نتائج انطفاء روح الله:
وهنا نتساءل ما هي النتائج المُترتِّبة على انطفاء روح الله داخل الإنسان؟
يوجد ثلاث علامات لشكل الإنسان الذي انطفأ فيه روح الله، وهي:
أولًا: ظلام العقل:
أحيانًا نتقابل مع شخص يكون ذا عقل مُظلِم، وليس هذا معناه إنه إنسانٌ قليل التعليم أو الدراسة؛ بل على العكس، قد يكون حاصلًا على أعلى الشهادات العلمية، ومع هذا يكون له هذا العقل المُظلِم.
وصاحب العقل المُظلِم فاقد القُدرة على التمييز والإفراز، فالنار تُعطي نورًا، وبانطفاء النار يغيب النور؛ وهكذا بانطفاء الروح القدس في الإنسان يفقد الإنسان استنارة نفسه، ويُظْلِم عقله.
وللقدِّيس يوحنا ذهبي الفم هذه العبارة الجميلة:
[إنَّ اللصوص عند سلبهم بيتًا ما، فإنهم عندما يدخلونه يُطفئون السِّراج الذي فيه، حتى يقدروا أن يُحقِّقوا غايتهم. وهكذا فإنَّ عمل الشيطان الرئيسي عند اقتحامه قلب المؤمن، هو تحطيم عمل الروح فيه، حتى يسلبه كلَّ حياته].
وهكذا الشيطان، فإنه خلال حربه مع الإنسان يُحطِّم عمل الروح فيه أولًا، حتى يستطيع أن يسلبه كلَّ حياته.
فليس هناك استنارة للروح عندما يبدأ الإنسان في الهبوط من سيِّئ إلى أسوأ، وحينئذ يضل العقل ويفسد القلب.
ثانيًا: الفتور الروحي:
النار كما تُعطي نورًا، تُعطي أيضًا حرارة، فبانطفاء الروح في المؤمن تقل معه حرارته الروحيَّة فيفتر. وهذه حالة من حالات الكسل الروحي، ومن الفتور يتطوَّر الأمر إلى برودة روحيَّة، والبرودة تتحوَّل إلى غُربة تتحوَّل بدورها إلى حالة من حالات العجز الروحي.
وهنا تبدأ حرارة الإنسان الروحية في التناقُص تدريجيًّا، سواء في وقفة الصلاة، أو التسبحة، أو الإنجيل، أو جلسة الاعتراف، أو القدَّاس، أو في أيٍّ من وسائط النعمة. ويبدأ الإنسان في أن يتذكَّر كيف كانت حرارته الروحية قديمًا، وما وصل إليه الآن من عجز روحي.
لذلك يقول القدِّيس بولس الرسول: «حَارِّينَ فِي الرُّوحِ» (رو 12: 11)، ويُشبِّه القدِّيس الأنبا أنطونيوس الإنسانَ بالطائر من حيث الدفء، فيقول:
[كما إنه بدون تدفئة البيض لا يخرج الفرخ الحي؛ هكذا أيضًا بالنسبة للنفس، إذ يُحيط الله بها عندما تُطيعه. فترتفع في حياتها الروحيَّة].
ثالثًا: الشعور بالتيه:
أمَّا الصفة الثالثة لنتائج انطفاء الروح، فهي شعور الإنسان بالتيه، بمعنى أنَّ حياته تكون غير مُنظَّمة أو غير واضحة، فينتقل من مشكلةٍ إلى مشكلة، ومن حكايةٍ إلى حكاية، وإن نصحته بالتَّروِّي يُجيب ويقول: لم أنتبه لهذا الأمر أو ذاك. وهذا ما يُسمِّيه الآباء بالغفلة، بمعنى أنَّ هذا الإنسان لا هو مُستيقظ، ولا هو نائم في مسيرة حياته. فمثلًا إن بدأ حياة ديريَّة، فبعد سنة أو سنتين ينقلب على نفسه. وإن بدأ حياة أُسريَّة فبعد سنة أو سنتين ينقلب أيضًا على نفسه، وهكذا إن بدأ أي مشروع … إلخ.
