كلمة قداسة البابا تواضروس الثاني في افتتاح المؤتمر الدولي السادس لمجلس الكنائس العالمي، والذي تنظمه لجنة الإيمان والنظام بالمجلس، وعقد في مركز لوجوس بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، من الجمعة 24 حتى الثلاثاء 28 أكتوبر 2025م:
السيد السكرتير العام لمجلس الكنائس العالمي، المنسق العام للجنة المركزية لمجلس الكنائس العالمي، المنسق العام للجنة الإيمان والنظام، مدير وحدة الإيمان والنظام، الضيوف الكرام، والسادة الحضور..
أود أن أرحب بكم في مصر في مركز لوجوس للمؤتمرات، في هذا المكان المقدس في دير القديس الأنبا بيشوي في وادي النطرون ببرية شيهيت، والتي كانت إشعاع وإلهام للحياة الرهبانية منذ القرن الرابع الميلادي.
كان مجمع الرسل في أورشليم الذي ناقش مشكلة التهود والتحول من الخلفية اليهودية إلى الإيمان المسيحي هو أساس فكرة المجامع الكنسية. لأن كل مجمع عقد كان هناك قضية أو مشكلة، وكان هناك حوار ومناقشة، وكان هناك قائد وإدارة، وكان روح الله القدوس هو روح القوة والمحبة والنصح والنجاح لأي مجمع كنسي.
مجمع نيقيه:
دعا إليه الإمبراطور قسطنطين الكبير بعد أن أصبحت المسيحية ديانة مسموح بها في الإمبراطورية الرومانية، بهدف تحقيق وحدة الإيمان بعد ظهور انقسامات عقائدية حادة، وتحقيق السلام في ربوع الإمبراطورية. كانت القضية قد صدرت من آريوس كاهن في الإسكندرية، الذي كان يُعلِّم بأن الابن ليس مساويًا للآب في الجوهر، بل مخلوق من الله، وله بداية في الزمن. هذا التعليم هدد وحدة الإيمان المسيحي، فأثيرت ضجة كبيرة في الكنيسة، وهذا ينبهنا إلى خطورة التفسير والتعليم المنفرد دون العودة إلى الجذور متمثلة في الأناجيل المقدسة وتعليم الآباء القديسين معلمي الكنيسة.
وهنا برز دور القائد:
انعقد المجمع بحضور ما يقرب من 318 أسقفًا من مختلف أقاليم العالم برئاسة البابا ألكسندروس البطريرك القبطي في الإسكندرية ومعه شماسه الشاب أثناسيوس الذي لعب دورًا محوريًا في الدفاع عن لاهوت الابن.
واتخذ المجمع عدة قرارات:
إدانة لتعليم آريوس وحرمانه من الشركة المقدسة، وإقرار لاهوت الابن باعتباره مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، وصياغة قانون الإيمان النقاوي الذي أصبح المرجع الأساسي للعقيدة المسيحية الجامعة.
كما اتخذ المجمع أيضًا تحديد موعد عيد القيامة ليُحتفل به في كل كنائس العالم في يوم واحد منفصلاً عن التقويم اليهودي. وأصدر المجمع أيضًا عددًا من القوانين الكنسية المتعلقة بالنظام الكهنوتي والانضباط الكنسي.
كان لمجمع نيقيه أثر بالغ في ترسيخ الأسس اللاهوتية للعقيدة المسيحية خاصة فيما يتعلق بسر الثالوث القدوس. لقد أكد المجمع وحدة الجوهر الإلهي بين الآب والابن والروح القدس، ووضع حدًا للبدع التي أنقصت من لاهوت المسيح، كذلك أسس المجمع نموذجًا جديدًا للحوار الكنسي المسكوني إذ جمع أساقفة من شتى أنحاء العالم وأرسى مبدأ أن الحق الإيماني يُحسَم من خلال المجامع الجامعة وليس من خلال الآراء الفردية.
من الناحية السياسية:
مثَّل مجمع نيقيه أول تعاون رسمي بين الكنيسة والدولة الرومانية، حين تدخل الإمبراطور قسطنطين ليضمن وحدة الإيمان حفاظًا على وحدة الإمبراطورية. ومن هنا بدأت علاقة جديدة بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية، علاقة كان لها أثر بالغ في تاريخ المسيحية عبر العصور اللاحقة.
إن مجمع نيقيه المسكوني لم يكن مجرد حدث لاهوتي بل لحظة تاريخية، أسست لهوية الكنيسة الجامعة، ففيه حفظ الإيمان المستقيم من الانحرافات ومن الهرطقات، وأرسى أساس قانون الإيمان الذي لا يزال حتى اليوم يُتلى في الليتورجية في سائر كنائس العالم. ومن ثم يمكن القول إن نيقيه كانت نقطة الانطلاق الحقيقية لشرح العقيدة المسيحية الأرثوذكسية بصيغتها الجامعة، ومثالاً دائمًا لدور المجامع في حفظ الإيمان الواحد المقدس الرسولي الذي تسلمناه من الرسل والآباء القديسين، وحُفظ في كنيسة الله عبر الأجيال.
