هناك خمسة مجالات نستطيع أن نمتحنها في حياتنا، وقد تكلَّمنا في العدد السابق (أكتوبر 2025م – ص 2) عن: أولًا: امتحان الإيمان، ونستكمل في هذا العدد باقي المجالات.
ثانيًا: امتحان الأقوال:
إنَّ أكثر نشاط يقوم به الإنسان كلَّ يوم هو الكلام، سواء عن طريق الكلام المُباشر، أو عن طريق التليفون، أو عن طريق الكتابة، أو عن طريق القراءة … وغيره من طُرُق التواصُل.
اسأل نفسك: هل أستطيع أن أفرز ما أسمعه من كلمات، إن كانت جيِّدةً أم رديئةً؟ «أَفَلَيْسَتِ الأُذُنُ تَمْتَحِنُ الأَقْوَالَ، كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَسْتَطْعِمُ طَعَامَهُ؟» (أي 12: 11). وهل أُذُنك تستطيع أن تُميِّز ما تسمع؟ وتقوم بعملية تنقية لِمَا تسمعه؟ فمثلًا الإنسان عند ركوبه الطائرة قد يستخدم سدادة للأذُن، لكي لا يستمع إلى صوت الضوضاء، ولكن هناك أيضًا كلمات أصعب من هذه الضوضاء، فهل لك القدرة على حفظ أُذُنك من بعض هذه الكلمات؟
وهنا نسأل: ما هي الكلمات التي يجب أن نحذر منها؟
احذر من اللِّسان الواشي أي الإنسان الذي يشي، فللأسف يوجد بعض الناس يستمتعون بعمل الوشايات ضد الآخرين.
مثال: مردخاي وهامان الشرير:
وَشَى هامان للملك أحشويروش بكلام شرير عن شعب اليهود، أنهم لا يطيعونه ولا يخضعون له، لدرجة أنَّ هذا الشرير أَخَذَ تفويضًا من الملك لإبادة كلِّ شعب اليهود.
+ «وَأُرْسِلَتِ الْكِتَابَاتُ بِيَدِ السُّعَاةِ إِلَى كُلِّ بُلْدَانِ الْمَلِكِ لإِهْلَاكِ وَقَتْلِ وَإِبَادَةِ جَمِيعِ الْيَهُودِ، مِنَ الْغُلَامِ إِلَى الشَّيْخِ وَالأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ» (أس 3: 13).
أمَّا مردخاي فقد أراد هامان أن ينتقم منه انتقامًا خاصًّا نظرًا لعدم سجوده له، فصنع له صليبًا كبيرًا لكي ما يقوم بصلبه عليه: «فَلْيَعْمَلُوا خَشَبَةً ارْتِفَاعُهَا خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَفِي الصَّبَاحِ قُلْ لِلْمَلِكِ أَنْ يَصْلِبُوا مُرْدَخَايَ عَلَيْهَا» (أس 5: 14). ولكن الله الذي يُدبِّر حياتنا ويضبط هذا الكون، غَيَّر كلَّ هذه الأحداث وأنقذ شعب اليهود.
n انتبه من الشخص الذي يتملَّقك، فالتملُّق هو إحدى الآفات الضارة جدًّا، وخصوصًا في الخدمة.
والتملُّق هو الجرعات الزائدة من المديح. فالمديح المُعتدل شيءٌ مقبولٌ ومُشجِّع، أمَّا إن زاد فيضر، تمامًا كجرعة الدواء الزائدة تُسبِّب أضرارًا تصل إلى التسمُّم.
لهذا احذر من الذي يتملَّقك حذرك من لدغة حيَّة سامَّة. فهناك إنسانٌ يستمتع بكلام المديح، وهذا قمة الخطايا؛ لأن هذا يُغذِّي ذاته وداخله، ويُبعِد مجد المسيح من القلب.
يقول معلِّمنا بولس في هذا: «لِئَلَّا يَخْدَعَكُمْ أَحَدٌ بِكَلَامٍ مَلِقٍ» (كو 2: 4)، فانتبه وامتحن نفسك.
