله دائمًا أبديًا أمين.
حكاية الجوع والشبع في تاريخ مسيحيتنا وفي تاريخ كنيستنا هي حكاية جميلة بالحقيقة، آدم وحواء في العهد القديم بعد ما أكلوا من الشجرة برغم التنبيه الذي نببه عليهم المسيح، لكن الكتاب المقدس يقول لنا في سفر التكوين إنهم دخلوا في الجوع والعري والخوف.
ثلاثة أشياء: الجوع هو احاس جسدي، والاحساس بالعري والشئ الثالث هو الخوف وهو إحساس نفسي.
وهنا بدأت قصة الجوع لماذا؟ لأنه قد قام بكسر الوصية..
وأريدك ان تربط ما بين نقطتين هامتين، ما بين من يحفظ الوصية فيكون في شبع كما نروي الآن، وبين من يكسر الوصية واستمراره في حالة الجوع حتى وان كان أمامه طعامًا من كل ناحية من انواع واصناف مختلفة. لكنه دائمًا في حالة جوع.
في البرية جاع شعب بني اسرائيل، وحين جاع اثناء رحلة البرية وهم يمشون خلال الأربعين سنة في برية سيناء، ابتدأ الله يعطيهم المن والسلوى ولكن الله كان يعطيها لهم يوميًا فكانت بمثابة يوم بيوم.
وأيضًا نقرأ عن سليمان الحكيم والذي كان يملك كل شيئ فكان يملك الغنى والسلطان والملك والكثير والكثير كل شيئ … وفي آخر كل هذا حين وقع في بعض الخطايا اكتشف هذا “بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، الْكُلُّ بَاطِلٌ.” (جا 1: 2).
“ثُمَّ الْتَفَتُّ أَنَا إِلَى كُلِّ أَعْمَالِي الَّتِي عَمِلَتْهَا يَدَايَ، وَإِلَى التَّعَبِ الَّذِي تَعِبْتُهُ فِي عَمَلِهِ، فَإِذَا الْكُلُّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ، وَلاَ مَنْفَعَةَ تَحْتَ الشَّمْسِ.” (جا 2: 11). في حالة جوع ..
أيضًَا المرأة السامرية كانت كل يوم تذهب لتملاء جرتها، ولكن يقول لها السيد المسيح هل قد شبعتي؟! أو ارتويتي؟! تقول: لا لم اشبع هناك شيئ ينقصني…
يقول لها المسيح: اذهبي ادع زوجك… تقول: ليس لي زوج…
وبعد ذلك يبدأ معها المسيح برقة بالغة يدفعها إلى الإعتراف، وحين تعترف وتخرج من قلبها الخطية تبتدأ وتنادي جميع الناس وتخبرهم “«هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَانًا قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟»” (يو 4: 29).
والمسيح يقول لها “وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».” (يو 4: 14). هي رحلة عبر الزمن.
الشيئ الأول الذي اريدك أن تعرفه أن الجوع ليس المقصود به هنا الجوع الجسدي فقط انما هو أيضًا جوع نفسي وجوع داخلي. والجوع دائما كما يقال في الأمثال العربية “إن الجوع كافر” رغم أن الجوع هو احساس جسدي ان البطن فارغة، انما الكفر هنا هو إحساس قلبي وإيماني ونفسي وداخلي أيضًا.
فما الرابط هنا بين النقطتين؟! انظر إلى ما يوصله الجوع …
لذلك رحلة الجوع والعطش في تاريخ الكنيسة وتاريخ الكتاب المقدس هي رحلة كبيرة جدًا وهامة جدًا.
فما الذي يجعل الإنسان دائمًا في حالة جوع؟ دائمًا السبب هو الخطية، ويشبهونها مثل من يشرب من الماء المالح يظل في حالة عطش.
داود النبي حين وقع في الخطية وابتدء يتلفت لنفسه من الخطايا التي صنعها، وقف أمام الله يقول له “قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي.” (مز 51: 10). لأنني فعلت الخطية ولم اشبع! ولم ارتوي! وقلبي خالي بل قلبي سكنته الخطية… لذلك ادعوك يا الله قلبًا نقيًا اخلق في يا الله، وحين يخلق الله في قلب نقي وقتها فقط اشعر بالشبع.
أهل نينوى في قصة يونان النبي شعروا بالهلاك واحتاجوا إلى توبة حقيقية، وبمجرد أن وصلت إليهم منادات يونان النبي ابتدؤا يفيقوا لأنفسهم وابتدأ المدينة بأمكلمها من اصغر شخص بها إلى اكبرشخص وهو الملك في تقديم توبة “وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى، فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ، وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ.” (يون 3: 6). فجلسوا في المسوح في التراب من أجل التوبة مع أنهم كانوا يعيشون في حالة ترف وغنى.