يعتبر مجمع نيقيه المسكوني الأول حجر الأساس لتطور اللاهوت المسيحي في القرون اللاحقة، فقد وضع المفاهيم الدقيقة لعلاقة الآب والابن، ورسَّخ مبدأ المساواة في الجوهر، ومن خلال قانون الإيمان حددت أبعاد العقيدة المسيحية الجامعة التي تمس جوهر الثالوث الأقدس، فصار هذا القانون المرجع الإيماني الأول الذي حفظ وحدة الكنيسة ورسَّخ أساس الإيمان الأرثوذكسي المستقيم الذي ظل ينير للمؤمنين جيلاً بعد جيل.
أين نحن الآن ومجمع نيقيه والوحدة المنظورة؟
يأتي اجتماع لجنة الإيمان والنظام في إطار الاحتفال بتذكار مجمع نيقيه المسكوني الأول عام 325م، والذي يُعّد من أهم الأحداث المفصلية في تاريخ الفكر المسيحي واللاهوت الكنسي، إذ شكّل نقطة تحول في تحديد معالم الإيمان القويم وصياغة العقيدة الجامعة التي توارثتها الكنيسة عبر الأجيال.
إن استحضار ذكرى مجمع نيقيه ليس مجرد احتفال بالماضي بل هو دعوة متجددة للثبات في الإيمان الرسولي وللانفتاح على الحوار البنّاء الذي يجمع الكنائس في مسيرة نحو الوحدة الحقيقية القائمة على الإيمان والحق والمحبة.
فما أعلنه آباء نيقيه عن الإيمان بالابن: إله واحد، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوي للآب في الجوهر، يبقى حجر الزاوية الذي عليه تُبنى العقيدة المسيحية في كل زمان ومكان.
وهكذا يشكل هذا الاجتماع فرصة للتأمل في أمانة الكنيسة في حفظ الإيمان وتأكيد رسالتها في عالم يشهد تعددية فكرية وثقافية، مما يجعل من مسؤولية لجنة الإيمان والنظام أن تواصل سعيها لتجديد الشهادة للحق الإلهي في إطار الوحدة الكنسية الشاملة.
هدف الوحدة المسيحية هو هدف نبيل، أن نكون حقًا واحدًا في المسيح، نكون أعضاء في الجسد الواحد، هذه الوحدة التي صلى من أجلها إلهنا الصالح: “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي” (يو 17: 21).
نحن نؤمن أن الوحدة الحقيقية هي وحدة الإيمان، ويكون واقعها أن نكون في شركة كاملة في الأسرار المقدسة: “رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ” (أف 4: 5).
نحن نؤمن أن الطريق إلى الوحدة ليس سهلاً، فالخلافات التي نشأت بعد نيقيه فصلت الكنيسة وظلت إلى سنوات كثيرة وحتى إلى يومنا هذا، ولن تحل هذه الخلافات إلا بالحوارات اللاهوتية.
لقد رأى الآباء أن الحفاظ على وحدانية الجسد الواحد هو دعوة إلهية ومسؤولية كنسية، تمارس في روح المحبة والوداعة والاتضاع، مقرونة بمعرفة الحق والتعليم المستقيم، لذلك لم يترددوا في مواجهة كل من حاول أن يمزق الجسد الواحد، سواء بالبدع أو الانقسامات أو الانحرافات العقائدية أو التعاليم الغريبة التي ليست بحسب روح الإنجيل وتعليم الآباء. وقد تجلى هذا الحرص بصورة خاصة في المجامع المسكونية وفي مقدمتها مجمع نيقيه الأول، حيث وقف الآباء صفًا واحدًا دفاعًا عن الإيمان الرسولي ضد بدعة أريوس، مؤكدين أن وحدة الإيمان هي الضمانة لوحدة الكنيسة الجامعة.
من القضايا اللاهوتية والكنسية التي تكتسب أهمية خاصة في زمننا الحاضر مسألة الحوار بين الكنائس، فكما اجتمع الآباء في نيقيه بروح شركة للوصول إلى تعبير إيماني جامع كذلك تُدعى الكنيسة اليوم إلى حوار يقوم على الفهم المتبادل والاحترام المتبادل في إطار الإيمان الواحد.
