قداسة البابا خلال العظة: “لا يوجد حدث في تاريخ البشرية ظهر فيه حب الله للإنسان كما ظهر في يوم الصليب”
“نفتخر بعلامة الصليب ونرشمها في كل وقت وكل مكان وهي علامة علنية فقد كان الصليب على جبل الجلجثة أمام أعين الكل وهي سبب فخر لكل الأجيال بالرغم من كون الصليب في ذلك الزمان علامة لعنة ولكن المسيح حمل اللعنة وحمل كل خطايانا على الصليب فماتت اللعنة على الصليب”
المسيحية هى ديانة الغفران فعلى الصليب غفر المسيح حتى لصالبيه ومن يسيئون إليه “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لو ٢٣: ٣٤)
صلى قداسة البابا تواضروس الثاني، اليوم، صلوات الجمعة العظيمة في الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بمشاركة عدد من الآباء الأساقفة العموم المشرفين على القطاعات الرعوية بالقاهرة، وكهنة كنائس الكاتدرائية، وخورس شمامسة إكليريكية الأنبا رويس، وسط مشاركة شعبية واسعة حيث امتلأت جنبات الكاتدرائية بأبناء الكنيسة.
كان قداسته قد صلى صلوات جمعة ختام الصوم في دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، وقداس أحد الشعانين بالكاتدرائية المرقسية الإسكندرية، بينما صلى لقان وقداس خميس العهد في دير الشهيد مار مينا العجائبي بصحراء مريوط بالإسكندرية.
وألقى قداسة البابا عظة، واستهلها بقوله: “يوم الصليب (جمعة الصلبوت) هو يوم الحب العجيب والعظيم فهو عيد الحب الإلهى للإنسانية كلها، فلا يوجد حدث في تاريخ البشرية ظهر فيه حب الله للإنسان كما ظهر في يوم الصليب، ولذلك يمكن أن نسمي هذا اليوم “يوم اللقاء بين الحبيب والمحبوب” بين المسيح الذي سُر به الأب على الصليب وبين الإنسان المحبوب الذي خلقه الله وأوجده بمحبته أولاً وأخيرًا”
وتناول قداسته ثلاث عناصر رئيسية من خلال طقس الجمعة العظيمة وقراءاته وألحانه وهي:
١- محبة الصليب:
- لم يكن موت المسيح مصادفة إذ أنه أتى من أجل هذا اليوم “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا. “(يو
١: ١٤) ومجده رأيناه يوم الصليب. - منذ بدء تجسد السيد المسيح كان الصليب أمامه دائمًا، فقد وُلد في المذود الذي هو المكان الذي تؤخذ منه الذبيحة “هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ” (يو ١: ٢٩)
- في عرس قانا الجليل قال السيد المسيح للعذراء مريم «مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ؟ لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ». (يو ٢ : ٤)، الساعة المقصودة هنا هي ساعة الصليب.
- لقد أحبنا المسيح عندما تجسد، أتى إلينا وتحدث معنا وعاش على أرضنا، أظهر محبته لنا عن قرب وتضاعفت هذه المحبة مرات ومرات على الصليب فصار الصليب هو محطة الحب للإنسان.
- تحدث الأنبياء في العهد القديم عن محبة الله، أما في العهد الجديد فجاء الابن الوحيد وتجسد على أرضنا “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ” (عب ١: ١ و ٢)
- بالحب قدم لنا المسيح عطايا روحية ومادية ومن خلال خشبه الصليب تألم من أجلنا، حمل خطايانا وطهرنا بدمه من كل خطية.
- الصليب يحرر الإنسان من الضعفات وهو خلاص لكل إنسان في العالم “لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو ٣ : ١٦).
- محبة المسيح على الصليب هي محبة مجانية وقوية تمتلئ بالحنو، وهي ثابتة لا تتغير ولا تنتهي “كُنْتُ أَجْذِبُهُمْ بِحِبَالِ الْبَشَرِ، بِرُبُطِ الْمَحَبَّةِ، وَكُنْتُ لَهُمْ كَمَنْ يَرْفَعُ النِّيرَ عَنْ أَعْنَاقِهِمْ” (هو ١١: ٤)، هذه المحبة تجعل الإنسان يشعر بالامتنان لعمل المسيح الفدائي على الصليب وتحفظه من كل خطية.
٢- علامة الصليب: نفتخر بها ونرشمها في كل وقت وكل مكان، هي علامة علنية فقد كان الصليب على جبل الجلجثة أمام أعين الكل، وهي سبب فخر لكل الأجيال بالرغم من كون الصليب في ذلك الزمان علامة لعنة ولكن المسيح حمل اللعنة وحمل كل خطايانا على الصليب فماتت اللعنة على الصليب.
