باسم الآب، والابن، والروح القدس، الإله الواحد آمين
سنة جديدة سعيدة وعيد ميلاد مجيد
سعيدٌ أن أرسل لكم رسالة الميلاد لهذا العام الجديد 2026م. أود في البداية أن أهنئكم جميعًا بعيد الميلاد المجيد. أهنئكم وأهنئ كل كنائسنا القبطية في ربوع العالم. أهنئ كل الإيبارشيات القبطية في قارات العالم، في أفريقيا وفي آسيا، وفي أوروبا، في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وأيضًا في أستراليا. أهنئ كل اﻷسر وكل الشباب، وكل الشمامسة، وكل الآباء الكهنة، وكل الآباء المطارنة والآباء الأساقفة.
في عيد الميلاد المجيد في كل عام لنا فيه تأملٌ. من المشاهد الإنسانية المعروفة في حياة الإنسان، مشهد الهدية، تقديم الهدية. والواقع إن أحداث ميلاد ربنا يسوع المسيح وتجسده في بيت لحم، يقدم لنا مفهومًا جديدًا عن فكرة الهدية. الهدية عملٌ إنساني، وعملٌ اجتماعي، ومعروفٌ عند كل البشر. تتنوع الهدايا بين الهدايا المادية، والهدايا المعنوية، والهدايا الملموسة، والهدايا اللفظية كقِطَع الشِعر والمديح، وهكذا.
في قصة الميلاد نتقابل مع ثلاثة أصنافٍ من الهدايا، هدية الفرح، وهدية السَتر، وهدية الحب. هذه الهدايا الثلاث نراها في أحداث الميلاد المتنوعة.
1- هدية الفرح
في هدية الفرح، نرى أولاً هذا النجم الذي قال عنه بعض الآباء إنه لم يكن نجمًا فلكيًا عاديًا، ولكنه كان ملاكًا، كقول القديس يوحنا ذهبي الفم. النجم كان علامة في السماء (متى 2: 2)، وهذه العلامة كانت هدية ليس لأفرادٍ، ولكن لشعوب. الشعوب الذين أتى منهم المجوس الذين هم الحكماء والمهتمين بالفلك، وحسابات الفلك وحسابات الأيام. كان النجم نجمًا مُرشِدًا وهاديًا، ومتحركًا مع هؤلاء المجوس، حتى استقر فوق المذود في بيت لحم. كان هديةً من السماء، هدية فرحٍ.
وأريدك أن تتخيل معي كيف كان المجوس سائرين متأملين في النجم. بالطبع زمان [في الزمن القديم] كانت الطرق محدودة جدًا. ﻻ يوجد الجي بي إس (GPS)، ولا توجد طرق مرصوفة، ولا يوجد طيران، ولا توجد سيارات… إلى آخره. فكان النجم هو بطل المشهد. وكان هديةً من السماء إلى هؤلاء المجوس. ليس لهم فقط، ولكن لكلِ شعوبهم.
من هدايا الفرح التي قدمتها السماء في قصة الميلاد، الملائكة. في فرحٍ، الملائكة كانوا مبتهجين وأنشدوا أنشودةً خالدة، ما زلنا نصلي بها في القداس، وما زلنا نتذكرها. وفي كل مرة نحتفل بالميلاد المجيد، نتذكر هذه الأنشودة، المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة (لوقا 2:14). هذه هدية. وهي ليست مجرد آية أو أنشودة، لكن هي خريطة بلغتنا المعاصرة، نسميها خريطة طريق. فالإنسان يجب أن يقدم مجدًا إلى الله. ويجب أن ينشر السلام على الأرض، ويجب أن يكون سببَ فرحٍ لكل الناس الذين حوله. هذه هدية. هدية الفرح من خلال الملائكة التي كانت تنشد بكل الفرح.
من هدايا الفرح أيضًا الملاك الذي أضاء في ظلمة الليل، وأضاء للرعاة. وابتدأ يخبرهم بميلاد ربنا يسوع المسيح. بالطبع أيضًا قديمًا لم يكن هناك إذاعات ولا تليفزيون ولا سوشيال ميديا ولا شيء بهذا الشكل. ولكن كان الملاك المبشر ملاكًا مفرحًا، قدم رسالة فرح. وُلد لكم اليوم في بيت لحم مخلص. فكانت رسالة فرح لأناس سهرانين طول الليل في البرية. هذه كلها عبارة عن هدايا الفرح التي قدمتها السماء لنا.
2- هدية الستر
النوع الثاني من الهدايا، هدايا السَتر. كلمة السَتر كلمة إنسانية قوية وهي فضيلة. ونحن عندما نصلي، في كل مرة نقول نشكرك يا رب لأنك سترتنا، الستر الإلهي. والستر فضيلة عظيمة جدًا في حياة الإنسان. وطوبى للإنسان الذي يستر على أخيه. يستر على الآخر في بيته، في مجتمعه، في خدمته، في كنيسته، في وطنه. الستر نعمة وهدية، السماء قدمتها لنا. أين نراها؟
أول حاجة نراها في المذود، لك أن تتخيل القديس يوسف النجار المتقدم في الأيام. وهو شيخٌ ومعه العذراء الصبية وهي حامل، وفي أيامها الأخيرة. ولا تجد مكانًا لكي تلدَ هذا الطفل. وذهبت في أماكن كثيرة، ذهبت إلى بيت لحم، ومرّوا بالبيوت كلها، ﻻ يوجد مكان. ولكن كان هناك صاحب المذود، وكان المذود نفسه هو هدية الستر لهذه الإنسانة التي ستلد بعد قليل. وصار المذود يستر ولادة أمنا العذراء، ويستر الطفل الصغير، ويستر هذه الأسرة الصغيرة المكونة من القديس يوسف النجار، كحامي لسر التجسد، وهذه الصبية في حالة الولادة وعمرها صغير ومتعبة. ولم توجد مثل هذه الأمور الطبية التي نسمع عنها اليوم. كل هذا وهي متغربة أيضًا عن مكانها، ولكن المذود كان ساترًا لهم.
