السيِّد السكرتير العام لمجلس الكنائس العالمي،
المُنسِّق العام للَّجنة المركزيَّة لمجلس الكنائس العالمي،
المُنسِّق العام للجنة الإيمان والنظام،
مدير وحدة الإيمان والنظام،
الضيوف الكرام، السادة الحضور،
أودُّ أنْ أُرحِّب بكم في مصر في مركز لوغوس للمؤتمرات، وفي هذا المكان المقدَّس، في دير القدِّيس الأنبا بيشوي في وادي النطرون – بريَّة شهيت، والتي كانت إشعاعًا وإلهامًا للحياة الرهبانيَّة منذ القرن الرابع الميلادي.
كان مجمع الرُّسُل في أورشليم، الذي ناقش مشكلة التهوُّد والتحوُّل مِن الخلفيَّة اليهوديَّة إلى الإيمان المسيحي، هو أساس فكرة المجامع الكنسيَّة. لأنَّ كلَّ مجمعٍ عُقد كان وراءه قضية أو مشكلة. وكان هناك حوار ومناقشة. وكان هناك قائد وإدارة. وكان روح الله القدوس، هو روح القوَّة والمحبة والنُّصح والنجاح لأيِّ مجمعٍ كنسي.
تعلمون أنَّ مجمع نيقية قد دعا إليه الإمبراطور قسطنطين الكبير، بعد أن أصبحت المسيحيَّة ديانةً مسموحًا بها في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة بهدف تحقيق وحدة الإيمان، وذلك بعد ظهور انقساماتٍ عقائديَّة حادة.
كانت القضية قد صَدَرَت مِن أريوس كاهن في الاسكندرية، الذي كان يُعلِّم بأنَّ الابن ليس مساويًا للآب في الجوهر؛ بل هو مخلوقٌ من الله، وله بداية في الزمن. هذا التعليم هدَّد وحدة الإيمان المسيحي، فأُثيرت ضجة كبيرة في الكنيسة. وهذا يُنبِّهنا إلى خطورة التفسير والتعليم المُنفرد دون العودة إلى الجذور، متمثِّلةً في الأناجيل المقدَّسة، وتعليم الآباء القدِّيسين مُعلِّمي الكنيسة.
وهنا انعقد المجمع بحضور ما يقرب من 318 أسقفًا من مختلف أقاليم العالم، والذي حضره البابا ألكسندروس البطريرك القبطي في الإسكندريَّة ومعه شمَّاسه الشاب أثناسيوس، هذا الذي لعب دورًا مُحوريًّا في الدفاع عن لاهوت الابن.
واتَّخذ المجمع عِدَّة قرارات أدانت فيها تعليم أريوس، وحرمته من الشركة المقدَّسة. كذلك أقرَّ المجمع لاهوت الابن باعتباره مولودًا غير مخلوق، مساويًا للآب في الجوهر. وكذلك صياغة قانون الإيمان النيقاوي، الذي أصبح المرجع الأساسي للعقيدة المسيحيَّة الجامعة. كما حدَّد المجمع أيضًا موعد عيد القيامة ليُحتَفَل به في كلِّ كنائس العالم في يومٍ واحد مُنفصلًا عن التقويم اليهودي. وأصدر المجمع أيضًا عددًا من القوانين الكنسيَّة المُتعلِّقة بالنظام الكهنوتي والانضباط الكنسي.
وهكذا أسَّس المجمع نموذجًا جديدًا للحوار الكنسي المسكوني، إذ جمع أساقفة من شتَّى أنحاء العالم، وأرسى مبدأ أنَّ الحقَّ الإيماني يُحسَم مِن خلال المجامع الجامعة، وليس من خلال الآراء الفرديَّة.
ومِن الناحية السياسيَّة، مثَّلَ مجمع نيقية أول تعاون رسمي بين الكنيسة والدولة الرومانيَّة، حين تدخَّل الإمبراطور قسطنطين ليضمن وحدة الإيمان حفاظًا على وحدة الإمبراطوريَّة. ومن هنا بدأت علاقة جديدة بين السُّلطة الزمنيَّة والسُّلطة الروحيَّة، علاقة كان لها أثرٌ بالغ في تاريخ المسيحيَّة عَبْر العصور اللاحقة.
إنَّ مجمع نيقية المسكوني لم يكن مجرَّد حدثٍ لاهوتي، بل لحظة تاريخيَّة أسَّست لهويَّة الكنيسة الجامعة. ففيه حُفِظ الإيمان المستقيم مِن الانحرافات ومن الهرطقات، وأُرسِيَ أساس قانون الايمان الذي لا يزال حتى اليوم يُتلى في الليتورجيَّة في سائر كنائس العالم. ومِن ثمَّ يمكن القول إنَّ نيقية كانت نقطة الانطلاق الحقيقيَّة لشرح العقيدة المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة بصيغتها الجامعة، ومثالًا دائمًا لدور المجامع في حفظ الإيمان الواحد المقدَّس الرسولي الذي تسلَّمناه من الرُّسُل والآباء القدِّيسين، وحُفِظَ في كنيسة الله عَبْر الأجيال.