فالإنسان التائه دائمًا ما ينقلب على نفسه، لأنه شخصٌ لا يضع خطوات أو منهجًا مُحدَّدًا لحياته، بمعنى أنه لا يوجد هدف واضح لحياته، ومثل هذا الإنسان يجد في النهاية أنه لا يوجد معنى لحياته. وقد يتطوَّر هذا الأمر إلى أن يُنهي مثل هذا الشخص حياته بيده وينتحر.
l علاج انطفاء الروح:
كيف يُشعِل الإنسان في نفسه الحرارة الروحيَّة؟ أو كيف يتجنَّب هذا الضعف الروحي؟ وكيف ينتبه إلى أنَّ نار الروح القدس التي تعمل فيه تكون عاملة ومُتأجِّجة على الدوام؟ وكيف يكون له هذا القلب المُلتهب والذهن المُستنير دائمًا؟
إنَّ علاج انطفاء الروح يتمُّ عن طريق ثلاث نقاط رئيسية، هي:
1 – روح الصلاة:
اعلم أنَّ النار إن لم تجد وقودًا فلا بدَّ أنها ستنطفئ، ومن أنواع الوقود التي تُشعِل نار الروح فينا هي الصلاة. فأكثر فعل نجده في حياتنا وفي إيماننا، هو فعل الصلاة، كما علَّمنا ربنا يسوع المسيح: «وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا مَثَلًا فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلَا يُمَلَّ» (لو 18: 1). ففعل الصلاة هو الذي يُشعِل نار الروح فينا.
وهذا ما يختبره الآباء في الدير، ففي بداية التسبحة قد يشعر أحدهم بالتعب أو الرغبة في النوم، أو أي شكل من أشكال الضعف، ثم بعد أن يبدأ في الغوص في أجزاء التسبحة، تبدأ حرارة الروح تدبُّ في جسده. وبوصوله إلى نهاية التسبحة يكون قد وصل إلى حالة من النشاط والفرح، ويبدأ يومه الجديد وهو يشعر بدفقة من دفقات الروح بداخله. لذلك يقول مُعلِّمنا داود النبي: «عِنْدَ لَهَجِي اشْتَعَلَتِ النَّارُ. تَكَلَّمْتُ بِلِسَانِي» (مز 39: 3)، وكلمة ”لهجي“ إشارة إلى الصلاة المُتواترة.
فأيُّ نارٍ هذه التي يتكلَّم عنها المُرنِّم؟
هذه النار هي الله «لأَنَّ ”إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ“» (عب 12: 29)، فطالما الإنسان قريبًا من مسيحه، من خلال روح الصلاة، فإنَّ عمل الروح يكون دائمًا مُشتعلًا فيه، وهُنا تزداد حرارة القلب ويزداد التهاب الروح. فكلما تعمَّقت الصلاة داخل القلب، كلما ازداد القلب حرارة.
وللشيخ الروحاني هذه العبارة الجميلة: ”بالصلاة تَتَّقِد في النفس نار محبة المسيح“.
ويصف بعض الآباء الصلاة بهذا الوصف الجميل، فيقولون: ”إنَّ الصلاة عِشْقٌ إلهيٌّ“.
ويقول الأب ثيئوفان الناسك: ”حافظ دائمًا على اشتعال موقِدك الداخلي بتلاوة الصلوات القصيرة، ومُراقبة مشاعرك لئلَّا تتبدَّد حرارتها“.
ومن التقاليد النُّسكيَّة والكنسيَّة الجميلة التي وضعها لنا الآباء، الصلاة القصيرة: ”يا ربي يسوع المسيح ارحمني أنا الخاطئ“، لأن هذه الصلاة من المُمكن تلاوتها في كلِّ وقت وفي كلِّ مكان. وهذا يُساعد الإنسان على ألَّا تبرد حرارته الروحيَّة، وأن تصير مشاعره وروحه دائمًا دافئة وحارَّة بعمل الله فيها.
2 – المحبَّة:
المحبَّة تُعطي حرارةً في القلب، فالمحبَّة نفسها نار، قيل عنها في سِفْر النشيد هذه العبارة الجميلة: «مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْفِئَ الْمَحَبَّةَ» (نش 8: 7)، لأنه حيثما يوجد الحُبُّ الحقيقي يوجد الله.