وثمة سؤال جوهري يفرض نفسه في هذا السياق: لماذا نتحاور؟
لابد أن يكون قصدنا ورسالتنا واضحين قبل الانخراط في أي حوار لاهوتي، حتى لا يتحول الحوار إلى جدل أو مجرد تبادل آراء بلا هدف. إن الغاية الأساسية من الحوار هي معرفة الآخر وفهمه والسعي لاكتشاف كيف يعبِّر كل تقليد كنسي عن الإيمان المشترك بطريقة مميزة تعبر عن غنى التراث.
فالحوار الحقيقي لا يقوم على فرض الرأي أو الدفاع عن الذات بل على الاستماع المتبادل الذي يتيح للآخر أن يعبِّر بحرية وانفتاح عن إيمانه، في ضوء الحق المعلن في المسيح الذي هو الطريق والحق والحياة.
ويعد الحوار اللاهوتي بهذا المعنى مسيرة نحو الفهم المشترك لقضايا الإيمان وليس سعيًا لإلغاء الاختلافات أو إذابتها، بل للتعرف على عمق الإيمان الواحد الذي يوحِّد الكنيسة الجامعة. فكما عبر أحد الآباء المعاصرين: الحوار ليس تنازلاً عن الإيمان بل شهادة للحق في روح المحبة.
إن الحوار اللاهوتي يقوم أولاً على فن الإصغاء، لأن الاستماع هو الطريق إلى الفهم المشترك، فحينما يُعطى لكل طرف المجال ليعبر بحرية وانفتاح عن إيمانه، تُفتح أمام الكنيسة آفاق جديدة للتقارب والوحدة. ومن هنا لا يراد بالحوار إلغاء الاختلافات أو إنكار التنوع بل التعرف على الآخر.
في ضوء هذا الفهم نؤكد أن الحوار ليس تنازلاً عن الإيمان أو تفريطًا في العقيدة، بل هو شهادة للحق في روح المحبة، وسعي مستمر نحو تحقيق الوحدة التي صلى المسيح من أجلها قائلاً: “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ” (يو 17: 21).
السادة الحضور:
حضوركم إلى مصر في استضافة الكنيسة القبطية في هذا المكان الذي عاش فيه الآباء النساك وأفرخ القديسين العظام من آباء رهبان، فليكن إلهامًا لنا جميعًا كيف كانت الحياة والعلاقة بين القديسين.
القديس الأنبا أثناسيوس وعلاقته بالقديس الأنبا أنطونيوس أب جميع الرهبان: هذه التلمذة والصداقة الروحية أثرت في الكنيسة كلها، بالروحانية والصلاة التي صاحبت حياة أنطونيوس الكبير وظهرت في نقاوة تعاليم أثناسيوس والتي كانت ممزوجة بحياة القداسة.
أدعوكم في هذا الوقت المبارك وخلال وجودكم بيننا:
أن تتعرفوا على كنيستنا القبطية الأرثوذكسية، هذه الكنيسة العريقة التي تحمل إيمانها القويم وتراثها الآبائي العميق، إيمانًا قد روي بدماء الشهداء عبر الأجيال، وحُفظ بأمانة عبر العصور، كوديعة مقدسة تسلمناها من الآباء الأولين.
كما أدعوكم أن تتعرفوا على بلادنا مصر، أرض الكرازة المرقسية التي احتضنت الإيمان المسيحي منذ فجر التاريخ، وشهدت ميلاد الرهبنة، وازدهار اللاهوت، والروحانية.
إن مصر بتاريخها العريق، وحضارتها الممتدة عبر آلاف السنين ما زالت تقدِّم للعالم شهادة حيّة عن الإيمان الثابت والمحبة الجامعة. إنه من دواعي فخرنا وسرورنا أن نرحب بكم في كنيستنا القبطية وفي وطننا مصر التي تتشرف اليوم باستضافة هذا الحدث الهام في مسيرة مجلس الكنائس العالمي وفي تاريخ وحدة الإيمان والنظام. إن اجتماعنا هذا يُعد علامة مضيئة تؤكد أن مصر ومعها منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا ما زالت تشكِّل جسرًا حيًا بين الكنائس، ومكانًا يحمل رسالة الرجاء والوحدة أمام أنظار العالم المسيحي أجمع.
فلنرفع قلوبنا شاكرين الله الذي جمعنا في هذا اللقاء المبارك، سائلين أن يمنحنا روح الحكمة والفهم لكي نواصل المسيرة نحو تحقيق وحدة الإيمان في الحق والمحبة. ولنصلي معًا أن يكون هذا الاجتماع ثمرة جديدة في طريق الوحدة والحوار والبنيان المشترك بين الكنائس، وأن تبقى كنيستنا القبطية وبلادنا مصر منارة للإيمان، شاهدة لوحدة الكنيسة الجامعة عبر العصور.
وأشكركم كثيرًا.
This page is also available in:
English


