كثير منا يعرف أن شكل السمكة هو أحد الرموز المسيحية المبكرة جدًا، وفي القدم كانوا يستخدمونه كعلامة من علامات التعارف بين المسيحيين الذين يعيشون في وسط وثني، فلكي يتعرّف الإنسان المسيحي على الآخر عليه أن يرسم على الأرض قوسًا وكأنه يلعب، فإن كان الذي أمامه مسيحيًا فيكمل القوس ليكوِّن سمكة، وهي تُمثّل التعبير المختصر عن الإيمان المسيحي.
كلمة سمكة باليونانية تنطق “إخثيس”، وهي من خمسة حروف، هم الحروف الأولى من جملة: “إيسوس خريستوس ثيؤ إيوس سوتير”، ومعناها: “يسوع المسيح ابن الله المخلص”.
وعندما نشير إلى السمكة أنها هي قانون الإيمان لا نتجاوز الحقيقة كثيرًا، فقانون الإيمان الذي نردده في صلواتنا نلاحظ أننا نُصليه ونحن واقفون، والشيء الذي نفعله ونحن قيام هو تعبير عن الصلاة، فهو قبل أن يكون قانونًا هو صلاة.
وقانون الإيمان نتلوه في مناسبات كثيرة، تقريبًا في كل صلواتنا وطقوسنا وفي مناسبات الفرح والحزن والأسرار والليتورجيات.
قانون الإيمان إعلان حب:
الإيمان في المفهوم المسيحي ليس مجرد اعتناق مجموعة من العقائد، وإنما هو في مفهومه المسيحي عبارة عن حياة يعيشها الإنسان، وإن شئت الدقة فهو عقيدة تقود إلى حياة، فبموجب هذا الإيمان نعيش ونتصرف ونتعامل ونمارس أمور حياتنا التي أعطاها الله لنا.
لماذا وضع الإيمان في صورة قانون؟
القانون دائمًا له صياغات جامعة مانعة، أي أنها شاملة ومانعة لأي التباس أو تغيير أو فهم خاطئ، وعلى هذا الأساس كل إنسان مسيحي في العالم يتلو قانون الإيمان يتميز عن غيره. فعلى سبيل المثال شهود يهوه لا يتلون قانون الإيمان، وبالتالي هم غير مسيحيين، فقانون الإيمان يتلوه كل إنسان مسيحي شرقًا وغربًا، وهو العلامة المميزة للإنسان المسيحي.
وقانون الإيمان فيه 178 كلمة، وكل هذه الكلمات من الإنجيل، فهو صياغة كتابية، والأهم من هذا أن كل الـ178 كلمة تم تحديدهم واكتمالهم في 106 سنة، ابتداءً من مجمع نيقيه سنة 325م، ومجمع القسطنطينية سنة 381م، ومجمع أفسس سنة 431م، والفــرق من 325 إلـى 431 يكـــون عبارة عن 106 سنة، ولذا نجد قانون الإيمان وكل كلمة فيه مختارة بمعيار الذهب. بالإضافة لذلك نجد أن هذا القانون اشترك في وضعه 668 بطريركًا وأسقفًا في المجامع الثلاثة (نيقيه – القسطنطينية – أفسس) فهو إعلان حب الإنسان لربنا يسوع المسيح وفدائه على الصليب، ويحكي القصة بأكملها من الميلاد حتى الفداء والخلاص بترتيب تاريخي واضح جدًا.
في زمن الرسل كان المسيحيون يُدعون “أتباع الطريق” (الذين يتَّبعون طريقة حياة الرب يسوع وتعاليمه)، وكان الإيمان واحدًا في كل كنائس العالم حتى ظهر أريوس الهرطوقي في الإسكندرية، الذي نادى بأن المسيح ليس هو الله، وهو مخلوق، وليس أزليًا مع الآب، وغير مساوٍ للآب في الجوهر.
لذا اجتمع مجمع في مدينة نيقيه عام 325م بأمر الملك قسطنطين، ويُعتبر هذا هو أول مجمع مسكوني في تاريخ المسيحية، حيث اجتمع فيه قادة من الكنيسة المسيحية شرقًا وغربًا (318 من الآباء)، وناقشوا أريوس، وأفهموه ضلاله، ولما لم يرجع عن رأيه، حرموه هو ومن يشاركه رأيه واعتقاده. ثم وضعوا دستور الإيمان المسيحي، وهو: “بالحقيقة نؤمن بإله واحد…”.
بعد حوالي خمسين سنة أو أكثر قليلاً ظهرت بدعة أخرى، وهي بدعة “مقدونيوس”، وكان يُعلِّم بأن الروح القدس ليس هو الله. فاجتمع آباء من الكنائس المسيحية شرقًا وغربًا (150 من الآباء) في القسطنطينية (عام 381م) وهذا هو المجمع المسكوني الثاني، وأكملوا وضع قانون الإيمان. فالجزء الأول الذي وُضِعَ في نيقيه كان قد انتهى عند عبارة: “نعم نؤمن بالروح القدس”. فأكملوا في القسطنطينية قانون الإيمان: “نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي… وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي. آمين”.
أما المجمع المسكوني الثالث فعُقِدَ في أفسس سنة 431م، لما ظهر هرطوقي يُدعى “نسطور”، الذي نادى بأن العذراء مريم لم تلد إلهًا متجسدًا، بل ولدت إنسانًا فقط، ورفض تسميتها باسم “الثيؤطوكوس” أي والدة الإله، ونادى بعدم وجود اتحاد بين اللاهوت والناسوت، وبأن العلاقة بينهما كانت مجرد اتصال أو مصاحبة. وقد تصدى له البابا كيرلس عمود الدين، وتم مناقشة الموضوع بحضور 200 أسقف، وأظهروا ضلال تعاليم نسطور وحرموه، ووضعوا ما نسميه “مقدمة قانون الإيمان” “نعظمك يا أم النور الحقيقي…”.
اكتمل قانون الإيمان ومُقَدِّمته، وصار القانون ومقدمته “إعلان حب”.
لذا أريد أن تعرف أن قانون الإيمان هو بالحقيقة السمكة الأولى في هذه الخبزات الخمس والسمكتين، فقانون الإيمان نعتبره الخلاصة السريعة عن الإيمان المسيحي، فهو يتكلم عن لاهوت الله: الآب والابن والروح القدس. ويشرح كل أقنوم باختصار.
كل كلمة في القانون ذات أهمية شديدة.
عن لاهوت الله الآب يقول: “الله الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض، ما يُرى وما لا يُرى”.
وعن لاهوت الابن يقول: “نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كل شيء…”.
وعن لاهوت الروح القدس يقول: “نعم نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي (يعطي الحياة) المنبثق من الآب. نسجد له ونمجده مع الآب والابن الناطق في الأنبياء”.
ثم يتكلم عن سمات الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية.
ويتكلم عن المعمودية ومغفرة الخطايا. وعقيدة قيامة الأموات والدهر الآتي.
This page is also available in:
English