يقول القدِّيس بولس الرسول: «الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ» (غل 5: 6)، بمعنى الإيمان الذي يُترجَم إلى المحبَّة. مثل شخص حرارته تكون مُرتفعة، فلكي ما نعرف مقدار هذه الحرارة نستعين بجهاز الترمومتر، الذي يكشف لنا مقدار هذه الحرارة، وبذلك نُعبِّر عن الحرارة بالأرقام 38 أو 39 أو … وهكذا نستطيع أن نعرف حالة الشخص. وهكذا الإيمان فوسيلة التعبير عنه هي المحبة، فالترمومتر الذي يقيس درجة الإيمان هو أعمال المحبة، فلا يوجد مقياس للإيمان إلَّا من خلال المحبَّة. فالمحبَّة هي التي تجعل حرارة الروح مُشتعلة دائمًا في الإنسان.
فكما غفر الله لنا نغفر نحن للآخرين، وكما صالحنا نتعلَّم أن نتصالح مع الآخرين، وكما سامحنا نتسامح مع كلِّ أحد. فالإنسان الذي لا يستطيع أن يُسامح يكون الروح بداخله مُنطفئًا. ولذلك انتبه، أيها الإنسان المُعانِد، فإن كنتَ لا تستطيع أن تُسامح أخاك، فاعلم أنَّ الروح الذي بداخلك كاد أن ينطفئ.
فعلينا أن نحبَّ الله، أي أن يكون الله حاضرًا في أذهاننا كلَّ حين، فلا ننسى الله حينما نُخطِّط لحياتنا، ولا ننسى الله في حلِّ مشاكلنا، وفي إبداعاتنا.
الأمانة في محبة الله هي ألَّا نخون الله، فالله يطلب منَّا في محبته أمانة العروس لعريسها. وهذا الخيانة تحدث عندما توجد آلهة أُخرى في حياتنا، فنسقط في غوايتها ونخضع لها مثل غواية المال وإغراء الشيطان.
والمحبة أيضًا عطاء، وعطاء المحبة بذل. فماذا نُعطي الله في محبتنا له، وماذا نبذل من أجل الله؟
الله يُريد أن نحبَّه من كلِّ النفس، فلا ننسى الله في كلِّ نَفَس نتنفَّسه، ونمجِّد الله في كلِّ عملٍ لنا.
إنَّ محبَّة الله في حياتنا تكون بأن يُستعلَن الرب في كلِّ أعمالنا.
3 – التوبة:
داود النبي عندما وقع في الخطيَّة مع امرأة أوريا الحثِّي وتسبَّب في قتله وأخذ امرأته، أرسل الله ناثان النبي له وأعلمه ببشاعة خطيئته، فاعترف داود بخطيئته أمام ناثان النبي وقال: ”أخطأتُ إلى الربِّ“. ولمَّا أقرَّ بخطيئته، قال له ناثان النبي: «الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ» (2صم 12: 13)، إلَّا أنَّ الأمر لم ينتَهِ عند هذا الحدِّ، فداود اكتشف أن هناك مشكلة في قلبه، وتغيير قلبه أمرٌ لا يتمُّ هكذا، فبدأ يبكي على خطيئته ويطلب رحمة الله، وقدَّم مزمور التوبة الذي كشف عن صدق توبته، فقال:
+ «اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ … قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اَللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. لاَ تَطْرَحْنِي مِنْ قُدَّامِ وَجْهِكَ، وَرُوحَكَ الْقُدُّوسَ لاَ تَنْزِعْهُ مِنِّي» (مز 51: 1 – 11).
إنَّ الخطيَّة تُطفئ عمل الروح، وبالتوبة يسترجع الإنسان حرارته الروحيَّة وقوَّته.
وبذلك يمكننا القول إنَّ الندم على الخطيَّة لا يكون بمشاعرنا فقط، ولكن بأفعالٍ عمليَّة وروحيَّة، لذلك تُصلِّي الكنيسة وتُنادي بالتوبة باستمرار، وكأنَّ الكنيسة تُنبِّهنا ألَّا نُطفئ الروح، فلا تُطفئ الروح في حياتك. ونسمع في نبوَّات الصوم المقدَّس قول الكتاب: «وَلكِنِ الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ» (يؤ 2: 12).
وعندما يتحوَّل الندم إلى صلاة طلبًا للرحمة، فإننا نمتلئ طاقةً روحيَّة كبيرة ترفعنا إلى السماء وتُبعدنا عن طريق الخطية.
فتوبة الإنسان تجعل قلبه دائمًا عامرًا بعمل الروح. فلا تنسَ أنَّ نار الروح القدس تُعطيك نورًا في الظلام، واستنارة النفس، وراحة القلب.
البابا تواضروس الثاني