ليس فقط هذا، لكن أيضًا الستر كان في الليل الذي تمت فيه ولادة ربنا يسوع المسيح. كان صمتُ الليل، هذا الصمت، والليل بصفة عامة، كان ساترًا. وكان هذا الصمت لكي تتضح رؤية كل شيء بحسب النور الذي ترسله السماء، سواء مع الملائكة أو مع الملاك الذي بشر الرعاة.
أيضًا من الستر، هناك شيء جميل، إن العذراء مريم لما أعطت مولودها في المذود، كانت هناك أقمطة، أقمطة تعني لفائف صغيرة لكي يلفوا المولود فيها (لوقا 2: 12). من أين جاءت؟ ربما صاحب المذود هو الذي قدمها. أو ربما كانت مع أمنا العذراء. ليس هذا هو السؤال، لكن كانت هذه الأقمطة أيضًا تقوم بالستر. ستر هذا المولود الصغير المولود في برودة الليل وبرودة الطقس في وقتها. ﻻ ننسى أن الستر قيمة وفضيلة عظيمة.
3- هدية الحب
الهدية الثالثة التي قدمتها السماء لنا، وهي هدية إنسانية، هدية الحب. ذكرتُ لك هدية الفرح، وهدية الستر وهدية الحب. وهدية الحب كما نعرفها جميعًا، إن الحب له صورٌ كثيرة، وهذه الصور تتعدد بأشكال عند تقديم الهدايا كنوع من الحب. أول هدية قدمتها لنا السماء هي أمنا العذراء مريم المختارة والحمامة الحسنة وفخر جنسنا. أمنا العذراء التي اختارها الله لكي ما تكون هي المعبر في تجسد ابن الله، ربنا يسوع المسيح. أمنا العذراء، كانت هدية في وسط البشر. ولذلك نقول عنها إنها فخر جنسنا. ونقول عن بطنها التي حملت السيد المسيح، إنها المعمل الإلهي الذي من خلاله تجسد المسيح، واتحد اللاهوت مع الناسوت.
من هدايا الحب أيضًا ما قدمه المجوس. المجوس كانوا حكماء، وكانوا أغنياء، وكانوا أصحاب فلسفة. المجوس عندما أتوا لزيارة الملك، ملك اليهود، أخذوا معهم هدايا. وقدموا هدايا ربما كانت جديدة في المجتمع اليهودي، الذهب واللُبان والمر (متى 2:11). وكانت هذه الهدايا في مجملها تعبيرًا عن محبة هؤلاء لهذا المولود الصغير. الذهب إنه ملكٌ عظيم، واللُبان إنه كاهنٌ عظيم، والمر إنه متألم، وحامل للصليب، هو عظيم.
لكن ليس فقط كانت الهدايا من المجوس، لكن أيضًا من الرعاة الذين كانوا متبدين في البادية، متبدين تعني جالسين في البرية بالليل، وسهرانين لكي يحرسوا القطعان الخاصة بهم. هؤلاء الرعاة كانوا في غاية التسبيح. والتسبيح كان بمثابة هدية تعبر عن الحب الذي يحملوه في قلبهم.
الخلاصة إن ميلاد ربنا يسوع المسيح هو رسالة إنسانية تقدم لنا مفهومًا اجتماعيًا نعيش فيه، وهو تبادل الهدايا. أنت تختار هدية تقدمها لشخص تحبه في مناسبات كثيرة. والهدية تُحدَد بحسب الشخص الذي يُهدي، وبحسب الشخص الذي تُهدَى إليه الهدية. ويجب أن تكون هديتك نافعة ومفيدة وجميلة. ليس شرطًا أن تكون غالية، ولكن ممكن أن تكون معبرة. لو كانت هدية بسيطة يمكن أن تكون معبرة أكثر وأكثر. من الهدايا الجميلة التي نقدمها لبعض، خاصة لأولادنا وبناتنا الصغار هي الكتاب المقدس في صوَرِه الكثيرة. الصوَر الملونة والمكتوبة بخطٍ كبير. والمسموعة، والتي لها تطبيقات على الهاتف حيث يستطيعون أن يستخدموه ويشاهدون ويعيشون في عالم الكتاب المقدس. هدية الكتاب هدية مفيدة جدًا، هذا مجرد مثال صغير. لكن رسالة الميلاد التي أود إن أقدمها لكم في هذا العيد المجيد، هي مفهوم الهدية التي يمكن أن تعبر عن الفرح، تعبر عن الستر، تعبر عن الحب.
أهنئكم أيها الأحباء. أهنئ كلَ كنائسنا، كل إيبارشياتنا القبطية الأرثوذكسية، وأنقل لكم المحبة الكبيرة من قلب مصر من القاهرة، من الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، حيث مزار القديس مار مرقس الرسول. أهنئكم جميعًا وأرجو لكم في هذا العام الجديد كلَ الخير، كلَ السلام، كلَ الصحة، كلَ الفرح، كلَ الستر، كلَ الحب. تحياتي للجميع، للصغار وللكبار، ولكل الإيبارشيات القبطية في العالم أجمع، لكل الآباء الأحباء، ولكل الخدام والخادمات في كل كنيسة، وفي كل إيبارشية. ربنا يكون معكم.
سنة جديدة سعيدة وعيد ميلاد مجيد.
This page is also available in:
English


