«امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ»:
إنَّ كلمة ”امتحان“ كلمة معروفة عند الجميع صغيرًا أو كبيرًا، ولعلَّها تبعث شكلًا من أشكال الخوف، ولكن الحياة لا تخلو من الامتحانات؛ لأنها أفضل وسيلة لتقييم حياة الإنسان وسلوكه ومسيرته.
الامتحانات وُضِعَتْ لنختبر بها مدى معرفتنا وثقافتنا، فهي تُبيِّن للإنسان كيف أمكنه أن يستخدم هذه المعرفة في مجالات حياته المختلفة، من عمل أو أي أمور حياتيَّة، أو أن هذا الاختبار يكشف ما يتمتَّع به الإنسان من خبرة وحنْكَة.
كذلك وُضِعَت الامتحانات لكي نحكم بها على مَدَى استيعابنا وتحصيلنا العلمي.
والامتحانات أيضًا تكشف جودة الأشياء، فمثلًا أثناء تقديم الحَمَل في القُدَّاس يختَبِر الأب الكاهن الخُبز والخمر ويُشاركه أيضًا الشمامسة، فإن كان جيِّدًا يقول الشماس: ”جيِّد وكريم“.
فاكتشاف جودة الأشياء أمرٌ مُتَّبع في العالَم كلِّه. وفي جميع المصانع يوجد ما يُسمَّى quality control، وهذا للتأكيد على جودة المُنتَج وما يتمتَّع به من أمان، والمعادن أيضًا يتمُّ اختبارها بالنار لمعرفة درجة نقاوتها.
ومعلِّمنا داود النبي يُناجي الربَّ قائلًا: «يَا رَبُّ، قَدِ اخْتَبَرْتَنِي وَعَرَفْتَنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ جُلُوسِي وَقِيَامِي. فَهِمْتَ فِكْرِي مِنْ بَعِيدٍ … اخْتَبِرْنِي يَا اَللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ، وَاهْدِنِي طَرِيقًا أَبَدِيًّا» (مز 139). فداود النبي يتكلَّم مع الله بصيغة الماضي، إنه قد اختبره، وهذا في بداية المزمور؛ أمَّا في نهاية المزمور، فيطلب من الله أن يختبره ويعرف أفكاره، لكي ما يهديه طريقًا أبديًّا. وهذا يُبيِّن مدى حياة التدقيق التي كان يعيشها هذا النبي العظيم.
مجالات امتحان النفس:
هناك خمسة مجالات نستطيع أن نمتحنها في حياتنا، وهي:
أولًا: امتحان الإيمان:
الإيمان هو الذي يُكَوِّن العقيدة التي تعيش فيها، ويُكَوِّن سلوكك الروحي وسلوكك العام في الحياة. لذلك يقول مُعلِّمنا بولس الرسول: «جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ» (2كو 13: 5).
كثيرًا ما نميل لأن نخدع نفوسنا ونعتقد أنَّ مجرَّد الاعتراف باسم المسيح يعني الإيمان به، فراجع نفسك دائمًا، واسألها هل أنتِ في الإيمان؟ واحذر أن يكون إيمانك شكليًّا أو نظريًّا أو إيمان كما هو مكتوب في الرقم القومي، فامتَحِن نفسك في هذا الإيمان.
فالإيمان ليس هو مُجرَّد الاعتراف باسم المسيح، أو هو مجرَّد لحظة. الإيمان هو حياة.
اسأل نفسك: هل إيماني بالمسيح هو محور حياتي كلها؟ وهل إيماني بالمسيح هو المُنظِّم لحياتي؟
هل أنت تعيش في المسيح؟ هل المسيح يحيا فيك؟ هل تسلُك بحسب وصاياه؟ هل تلتزم بكلِّ تعاليمه؟ هل تفعل ما يُرضيه؟
فمثلًا إن قُمتَ برسم دائرة بالقلم، ستجد أنَّ هذه الدائرة غير مُنتظمة، لأن ليس لها مركز؛ لكن إن قمتَ برسمها ببرجل مثلًا، ستجد أنها مُنتظمة. فيُمكن تشبيه هذا المركز بالمسيح الذي وجوده في مركز حياتنا يجعلها مُنتظمة.