والآن أين نحن ومجمع نيقية والوحدة المنظورة؟
يأتي اجتماع لجنة الإيمان والنظام في إطار الاحتفال بتذكار مجمع نيقية المسكوني الأول عام 325م. والذي يُعدُّ من أهم الأحداث المفصليَّة في تاريخ الفكر المسيحي واللاهوت الكنسي، إذ شكَّل نقطة تحوُّل في تحديد معالم الإيمان القويم وصياغة العقيدة الجامعة التي توارثتها الكنيسة عَبْر الأجيال.
إنَّ استحضار ذِكْرى مجمع نيقية، ليس مجرَّد احتفال بالماضي؛ بل هو دعوة مُتجدِّدة للثبات في الإيمان الرسولي، وللانفتاح على حوارٍ بنَّاء يجمع الكنائس في مسيرةٍ نحو الوحدة الحقيقيَّة القائمة على الإيمان والحقِّ والمحبة.
فما أعلنه آباء نيقية عن الإيمان بالابن بأنه إلهٌ واحد، إلهٌ حقٌّ مِن إلهٍ حق، مولودٌ غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر؛ يبقى حجر الزاوية الذي عليه تُبنى العقيدة المسيحيَّة في كلِّ زمانٍ ومكان.
وهكذا يُشكِّل هذا الاجتماع فرصةً للتأمل في أمانة الكنيسة في حفظ الإيمان، وتأكيدَ رسالتها في عالمٍ يشهد تعدُّديَّةً فكريَّةً وثقافيَّة، مِمَّا يجعل من مسؤوليَّة لجنة الإيمان والنظام أنْ تواصل سعيها لتجديد الشهادة للحقِّ الإلهي في إطار الوحدة الكنسيَّة الشاملة.
هدف الوحدة المسيحيَّة هو هدفٌ نبيل، وهو أنْ نكون بالحقيقة واحدًا في المسيح، نكون أعضاءً في الجسد الواحد. هذه الوحدة التي صلَّى مِن أجلها إلهنا الصالح: ”ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أرسلتني“.
نحن نؤمن أنَّ الوحدة الحقيقيَّة هي وحدة الإيمان، ويكون واقعها أنْ نكون في شركةٍ كاملة في الأسرار المقدَّسة: ”ربٌّ واحد، ايمانٌ واحد، معموديةٌ واحدة“.
نحن نؤمن أنَّ الطريق إلى الوحدة ليس سهلًا. فالخلافات التي نشأت بعد نيقية، فصلت الكنيسة، وظلَّت إلى سنواتٍ كثيرة وحتى إلى يومنا هذا. ولن تُحلَّ هذه الخلافات إلَّا بالحوارات اللاهوتيَّة.
لقد رأى الآباء أنَّ الحِفاظ على وحدانية الجسد الواحد هو دعوةٌ إلهيَّة ومسؤوليةٌ كنسيَّة تُمارَس في روح المحبة والوداعة والاتِّضاع، مقرونة بمعرفة الحقِّ والتعليم المستقيم.
لذلك لم يتردَّدوا في مواجهة كلِّ مَن حاول أن يُمزِّق الجسد الواحد، سواء بالبدع أو بالانقسامات أو الانحرافات العقائديَّة أو التعاليم الغريبة، التي ليست بحسب روح الإنجيل وتعليم الآباء.
وقد تجلَّى هذا الحرص بصورةٍ خاصة في المجامع المسكونيَّة، وفي مقدِّمتها مجمع نيقية، حيث وقف الآباء صفًّا واحدًا دفاعًا عن الإيمان الرسولي ضد بدعة أريوس، مؤكِّدين أنَّ وحدة الإيمان هي الضمان لوحدة الكنيسة الجامعة.
من القضايا اللاهوتيَّة والكنسيَّة التي تكتسب أهمية خاصة في زماننا الحاضر، هي مسألة الحوار بين الكنائس. فكما اجتمع الآباء في نيقية بروح الشركة للوصول الى تعبيرٍ إيمانيٍّ جامع؛ كذلك تدعو الكنيسة اليوم إلى حوارٍ يقوم على الفهم المُتبادَل والاحترام المُتبادَل في إطار الإيمان الواحد.
وثمَّة سؤال جوهريّ يفرض نفسه في هذا السياق: لماذا نتحاور؟ لا بدَّ أنْ يكون قصدنا ورسالتنا واضِحَين قبل الانخراط في أيِّ حوارٍ لاهوتي، حتى لا يتحوَّل الحوار الى جدلٍ أو مجرد تبادُل آراء بلا هدف.
إنَّ الغاية الأساسيَّة من الحوار، هي معرفة الآخر وفهمه، والسَّعي لاكتشاف كيف يُعبِّر كلُّ تقليد كنسي عن الإيمان المُشترك بطريقةٍ مُميَّزة تُعبِّر عن غِنَى التراث!
