هي الملكة هيلانه التي ولدت عام 247م، حيث شيد ابنها قسطنطين الملك فيما بعد مدينة على اسمها “هيلانوبولي”. كانت متزوجة من القائد الروماني قنسطنيوس كلورس وأنجبت منه ابنها قسطنطين غالبًا عام 274م، ثم انفصلت عن زوجها حوالي العام 293م، الذي مات عام 306م. وفي عام 312م دخل قسطنطين حربًا، وكانت أمه تتضرع إلى الله من أجله، وبينما هو يصلي قبل الحرب رفع نظره نحو السماء فرأى في كبدها صليبًا يتلألأ عليه هذه العبارة: “بهذه العلامة تنتصر”، ولما عرف المعنى وقيمة ما رأى، حفر هذه العلامة على خوذته وحمل كل جيشه هذه العلامة ودخل الحرب وانتصر في واقعة قوية ضد عدوه المعاند وتمكن من فتح مدينة روما. وبعد ذلك أقيم له قوس نصر فخم في روما كتب عليه: “الإمبراطور قسطنطين العظيم السعيد السامي المقام”، كما نصب له سكان المدينة تمثالاً ذهبيًا حاملاً بيده صليبًا طويلاً مكتوب أسفله: “بهذه العلامة الخلاصية سمة الشجاعة الحقيقية عتقت مدينتكم من نير الجور والذل”.
ويقال إنه تعمد بعد ذلك، وإن كانت بعض المراجع تقول إنه كان يود أن يعتمد في مياه الأردن كما فعل السيد نفسه، ولذلك أرجأ هذه الرغبة ونالها قبيل وفاته بقليل.
على أنه عام 313م أصدر منشور ميلان للتسامح الديني وبه صارت المسيحية ديانة معترف بها في أنحاء الإمبراطورية الرومانية بل وصارت الديانة الرسمية للإمبراطورية…
ثم جاءت أحداث مجمع نيقيه الذي دعا فيه كل أساقفة الدنيا لمناقشة هرطقة أريوس القس السكندري، وافتتح المجمع المسكوني الأول عام 325م الذي صار مؤسسة جديدة في الكنيسة المسيحية، وقد وضع 20 قانونًا لنظام الكنيسة وطقوسها من بينها تحديد موعد عيد الفصح الذي أقر بأن كنيسة الإسكندرية هي التي تعتمد الموعد الرسمي لعيد الفصح كل عام نظرًا لتفوق أعلامها في أمور الفلك والرياضيات.
بعد ذلك نقل قسطنطين قاعدة الإمبراطورية من روما (التي ظلت عشرة قرون عاصمة الدولة الرومانية) إلى بيزنطة حيث تلتقي أوروبا بآسيا. ويقال إن السبب أنه لم يشأ السكنى في روما لئلا يزاحم البابا الروماني في سلطته الدينية، وعليه جعل له نائبًا في روما لتدبير أحوال المدينة وانتقل إلى القسطنطينية حيث اتخذها عاصمة جديدة وقام بتجديدها في أسوارها وأبوابها وحصونها وقصورها وميادينها وطرقاتها واضعًا لها بنفسه أسسها ورسمها ودعاها باسمه “القسطنطينية”، وخصصها بلقب “روما الجديدة”، ودشنها عاصمة في 11 مايو 330م، ونصب في ساحتها تمثاله وبجانبه تمثال أمه وبين التمثالين صليبًا كبيرًا مطعمًا بزينة فاخرة كتب عليه: “أنت وحدك قدوس. أنت وحدك الرب يسوع المسيح في مجد الله الآب. آمين”.
وأمر بجعل الصلبان والأيقونات في جميع الشوارع والساحات، وشيد كنائس عظيمة في أنحاء المدينة، وفي احتفال عظيم كرس المدينة كلها للعذراء مريم، وبذلك صارت الإمبراطورية الجديدة التي دشنها قسطنطين: مسيحية في عقيدتها – يونانية في لغتها – شرقية في اتجاهها. وقد دامت حوالي أحد عشر قرنًا وربع القرن.
أما الأم هيلانه فقد قبلت المعمودية حال ظهور علامة الصليب لابنها قسطنطين الذي مكنها من خزائن الإمبراطورية فراحت توزع بسخاء الصدقات والهبات على الأرامل والأيتام والفقراء، وتغدق العطاء على الكنائس، كما اهتمت بتشييد العديد من الكنائس في مكان قبر المسيح وفي بيت لحم وجبل الزيتون، وكذلك فعل الملك قسطنطين، ومن أشهر ما قام بتشييده كنيسة المخلص في روما في مكان قصره اللاتراني واعتبرها رأس جميع الكنائس وأمها وتاجها وقمة الديانة المسيحية. وكذلك كنيسة الرسل وكنيسة السلام وكنيسة الملاك ميخائيل وهذه الكنائس الثلاث بالغة الروعة في القسطنطينية.
وفي عام 326م وبعد نحو عام من انعقاد مجمع نيقيه المسكوني الأول، قصدت هيلانه أورشليم وراحت تفتش على خشبة الصليب الذي صلب عليه الرب يسوع، وساعدها في ذلك القديس مكاريوس أسقف أورشليم وقتذاك، وبعد أن وجدته أخذت جزءً منه لابنها قسطنطين وجعلت الجزء الآخر منه في خزانة وضعتها في الكنيسة التي أشرفت بنفسها على بنائها في مكان قبر يسوع.
وفي عام 328م رقدت هيلانه بسلام على ذراعي ابنها وهي تباركه، حيث شيد لها قبرًا فخمًا في القسطنطينية. أما هو فقد عاش حتى عام 337م حيث رقد في نيقوميدية وحفظ جثمانه ونقل إلى القسطنطينية حيث أودع في كنيسة الرسل وهي التي قام ببنائها.
لقد آمن قسطنطين وهيلانه بالمسيح إيمانًا مثمرًا وانتفعت الكنيسة بثمار هذا الإيمان في نواحي كثيرة، ولذلك لهما المديح في مناسبات وتذكارات معظم كنائس العالم. إنها هيلانه الشريفة البارة وقسطنطين أول ملوك المسيحيين.
This page is also available in:
English