ويقول أحد الفلاسفة: ”إنَّ الله خلق للإنسان أُذُنين، على امتدادٍ واحد، لكي نسمع من واحدة، ونُخرج الكلام غير المُناسب، أو غير اللائق من الأُذُن الأخرى، وقد وَضَع الله عقل الإنسان في الوسط بينهما لكي ما يقوم بعملية التقييم“.
n احترس من الخبثاء والمُخادعين، ومثل هؤلاء الأشخاص مُتواجدون في كلِّ مكان وزمان، وفي جميع أنواع المجتمعات، من مجتمعات عامة أو مجتمعات كنسيَّة … إلخ.
لذلك صَلِّ قبل عقد أيِّ مُقابلة هامة، وفي أثناء اللِّقاء يُمكنك أن تُصلِّي في قلبك لكي ما تستمدَّ قوَّةً من الله تستطيع بها أن تُفرِز هذا الكلام: إن كان صادقًا أم مُخادعًا. ويقول المزمور: «لأَنَّهُمْ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِالسَّلَامِ، وَعَلَى الْهَادِئِينَ فِي الأَرْضِ يَتَفَكَّرُونَ بِكَلَامِ مَكْر» (مز 35: 20).
ومُعلِّمنا بولس الرسول يقول: «وَبِالْكَلَامِ الطَّيِّبِ وَالأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ يَخْدَعُونَ قُلُوبَ السُّلَمَاءِ» (رو 16: 18). وكما نقول في أمثالنا المصرية: ”فلان يلعب بالبيضة والحجر“. فالبيضة يتمُّ كسرها من أقل اصطدام، ومع هذا يستطيع هذا الإنسان أن يلعب بها ويخدع قلوب الآخرين.
n احترس من الإنسان المُجادِل، فهناك شخصٌ يتناقش ويُجادِل كثيرًا في موضوع ما، لا ليصل إلى الحقيقة أو أن يكون له استعداد للاقتناع؛ ولكن رغبة في النقاش والجدل ولفرض رأيه على الآخرين والتشكيك فيهم.
وبذلك لا يكون فيه روح الله، كما يقول مُعلِّمنا يعقوب: «لَيْسَتْ هذِهِ الْحِكْمَةُ نَازِلَةً مِنْ فَوْقُ، بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ شَيْطَانِيَّةٌ» (يع 3: 15).
ثالثًا: امتحان العمل:
يقول مُعلِّمنا بولس الرسول: «لِيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الْفَخْرُ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، لَا مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ» (غل 6: 4).
n امتحن عملك: مع مَنْ تعمل؟ ما الهدف من عملك؟ ما نوع العمل الذي تعمله؟ وهل عملك يُساهم في بناء المُجتمع؟ هل تُساهم في بناء الكنيسة وخدمتها؟
يجب مُلاحظة أنَّ كلَّ مبنى ضخم يبدأ بطوبة، وإن لم يفتخر الإنسان بعمله، فهذا يعني أنه لا يرى أيَّة فائدة لعمله.
قصة:
ثلاثة أشخاص كانوا يقطعون حجارة في الجبل، فمرَّ عليهم رَجُل سأل الأول ماذا تفعل؟
أجابه قاطع الأحجار الأول بكلِّ غضب: أَلَا ترى إني أقطع الأحجار!!
ثم سأل قاطع الأحجار الثاني: ماذا تفعل؟
فقال له: إني أقطع الأحجار، لكي ما أكسب لقمة عيشي.
ثم سأل قاطع الأحجار الثالث: ماذا تفعل؟
فأجاب بكلِّ فرح، إني أقطع الأحجار، لكي ما أشترك في بناء بيت لله.
ونرى هنا أنَّ هؤلاء الثلاثة رجال كانوا يقومون بنفس العمل، ولكن نظرة كل واحد منهم للعمل كانت مُختلفة تمامًا. فهناك مَنْ يعمل وهو يشعر أنه مُضطرٌ لأداء هذا العمل، ولكن هناك آخر يعمل وهو يشعر بالفرحة، وأنه يعمل عملًا جيِّدًا وهامًّا مهما كان هذا العمل صغيرًا جدًّا.
فمثلًا عندما نرى شخصًا يقوم بنقل بعض الأشياء على عربة بسيطة في الشارع، فهو يعمل عملًا جيِّدًا ويُساعد به في المُجتمع، فلا يمكن أن نحتقر أيَّ إنسان مهما كان عمله بسيطًا.
