من النادر أن يعيش الناس بلا غربة.. والغربة هي التنقل من مكان ميلادك إلى أماكن أخرى.. قد تكون غربة قصيرة أو طويلة أو ممتدة أو دائمة.. وقد تكون طواعية أو إجبارية أو بحثًا عن مكان أفضل أو دراسة أفضل أو عمل أفضل أو منصب أفضل..
ونقرأ عن الغربة في الكتاب المقدس وكيف تغرب كثير من الأنبياء وارتحلوا من مكان إلى آخر مثل إبراهيم أبو الآباء، كما نقرأ عن العائلة المقدسة التي تغربت في أرض مصر أكثر من ثلاث سنوات.
ومن الناحية الروحية يعتبر كل البشر غرباء على الأرض حتى أن داود النبي يقول: “غريب أنا في الأرض لا تخف عني وصاياك” (مز 119: 19) وللمتنيح البابا شنوده الثالث قصيدة بعنوان “غريبًا عشت” يصف فيها الغربة سواء تاريخيًا أو رهبانيًا.. والغربة شعور إنساني قوي يعمل في مراحل حياته سواء علميًا أو دراسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا، كما أنه قد يصل بإنسان أن يتغرب في بيته عندما يجد أهل هذا البيت ينفضون عنه بانشغالات كثيرة لا تنتهي.. ومن المدهش أن العالم اخترع وسائل الاتصال الاجتماعي منذ حوالي ثلاثين عامًا وها هو يكتشف الآن أنها صارت وسائل للانفصال الاجتماعي والعزلة في البيت الواحد أو المجتمع الواحد وكيف يتأثر الصغار والكبار ويدخلون في عالم افتراضي فيه كثير من الانحرافات الأخلاقية والسلوكية والاجتماعية وغيرها.
وعلى الجانب الآخر فإن كانت غربة إيجابية وفي ظروف مواتية، فإن الإنسان يستطيع أن يستفيد منها بفضائل الاجتهاد والاعتماد على النفس وتعلم مهارات جديدة مثل اللغات وكسب صداقات عدیدة ربما لا تتاح له إن ظل في مكانه، ولذا قال العرب قديمًا “في السفر سبع فوائد”، وقال المورخ كمال الملاخ “ما أمتع السفر على صفحات كتاب”.
وهناك بعض الأماكن يشعر فيها الإنسان بغربة حتى وإن ظل في مجتمعه أو في وطنه. من هذه الأماكن “الفنــدق”. عندمـــا يذهب الإنسان إلى الفندق تحت أي سبب سواء لحضور مؤتمر أو لقاء أو معرض أو ندوة أو حتى فسحة وسياحة فإنه يشعر بغربة سواء كانت إقامته يومًا أو عدة أيام أو حتى أسابيع فإنه يجد أناس حوله لا يعرفهم يقومون بواجبات الضيافة والإقامة وتسهيل كل شيء.. والمكان يكون في أبهى صورة وكل العاملين مدربين على اللطف والود وأناقة الحديث والابتسامة، وكلهم يحاولون أن يرضوا الإنسان ويشبعوا رغباته مهما تعددت أو كثرت.. ولكنهم يفعلون ذلك كوظيفة تدر لهم دخلاً وربحًا وفائضًا فالهدف اقتصادي بحت. هم لا يعرفونك وأنت غريب في وسطهم يتطلعون إلى ما ستدفعه وما يربحونه منك.. ولذلك تتبارى الفنادق في تقديم أشكال وألوان من الخدمات التي تجذب الناس بعروض مغرية دائمًا.. لكنك ستظل غريبًا متناسيًا أن راحتك الحقيقية هي في بيتك وسط أسرتك.
ومكان آخر يشعر فيه الإنسان بغربة شديدة عندما يدخل إلى المستشفى طلبًا للعلاج من أتعاب صغيرة أم كبيرة، وقد تمتد إقامته بحسب حالته إلى أيام قليلة أو أسبوع أو أسابيع. هناك يشعر بغربة ومعها الألم.. يسلم نفسه في أيدي أطباء لا يعرفهم وطاقم من التمريض يتوزعون بحسب جدول التشغيل وفنيين صحيين.. والجميع لا يعرفونك ولا تعرفهم ولكن اهتمامهم الوحيد هو شفاءك وزوال الألم والمرض. هدفهم صحتك… يدرسون ويلاحظون ويخدمون بروح إنسانية عالية في وقت غربتك يقدمون من صحتهم ووقتهم من أجل أن تستعيد عافيتك وتعود سالمًا.. وما أجمل عطاياك يارب…
وفي غربة المستشفى يشعر الإنسان بضعفه مهما تعاظم وفي نفس الوقت يشعر بعظمة الخالق في خلقة الإنسان بهذا التكون البديع، وكيف تعمل أجهزة الجسم بكل قدرة ودقة والتزام.. كيف تكونت علوم الطب العديدة، وكيف يدرسونها من جيل إلى جيل، وكيف تتراكم الخبرات، وكيف اخترعوا الأجهزة التشخيصية العديدة من أشعات وتحاليل وفحوصات وممارسات طبية لا تنتهي ربما من أصغر شيء مثلاً “بلاستر” الجروح إلى أكبر الإمكانيات الطبية والعلمية. إنها بالحقيقة نعم من عند الله من خلال “العقل” الذي وهبه الله للإنسان ليقود حياته واحتياجاته.معنى ذلك أن للغربة دورًا في حياة الإنسان وتشكيل وجوده وهي في العموم مفيدة له إذ تجعله دائمًا يلجأ إلى الله الذي يحفظ الغرباء كقول صاحب المزامير (مز 146: 9). ويقولون في الأمثال المصرية: “الغريب أعمى وإن كان بصيرًا”. فالغربة تبني بعدًا قويًا في حياة الإنسان يمكن أن يستفيد منه جيدًا سواء لنفسه أو لغيره. وفي وصايا المسيح الأخيرة يقولون له: “يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟” (متى 25: 44) وهذا وضع على الكنيسة منذ نشأتها أن تقوم بخدمة كل هذه النوعيات والقطاعات بكل الوسائل المتاحة فتبني دور لإضافة الغرباء مثل بيوت المغتربين والمغتربات، وتبني دور الخدمة والضيافة للغرباء كما الأماكن العلاجية كالمستشفيات والعيادات وغيرها… وفي هذا كله تتعامل مع الغريب كأنه شخص المسيح ذاته. إنها خدمة حب بعيدة تمامًا عن أي عمل ربحي أو نشاط تجاري.. إنها خدمة حبًا في شخص المسيح وتنفيذًا لوصيته وتقديرًا للإنسان في كل الأحوال.
This page is also available in:
English