فمدينة نينوى هي مدينة في شمال العراق وقديمًا كانت مبانيها مغطاة بصفائح من الذهب فحين تسطع الشمس كانت تعكس نورها على هذه المباني المغطاة بالذهب فتجدها صفرة كبيرة ساطعة اللمعان.
أيضًا كانت تلك المدينة مليئة بالمزروعات والجنائن المعلقة، فتجد فيها هذا الغنى من الالوان البراقة الأخضر والأصفر بالإضافة إلى كل الغنى الذي سبق وذكرناه!
ولكن ما الحال؟! شعب هذه المدينة قالوا: كل هذا لم يشبعنا…
لذلك أريدك وأنت تسمع الآن أن من آيام سقوط آدم وحواء دخل الإنسان في رحلة طويلة اسمها رحلة الجوع، الجوع الجسدي أحيانًا ولكن الجوع القلبي والنفسي وأيضًا الداخلي كل الوقت. فالإنسان غير مستقر وقلق باستمرار.
وصار هذا الجوع لا يعرف الإنسان كيف ومن أين يشبعه؟!
وبسبب الخطية دخلت الإنسانية في حلقة مفرغة لا يعرف كيف يشبع من خلالها؟! ولا شيئ قادر على أن يشبعه…
يعمل أحيانًا .. المال أحيانًا .. بناء تعمير .. زرع للأرض .. يأتي بحصاد كثير.. لكنه في حالة بعد عن الله وبدون شبع.
وهذه نقطة هامة لكم أيها الشباب والشبات يجب أن تعرفوا إننا نجتهد وندخل كليات جيدة ونكمل الطريق ونتخرج ونعمل والحياة جميعًا تنفتح أمامنا، لكن احترس من أن تقع في فخ أن هذا هو الشبع الحقيقي! ولكن الحقيقة أنه لا يوجد شبع إلا بيد الله.
من أجل هذا حين عاش الإنسان في بداية الخليقة كان الإختبار الأول الذي اعطاه الله لآدم وحواء وأوصى الرّبُّ الإلهُ آدمَ قالَ: «مِنْ جميعِ شجَرِ الجَنَّةِ تأكُلُ، وأمَّا شجَرَةُ معرِفَةِ الخيرِ والشَّرِّ فلا تأكُلْ مِنها. فيومَ تأكُلُ مِنها موتا تموتُ». (تك2: 16- 17).
ولماذا لا يأكلوا من هذه الشجرة؟ لأنه كان اختبار من الله.
ولكن الإنسان فضل الأكل عن الوصية، وحين فضل الأكل عن الوصية ابتدء يدخل في طريقً مظلم، وبدأ يشعر بالضغف وأشياء كثيرة أيضًا كلها بعيدة عن الله وفي حالة عدم شبع. فاصبح في داخل قلب الإنسان جوع شديد…
لأجل ذلك السيد المسيح قال أنه سوف يجئ من أجل كل شخص في حالة جوع … سوف آتي من أجل العالم كله …
لماذا تأتي إلينا يا يسوع؟!
يجيب علينا: سوف آتي كي ما أشبعكم
وهناك نقطة هامة فكل اعتقدات العالم بدأت من الأرض، والأرض من (بوزة) على سبيل المثال.. بوزة رجل نبيل قدم بعض النصائح وبعض الوصايا بحسب معرفتهم من أجل أن يرتقي بالإنسان ليوصله إلى السماء… لكنه لم يستطع…
إلا المسيحية… كل اعتقدات العالم ابتدأت من الأرض إلا المسيحية بدأت من السماء “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.” (يو 3: 16). أحب الله العالم واتى إلى العالم.
نصلي هكذا في افتتاحية باكر: الكلمة صار جسدًا وحل بيننا ورأينا مجده.. كما هو مكتوب في الإصحاح الأول من إنجيل يوحنا “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.” (يو 1: 14).
فالمسيح تجسد من أجل أن يشبعنا ولم بعيد عنا وأعطانا وسائل شبع كثيرة نذكرها على التوالي، فالمسيح لم يأتي ليعطي خبزًا مثل المن في العهد القديم إنما جاء ليعطينا جسده ودمه “مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ.” (يو 6: 56). أيضًا “مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ،” (يو 6: 54).