ولا يمكن لأحد أن يقول: أنا بنيتُ الكنيسة الفلانية أو المُنشأ الفلاني، لأنه لكي يتمَّ هذا العمل لا بدَّ أن يتعب كثير من الإداريين والعمال والمهندسين … إلخ، لكي ما يكتمل هذا البناء الذي قد يستخدمه آلاف الأشخاص.
وفي إحدى المرات، جلستُ أتأمل في العمال الذين يقومون بالعمل في بناء إحدى الجامعات المشهورة في العالم، فوجدتُ أن أغلب العاملين في البناء من ذوي التعليم المحدود، رغم أنهم يقومون ببناء جامعة كبيرة تمنح أكبر الشهادات العلمية، ويتخرَّج منها أُنَاسٌ يعملون في أرقى الوظائف.
فإن نظرنا إلى هذه الصورة، نجد أنَّ هؤلاء العمال البسطاء كان لهم بعض الفضل على هؤلاء العلماء والأساتذة الكبار الذين تخرَّجوا من هذه الجامعة، لأن هؤلاء العمال هم مَنْ تعبوا في إنشاء هذه الجامعة.
لذلك هناك نظرية تقول: ”جيل يبني وجيل يجني“. فمثلًا من حوالي أكثر من مائة عام، قام آلاف من العمال بحفر قناة السويس، ولكن نحن الآن الذين نجني ثمرة هذا العمل، حيث إنَّ قناة السويس هي إحدى مصادر الدخل القومي المصري.
وبذلك يمكننا ملاحظة أن:
هناك أعمالٌ روحيَّة، وهناك أعمالٌ جسدانيَّة.
هناك إنسانٌ يعمل بحسب مشيئة الله، وإنسانٌ لا يعمل بحسب مشيئة الله.
هناك إنسانٌ يعمل لمجد نفسه وإرضاء كبريائه والسيطرة على الآخرين.
أيضًا فإنَّ البداية في العمل ليست كلَّ شيء، إنما الاستمرارية.
هذا يجعلنا نُدرك أنَّ كلَّ عمل له قيمته وفائدته، ومُعلِّمنا بولس الرسول يُحدِّثنا بكلِّ الحزن عن تلميذه ديماس الذي بدأ العمل معه بحماس وحبٍّ وتضحية؛ لكن يقول عنه بعد ذلك: «لأَنَّ دِيمَاسَ قَدْ تَرَكَنِي إِذْ أَحَبَّ الْعَالَمَ الْحَاضِرَ» (2تي 4: 10).
اسأل نفسك: هل تحترم العمل الذي تقوم به وتُقدِّره؟ هل تقوم بعملك بكلِّ أمانة؟ هل تؤدِّي خدمتك كما يجب حتى إن كانت هذه الخدمة في قرية بسيطة أو بعيدة؟
فالإنسان في عمله يحتاج إلى الأمانة، وطول الأناة، والصبر، والتضحية، وكأنه في عمله أو خدمته يُتاجر بوزناته بدون أنين أو تذمُّر.
فإذا كنتَ طبيبًا أو مدرِّسًا أو محاميًا أو خادمًا في الكنيسة، فاعمل كلَّ ما تعمله بالصِّدق، واحذر الغش واللهوجة.
وهناك مَثَلٌ لطيف يقول: ”مسمار يُنقِذ حدوة، وحدوة تُنقذ حصانًا، وحصان يُنقذ فارسًا، وفارس يُنقذ أُمَّة“. فالعامِل الذي يُثبِّت المسمار في حدوة الحصان، يجب أن يؤدِّي عمله بكلِّ أمانة حتى لا يقع الفارس من فوق ظهر الحصان، وحتى تنتصر الأُمَّة، وهذا يُبيِّن لنا مدى أهمية عمل هذا العامل البسيط في إنقاذ شعب.
العمل مهما كان صغيرًا يكون له قيمته، والأمين في عملهِ لا يقبل الحرام على نفسهِ ولا على بيتهِ، فيجب أن يكون سلوكك ونقاوتك واضحين. فامتحن نفسك في عملك واسأل نفسك: هل عملك يُرضي الله أم لا؟ وهل الله يفرح بعملك هذا؟ (يتبع)
البابا تواضروس الثاني