- علامة الصليب هي علامة المصالحة، المسيح على الصليب رحب بكل العالم: اليهود والأمم “وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ” (يو ١٢: ٣٢).
- على الصليب مات المسيح في الهواء فسحق “رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ” (أف ٢: ٢) الذي هو الشيطان، فكان المسيح يدفع عنا ويحرسنا من أعمال الشيطان من خلال الصليب “أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟” (١كو ١٥: ٥٥)٠
- علامة الصليب هي العلامة التي تربط السماء بالأرض، في الصليب دُفِعَتْ الديون عنا “لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي” (أش ٤٣: ١).
- لم يهرب المسيح من الصليب ولم يتجنب عاره فصار الصليب فخرنا “مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ” (غل ٢: ٢٠).
٣- فاعلية الصليب:
- فعل الصليب مستمر في كل وقت، وأهم فاعلية للصليب هي الإيمان بمحبة المسيح، فلنثق تمامًا ونؤمن بهذه المحبة.
- المسيحيه هى ديانة الغفران فعلى الصليب غفر المسيح لصالبيه ومن كانوا يسيئون إليه “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ” (لو ٢٣: ٣٤).
- اطلب من الله أن يعطيك القدرة على الغفران، كن مفرحًا لكل من حولك حتى فى أبسط الأحوال واسلك بالتدقيق واجعل كل أوقاتك مقدسة “فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ” (أف ٥: ١٥).
- في هذا اليوم، يوم اللقاء بين المسيح والإنسان المحبوب لديه هذه هي محبته التي فاضت من الصليب، وهذه هي علامة الصليب التي نؤمن بها وبفاعليتها الكبيرة.
- ليباركنا المسيح بكل بركة روحية ويعطينا أن نحمل كل هذه المعاني والمشاعر في حياتنا اليومية لنستعد لفرح القيامة جيدًا ولا ننسى عمل الصليب فينا.
وبدأت عقب العظة صلوات الساعة الأخيرة من سواعي البصخة وهي الساعة الثانية عشرة ساعة دفن السيد المسيح في القبر.
وتَتَتَّبَّع صلوات يوم الجمعة العظيمة بساعاتها الإحدى عشر، خطوات السيد المسيح منذ ليلة الجمعة – يوم صلبه – منذ أن ذهب إلى بستان جثسيماني وانفراده هناك للصلاة، وتُفرِد ساعة مستقلة وهي الساعة الأولى من ليلة الجمعة الكبيرة، لحديثه مع تلاميذه وحديثه الأشهر مع الآب الوارد في إنجيل يوحنا، ثم أحداث القبض عليه وحادثة إنكار بطرس، والمحاكمات التي واجهها طوال الليل واستكمالها في الصباح، والتي انتهت بالحكم عليه بالصلب. ثم جلده والاستهزاء به، وأحداث فترة وجوده على الصليب وموته ودفنه بيد يوسف الرامي ونيقوديموس في قبر جديد.
ويبلغ إجمالي عدد سواعي أسبوع البصخة المقدسة ٥٣ ساعة، تبدأ بالساعة التاسعة من أحد الشعانين وتنتهي بالساعة الثانية عشرة من يوم الجمعة العظيمة.
عظة قداسة البابا تواضروس الثاني في صلوات يوم الجمعة العظيمة 2026
هذا اليوم هو يوم الصليب، نُسمِّيه الجمعة العظيمة، وجمعة الصلبوت، وعيد الصليب. وبرغم تعدد التسميات، فهو يوم الحب العجيب والعظيم.
في مجتمعات كثيرة في العالم يختارون يومًا ويجعلونه عيدًا للحب، أما عيد الحب للإنسانية كلها فهو يوم الصليب المجيد. لذلك نُسمِّي اليوم “عيد الحب الإلهي”، إذ لا يوجد حدث في تاريخ البشرية ظهر فيه حب الله مثل هذا اليوم “يوم الصليب”. فهو يوم اللقاء بين الحبيب والمحبوب، أي بين المسيح الذي قيل عنه: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت”، وبين المحبوب، أي الإنسان الذي خلقه الله وأوجده بمحبته أولًا وأخيرًا.
ونحن نتابع الصلوات والألحان وطقس هذا اليوم، نرى ثلاثة أمور:
١- محبة الصليب
٢- علامة الصليب
٣- فاعلية الصليب
أولًا: محبة الصليب
موت المسيح لم يكن مصادفة، لأنه أتى لأجل هذا اليوم، ونصلي في باكر قائلين: “والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا ورأينا مجده”، وقد رأينا هذا المجد على الصليب.