ولكي تمتحن إيمانك …
n يجب أن يكون إيمانك صحيحًا، مبنيًّا على التعاليم والعقائد التي تسلَّمتها الكنيسة عَبْر تاريخها الطويل من ربِّنا يسوع المسيح، مرورًا بالتلاميذ والآباء الرُّسُل، إلى انتهاء الدهور ومجيء ربِّنا يسوع المسيح.
ومُعلِّمنا بولس الرسول يقول لتلميذه تيطس: «وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ» (تي 2: 1).
لذلك، فالذي يُعلِّم يجب أن يُعلِّم تعليمًا صحيحًا، ويجب أن تكون الألفاظ والمُصطلحات دقيقة للغاية، فالإيمان ليس مُجرَّد معرفة أمور لاهوتيَّة. وهناك عبارة لطيفة تقول: ”إنه فيما يتجادل دارسو اللَّاهوت في العقائد ويختلفون، يتسلَّل البُسطاء إلى الملكوت“.
n يجب أن يكون الإيمان مرتبطًا بالحياة الطاهرة، فالإيمان ليس شكلًا ولكنه فِعْلٌ: «أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا، وَاتْبَعِ الْبِرَّ وَالإِيمَانَ وَالْمَحَبَّةَ وَالسَّلاَمَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ الرَّبَّ مِنْ قَلْب نَقِيٍّ» (2تي 2: 22). وهنا يدعو القدِّيس بولس الرسول الشباب إلى الهروب من الشهوات، واتِّباع البر والتقوى. فإيمانك يعني حياتك الطاهرة، ولتتذكَّر أن جميع الشهداء على مرِّ التاريخ كانوا: إمَّا شهداء من أجل الإيمان، أو شهداء من أجل العفَّة، والأمثلة على ذلك كثيرة في الكتاب المقدَّس وسِيَر القدِّيسين.
n أن يكون إيمانُكَ مقرونًا بالاهتمام بالآخرين. فالإيمان ليس مِلْك الإنسان أي هو بداخله فقط، ولكنه يُترجَم إلى اهتمام بالآخرين، كما يُعلِّمنا القدِّيس بولس الرسول: «الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ» (غل 5: 6)، وأيضًا يقول: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ» (1تي 5: 8).
n يجب أن يكون الإيمان بلا رياء، كما يقول المَثَل الشعبي: ”من برَّه هلَّا هلَّا، ومن جُوَّه يعْلَم الله“، بمعنى أن يكون الإنسان له شكل الإيمان وصورة التَّقوى، ولكنه من الداخل يُنكر قوَّتها، ولا تُوجد قوَّتها فيه، وهذا أصعب ما يصل إليه الإنسان.
لذلك يقول الكتاب: «وَأَمَّا غَايَةُ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ الْمَحَبَّةُ مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ، وَضَمِيرٍ صَالِحٍ، وَإِيمَانٍ بِلاَ رِيَاءٍ» (1تي 1: 5)، ومعلِّمنا يعقوب يقول: «لكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي» (يع 2: 18)، فالأعمال هي التي تكشف قوَّة ونقاوة الإيمان.
n يجب أن يحفظ المؤمن نفسه من الاشتراك في أعمال الظلمة، فالإنسان المؤمن لا يستطيع أن يكذب، أو ينظر نظرةً شريرة، أو يدخل في صداقة رديئة … إلخ: «لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟» (2كو 6: 14).
صاحب الإيمان القويم لا يشترك في أيِّ أعمال ظُلمة مهما كانت صغيرة. لذلك يجب أن تمتحن إيمانك على هذه الصفات الخمس لتَعْلَم ما هو معدن إيمانك؟ وهل هو إيمانٌ صحيح أم ماذا؟ (يتبع)
البابا تواضروس الثاني