فالحوار الحقيقي لا يقوم على فرض الرأي أو الدفاع عن الذات، بل على الاستماع المُتبادَل الذي يُتيح للآخر أنْ يُعبِّر بحريَّة وانفتاح عن إيمانه، في ضوء الحقِّ المُعلَن في المسيح، الذي هو الطريق والحق والحياة. ويُعدُّ الحوار اللاهوتي بهذا المعنى مسيرةً نحو الفهم المُشترك بقضايا الإيمان، وليس سعيًا لإلغاء الاختلافات أو إذابتها، بل للتعرُّف على عُمق الإيمان الواحد الذي يوحِّد الكنيسة الجامعة.
وقد عبَّر أحد الآباء المُعاصرين عن هذا، فقال: ”إنَّ الحوار ليس تنازُلًا عن الإيمان، بل هو شهادة للحقِّ في روح المحبة“.
إنَّ الحوار اللاهوتي يقوم أوَّلًا على فن الإصغاء، لأنَّ الاستماع هو الطريق إلى الفهم المُشترك. فحينما يُعطَى لكلِّ طرفٍ المجالُ ليُعبِّر بحريَّةٍ وانفتاح عن إيمانه، تُفتَح أمام الكنيسة آفاقٌ جديدة للتقارُب والوحدة. ومِن هنا لا يُراد بالحوار إلغاء الاختلافات أو إنكار التنوُّع؛ بل التعرُّف على الأصل.
في ضوء هذا الفهم، نؤكِّد أنَّ الحوار ليس تنازُلًا عن الإيمان أو تصريفًا في العقيدة؛ بل هو شهادةٌ للحقِّ في روح المحبة، وسعيٌ مستمر نحو تحقيق الوحدة، تلك التي صلَّى المسيح من أجلها قائلًا: «لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ».
السادة الحضور،
حضوركم إلى مصر، في استضافة الكنيسة القبطيَّة، في هذا المكان الذي عاش فيه الآباء النُّسَّاك وفيه آثار قدِّيسين عظماء من آباء رهبان، فليكن إلهامًا لنا جميعًا كيف كانت الحياة والعلاقة بين القدِّيسين، كالقدِّيس الأنبا أثناسيوس وعلاقته بالقدِّيس الأنبا أنطونيوس أب جميع الرهبان. هذه التلمذة والصداقة الروحيَّة أثَّرت في الكنيسة كلها بالروحانيَّة. فالصلاة التي صاحبت حياة أنطونيوس الكبير، ظهرت في نقاوة تعاليم أثناسيوس، التي كانت ممزوجة بحياة التَّقوى.
أدعوكم في هذا الوقت المُبارك، وخلال وجودكم بيننا، أن تتعرَّفوا على كنيستنا القبطيَّة الأرثوذكسيَّة، هذه الكنيسة العريقة التي تحمل إيمانها القويم وتُراثها الآبائي العميق إيمانًا قد رُوِيَ بدماء الشهداء عَبْر الأجيال، وحُفِظَ بأمانةٍ عَبْر العصور، كوديعة مُقدَّسة تسلَّمناها من الآباء الأوَّلين.
كما أدعوكم أنْ تتعرَّفوا على بلادنا مصر، أرض الكرازة المرقسيَّة التي تخضَّبت بدماء المسيحيين منذ فجر التاريخ، وشهدت ميلاد الرهبنة، وازدهار اللاهوت والروحانيَّة. إنَّ مصر بتاريخها العريض وحضارتها المُمتدَّة عَبْر آلاف السنين، ما زالت تُقدِّم للعالم شهادةً حيَّة عن الإيمان الثابت والمحبة الجامعة.
إنَّه مِن دواعي فخرنا وسرورنا أنْ نُرحِّب بكم في كنيستنا القبطيَّة وفي وطننا مصر، التي تتشرَّف اليوم باستضافة هذا الحدث الهام في مسيرة مجلس الكنائس العالمي وفي تاريخ وحدة الإيمان والنظام.
إنَّ اجتماعنا هذا، يُعدُّ علامةً مُضيئة، تؤكِّد أنَّ مصر، ومعها منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، ما زالت تُشكِّل جسرًا حيًّا بين الكنائس، ومكانًا يحمل رسالة الرجاء والوحدة أمام أنظار العالم المسيحي أجمع.
فلنرفع قلوبنا شاكرين الله الذي جَمَعَنا في هذا اللقاء المُبارك، سائلين أنْ يمنحنا روح الحكمة والفهم، لكي نواصل المسيرة نحو تحقيق وحدة الإيمان في الحقِّ والمحبة.
ولنُصلِّ معًا أنْ يكون هذا الاجتماع ثمرةً جديدةً في طريق الوحدة والحوار والبُنيان المُشترك بين الكنائس، وأن تبقى كنيستنا القبطيَّة وبلادنا مصر منارةً للإيمان، شاهدةً لوحدة الكنيسة الجامعة في كلِّ العصور. وأشكركم كثيرًا