منذ تجسد السيد المسيح كان الصليب أمامه؛ فعندما وُلد في مذود، وهو المكان الذي توضع فيه الذبيحة، كأنه الحمل الذي يرفع خطية العالم. وعندما كان في عرس قانا الجليل، وجاءت السيدة العذراء تخبره أن ليس لهم خمر، أجابها: “لم تأتِ ساعتي بعد”، وكان المقصود ساعة الصليب.
وصنع آيات كثيرة لأنه جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك. فالخطية منذ أيام آدم، حين انفصل الإنسان عن الله، أصابت فكر الإنسان بالظلام وضميره بالضعف. لقد خلق الله الإنسان في أبهى صورة، لكن ذات الإنسان في آدم وحواء جعلته يكسر الوصية ويخالف الله، بل وكسر قلب الله بمحبته.
فالله خلقنا لأنه أحبنا، والخطية تكسر هذه العلاقة، وإن كانت محبته قد ظهرت بالتجسد، فإنها تضاعفت مرات ومرات عندما صُلب من أجلنا، وصار الصليب محطة الحب للإنسان.
الله لم يُكلِّمنا عن بُعد، ولم يُخاطبنا من السماء فقط، بل أتى إلينا، وتحدث معنا، ومشى على أرضنا، وعطش وشرب من مائنا، وأظهر محبته لنا.
في العهد القديم أرسل الله الأنبياء ليتحدثوا عن محبته، وكانوا يقدمون رسائل وتحذيرات، ويمكن أن نسميهم أصدقاء العريس. لكن “الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء بطرق وأنواع شتى، كلمنا في ابنه الوحيد”. وهذا هو امتياز المسيحية، أن إلهها لم يكن بعيدًا، بل جاء وتجسد على أرضنا.
يا رب، لماذا تحبنا؟ لأننا خليقة يديك ولذتك. لقد خلقتنا بعد أن أعددت لنا كل الخليقة: الأرض والماء والشمس والطيور والحيوانات والنباتات، ثم خلقت الإنسان.
ما أقصى شيء يمكن أن تقدمه لمن تحبه؟
أمران:
أولهما أن تُحسن إليه وتقدم له كل شيء، وهكذا صنع المسيح معنا، إذ قدم لنا العطايا الروحية والمادية.
وثانيهما أن تتألم من أجله وتشاركه آلامه، وهكذا حمل المسيح خطايانا وأوجاعنا وسقطاتنا على الصليب، ودمه يطهر من كل خطية.
صفات هذه المحبة:
- محبة مجانية: تشمل البعيد والخاطئ والفاتر.
- محبة قوية: لنا فيها نصيب ومكان.
- محبة رقيقة: “يا أبتاه اغفر لهم”.
- محبة مملوءة حنانًا: كما مع بطرس بعد إنكاره.
- محبة ثابتة: لا تتغير.
- محبة كالأم: “هل تنسى المرأة رضيعها… أما أنا فلا أنساك”.
- محبة كالأب: “كنت أجذبهم بربط المحبة”.
- محبة كالعريس: “كفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك”.
هذه هي محبة الصليب، والحديث عنها لا ينتهي.
ثانيًا: علامة الصليب
١- علامة علنية: على جبل الجلجثة، ظاهرة للجميع.
٢- سبب فخر: كما حدث مع الملك قسطنطين.
٣- حفظ الجسد: لم تُكسر له عظمة.
٤- حمل اللعنة: فماتت اللعنة على الصليب.
٥- علامة للمصالحة: “وأنا إن ارتفعت أجذب إليَّ الجميع”.
٦- عُلِّق في الهواء: ليغلب سلطان الشر.
٧- يربط السماء بالأرض: “لا تخف لأني فديتك… أنت لي”.
المسيح لم يهرب من الصليب، بل جعله علامة فخر، ونصرخ: “مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ”.
ثالثًا: فاعلية الصليب
١- المحبة:
محبة الله انسكبت في قلوبنا بالروح القدس. العالم يحتاج إلى هذه المحبة وسط النزاعات.
٢- الغفران:
المسيحية ديانة الغفران: “يا أبتاه اغفر لهم”. فسامح وكن قويًا بالمحبة.
٣- الفرح:
“فرح التلاميذ إذ رأوا الرب”. كن سبب فرح للآخرين بالكلمة والعمل.
الصليب له فاعليات كثيرة، لكن هذه أبرزها: المحبة، والغفران، والفرح.
في هذا اليوم، يوم اللقاء بين الحبيب والمحبوب، نرى محبة الصليب وعلامته وفاعليته.
ليباركنا المسيح بكل بركة روحية، ويعطينا أن نحمل هذه المحبة في قلوبنا ونستعد لفرح القيامة.
“حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح”.