لا تظن أن هذا الكلام على مستوى الرمز أو على مستوى المحسنات اللفظة البلاغية الخاصة باللغة العربية … لا … بل هو على مستوى الحقيقة … فالمسيح نفسه يقول “خذوا كلوا هذا هو جسدي” وقدمه لتلاميذه، وهكذا التلاميذ واصلوا وإلى اليوم وحتى مجيئ السيد المسيح مرة ثانية.
حتى في معجزات المسيح حينا جاء كان من ضمن المعجزات التي قام بها معجزة اشباع الجموع، وهذه المعجزة هي المعجزة الوحيدة المكررة في الأربع بشاير. وهي معجزة شبع.
وحين نصليها أو نقرأها في إنجيل القداسات نمسيه “إنجيل الشبع” لأنه مع بداية العهد الجديد… فالعهد القديم يمثل الجوع أما العهد الجديد فيمثل الشبع.
قديمًا كان هناك تقليد في الأسرة حين تقدم الأسرة الطعام لأطفالهم، أنه حين ينتهي الطفل من الطعام كان يخبر والديه: أنا شبعت… فيجيب الوالد أو الوالدة: وأنا فرحت… فمادام الأطفال الصغار شبعوا فالوالدين يفرحون بشبع أولادهم. وذلك لأن الشبع يؤدي إلى فرح.
في معجزة الخمس خبزات والسمكتين نقرأها في إنجيل صلاة الساعة التاسعة، وأيضًا حين يأتي أحد خامس في آحاد الشهر القبطي نقرأ فيه إنجيل الشبع معجزة اشباع الجموع.
أول شئ المسيح جاء كي ما يعطينا هذ الغذاء السماوي “جسده ودمه”…
ثاني شئ المسيح جاء كي يجدد طبيعتنا، الطبيعة التي كانت دائمًا في حالة جوع… الطبيعة التي لم تشبع “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.” (يو 1: 14). فحين جاء المسيح وحل بيننا ورأينا مجده شبعنا بوجود المسيح في وسطنا.
أيضًا جاء المسيح كي ما يتتم الفداء على الصليب، يموت على الصليب كي ما يقدم الجسد والدم لنا جيمعًا. وعلى هذا الأساس ربنا يسوع المسيح حين جاء أتى كي ما يقدم لنا ثلاث ادوار هامة جدا…
أول دور انه منقذ: منقذ للإنسان التي ستضيعه الخطية.
ففي العهد القديم كانوا يقدموا ذبائح في الصباح وفي المساء، وكانت جميعها ذبائح عن الخطية ورغم ذلك لم يشبعوا… فغدًا يقدموها مرة ثانية… وبعده يقدموها مرة اخرى وهكذا… ولا يشبعون…
أما المسيح فقدم جسده ذبيحة من أجلنا وهي الذبيحة الممتدة في الزمن وفي التاريخ، فنحن الآن في القرن الواحد والعشرين وحين نحضر القداس كأننا نحضر في أيام اسبوع الآلام الأول الذي قام به السيد المسيح وجاء لتلاميذه وقال لهم: “وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي».” (مت 26: 26).
ونحن نأخذ النطق الإلهي الذي قاله السيد المسيح وهو الذي نذكره في القداس الإلهي ونسميه “التقديس”
فنمرة واحد جاء المسيح لينقذ الإنسان وطوبى للإنسان الذي مع المسيح فهو يكون في حالة شبع، وتجد فيه صفات جميلة. بينما الإنسان البعيد عن المسيح أو الذي لا يعرف المسيح تجد فيه صفات غريبة كثيرة، صفات قاسية الصفات الوحشية والعنف وهي صفات الخطية.
ثاني دور جاء المسيح ليجدد طبيعتنا: جاء ليعطينا إمكانية…
فيقول بولس الرسول “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي.” (في 4: 13). بولس هل الست أنت مثلنا ومن لحم ودم مثلنا؟! وإمكانياتك إمكانيات إنسان عادي؟! يجيب: نعم ولكني أدخل في داخل المسيح فالمسيح هو الذي يتحرك لذلك أستطيع كل شئ.
ثالث أمر حين جاء المسيح كي ما يصير هو المثال والقدوة أمامنا باستمرار:
جاء كي ما يكون هو النموذج الموضوع أمامنا، وجميعنا نعرف الصلاة التي نصليها باستمرار الصلاة القصيرة “ياربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطي” وكما نصلي الإبصاليات في تسبحة نصف الليل نذكر اسم المسيح الاسم الحسن باستمرار لأنه هو المثال ونقول هكذا “أعطى فرحًا لنفوسنا تذكار اسمك القدوس” فبمجرد ما اقول اسمك يا الله فهذا يفرح قلبي… او “اسمك حلو مبارك في افواه قديسيك”.
فنحن نعيش في الكنيسة من خلال سر الإفخاريستيا الذي يشبعنا، ورحلة الشبع التي تكون في الكنيسة هي تأخذ اشكالًا كثيرة:
1- هو الشبع بكلمة الله: فيقول الكتاب المقدس “وجدت كلامك كالشهد فأكلته، إنه أحلي من العسل والشهد في فمي فرحت به كمن وجد غنائم كثيرة” (مز119). فهنا ليست هي قراءة للكلمة فقط بل هو طعام للنفس. وهي هذا النوع من الشبع هو متاح لكل إنسان، فيقول السيد المسيح “اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ،” (يو6: 63). فكلام السيد المسيح هو روح وحياة.
فالإنسان الجائع هو دائمًا إنسان قلق وغير مستقر من الممكن أن يفعل أي شيئ… وعلى سبيل المثال فكما نرى في بعض الأخبار بالمناطق التي ينقص بها الطعام نجد إناس يسرقون ويتعاملوا مع بعض بعنف شديد…
أما الإنسان الذي في حالة شبع هو في حالة شبع من الله.
وكنستنا من تداريبها قراءة الكتاب المقدس كل يوم، نقرأه ونحفظ منه ونتأمل فيه وندرسه أيضًا، بل ونتكلم به فيصير كلامك إنجيل لذلك يقول معلمنا بولس الرسول “أَنْتُمْ رِسَالَتُنَا، مَكْتُوبَةً فِي قُلُوبِنَا، مَعْرُوفَةً وَمَقْرُوءَةً مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ.” (كور2-3: 2).
2- هو الشبع بسر الأفخارستيا: وهو سر التناول سر الشكر، وكثيرًا ما يحدث معنا هذا الاختبار الجميل حين نصوم ونحضر قداس متأخر كما هو المعتاد في أيام الصيام وقد ينتهي القداس على سبيل المثال وقت الغروب او قرب الغروب ولا يشعر انه صام 16 ساعة ورغم ذلك يشعر بشبع حقيقي لأن سر الافخارستيا مشبع.
فحضور القداس الالهي يسموها الآباء “الوليمة العظمى”.
3- الأولوجية: وهي لقمة البركة
فجميعنا بعد في نهاية القداس الالهي نأخذ من الأب الكاهن لقمة البركة، وقد يكون أحد بالأسرة لم يستطع المجيئ إلى القداس أو أحد كبير في السن أو أي سبب آخر منعه من الحضور، فننقل له هذه اللقمة من الكنيسة إلى البيت إلى الشخص الآخر كي يشعر بالشبع من الله.
فهي اسمها لقمة البركة من البركة، فهي قطعة صغيرة من القربان لكن من الممكن تقسيمها على ثلاث أو أربع أشخاص.
كذلك من التقاليد التي تشبع هي ما نسميه بوجبة “الأغابي” فكلمة أغابي هي كلمة يونانية معناها المحبة، فكان التقليد بعد الانتهاء من سر الافخارستيا اي القداس الالهي أن يجلس الجميع على مائدة واحدة ويألكوا معًا ومازال هذا التقليد موجود إلى الآن في كثير من الكنائس. وهناك كنائس من كنائسنا في المهجر يتقابلوا يوم الأحد جيمعًا بعد القداس ويتناولوا وجبة الأغابي ووجبة المحبة.
وقديمًا كان الناس تقوم بتحضير الطعام الخاص بالأغابي في بيوتهم ليقدم إلى الجميع في وجبة الأغابي.
ومازال جلسة الطعام التي نجلس فيها معًا سواء على مستوى البيت (الأب والأم والأبناء) تسمى أيضًا وجبة الأغابي.
ومن التقاليد القبطية الجميلة انه بعد الانتهاء من وجبة الأغابي نقوم بتقبيل الطبق الموضوع أمامنا ونقول “نشكرك يارب نعمة احفظها من الزوال” لأنه الله هو الذي اعطانا هذا الطعام.
أيضًا فترة الصوم (سواء الأربعاء والجمعة) او الأصوام الكنيسة جميعها التي على مدار العام هي فرصة لكي ما أعلن أمام الله:
أن حياتي منك يا رب وليست من الطعام، حياتي وفرحي منك يارب وليست من الطعام.
وهذا يشبع كثيرًا الإنسان وعلى هذا الأساس قصة الجوع التي كانت قبل ذلك قد تحولت إلى شبع في شخص المسيح.
فالإنسان الذي لا يأخذ المسيح من إنجيله من كنيسته من خدمته من عمله من أعمال الرحمة… لا يستطيع أن يشبع او يشعر بالسعادة الحقيقية في داخله.
أحيانًا يجلس معي أحد ويقول لي: تصور يا سيدنا أنا عندي كذا وكذا وكذا… ويذكر أشياء كثيرة… لكنه يقول لي: لكني غير سعيد برغم كل هذا!…
أقول له: هل عندك كتاب مقدس في البيت؟ يقول: نعم يوجد
أقول: هل تفتحه؟ يقول: أحيانًا
أقول: هل تذهب إلى الكنيسة؟
يقول: أنت تعرف العمل واحتياجاته في الصباح والمساء…
إذان كيف ستشبع؟! خذ كل كنوز الدنيا لن تشبع أبدًأ
في أيام زمان كانوا يقولون مثل لطيف أن الكرة الأرضية مستديرة، وقلبك شكل المثلث… فلو أتيت بالكرة لتضعها داخل المثلث سيظل هناك اركان خالية في المثلث… فقلبك لن يشبع لو احضرت كل الكرة الأرضية…
لا يشبعك غير مسيحك “طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ.” (مت 5: 6).
طوبى للجياع والعطاش إلى المسيح فإنهم يشبعون … طوبى للجائع للمسيح… طوبى للعطاش للمسيح…
ومن خلال هذا يكون الإنسان في حالة شبع.
في قصة (تلميذي عمواس) تلميذي عمواس ظلموا يسيرون مع المسيح في الطريق ولا يعرفانه وحين بدأ المسيح في كسر الخبر قدامهم يقول الكتاب المقدس “فَلَمَّا اتَّكَأَ مَعَهُمَا، أَخَذَ خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَنَاوَلَهُمَا، فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا،” (لو24: 30- 31). حين شبعوا انفتحت ايعنهم وعرفوه… “فَقَالَ بَعْضُهُمَا لِبَعْضٍ: “أَلَمْ يَكُنْ قَلْبُنَا مُلْتَهِبًا فِينَا إِذْ كَانَ يُكَلِّمُنَا فِي الطَّرِيقِ وَيُوضِحُ لَنَا الْكُتُبَ؟” (لو24: 32). اي كان قلبنا ملتهب لكن لم نكن نستطيع ان نفسر الموقف.
“أَمَّا أَنَا فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ.” (مز 17: 15). بالبر أي بطريق التقوى وطريق النقاوة انظر إليك يارب وأراك… واشبع اذا استقيظت وانا فكر بك.
أيضًا دانيال النبي وكان شابًا مثلكم وحين عرضوا عليه أطايب الملك ولم يقبلها لأنها ذبائح الأوثان “أَمَّا دَانِيآلُ فَجَعَلَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ لاَ يَتَنَجَّسُ بِأَطَايِبِ الْمَلِكِ وَلاَ بِخَمْرِ مَشْرُوبِهِ، فَطَلَبَ مِنْ رَئِيسِ الْخِصْيَانِ أَنْ لاَ يَتَنَجَّسَ.” (دا 1: 8). فرغم انها اطايب الملك لكنها غير مشبعة بالنسبة لدانيال النبي.
بولس الرسول الذي عرف المسيح في نصف حياته الثاني يقول: “بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ،” (في 3: 8). فبولس الرسول بلغتنا اليوم كان يعد حالصلًا على شهادة ال PHD، حاصل على دكتوراة متعلم عند اشهر معلم للناموس (غمالائيل) ومتعلم في جامعة طرسوس وهي كانت على مستوى علمي عالي، لكنه قال ان هذا كله خسارة لدرجة النفاية من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي.
في قصة مريم ومرثا حين ذهب المسيح لإقامة لعازر أخاهم يقول الكتاب ان مريم كانت تجلس عند قدمي المسيح فاكنت تجلس تتعزى وتشبع، وصحيح أن مرثى كانت تقول بعمل جيد في تحضير الطعام، لكن مريم اختارة النصيب الصالح وهو الشبع بالمسيح.
الخلاصة إن أردت أن تعيش رحلة الشبع فليس أمامك إلا أن تشبع بالمسيح. فالمسيح هو الشبع الحقيقي لحياة الإنسان.
فمن الممكن أن يكون الإنسان منبهر بما في الحياة بأشياء كثيرة ولكن الإنسان الحقيقي هو الذي يشبع من المسيح.
وارجوا ان تحفظ هذه الآية دائمًا “طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ.” (مت 5: 6).
هذه هي الخلاصة الشبع بالمسيح… والشبع بالافخارستيا والشبع بالكلمة المقدسة والشبع بالألوجيا والشبع بالأغابي والكنيسة كلها تقدم للإنسان ما هو مشبع لحياته على الدوام.
This page is also available in:
English


