هو الأصحاح رقم (19) في نبوة سفر إشعياء في العهد القديم.
يعتبر إشعياء النبي هو عملاق التاريخ اليهودي، ويسميه المفسرون “النبي الإنجيلي”، وأحيانًا يطلقون عليه شكسبير الأدب اليهودي باعتبار أن شكسبير أفضل كاتب ظهر في العالم.
أما نبوة إشعياء فهي 66 أصحاح، وهو نفس عدد أسفار الكتاب المقدس (بدون الأسفار القانونية الثانية). وهذا السفر شاهد عيان على مساحة واسعة من التاريخ تمتد إلى ستين عامًا (من 740ق.م. إلى 680ق.م.). والأصحاح 19 هو أصحاح مصر حيث تكرر اسم مصر 21 مرة، وبذلك يعتبر أكثر أصحاح في الكتاب المقدس يذكر فيه اسم “مصر”.
وعادة تشير مصر رمزيًا في الكتاب المقدس إلى:
أ. قوة العالم وخصوبة الأرض وإغراءات العالم.
ب. ملجأ وأمان في أزمنة الجوع والحرمان كما في أيام يوسف الصديق.
ج. موضع العبودية حيث قساوة فرعون الذي يرمز إلى الشيطان.
ولهذا الأصحاح أهمية خاصة إذ يشير إلى تأسيس كنيسة مصر قبل الميلاد بحوالي سبعة قرون “فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا” (إش 19:19).
أما المذبح فهو الموجود في دير القديسة مريم العذراء والشهير بالمحرق في أسيوط، وهو آخر نقطة وصلت إليها العائلة المقدسة على أرض مصر، حيث سكنت في هذا الموضع حوالي ستة أشهر، وصار الحجر فيه مذبحًا مدشنًا بوجود السيد المسيح فيه طفلاً مع العائلة المقدسة.
وأما العمود فهو القديس مارمرقس الإنجيلي الذي ولد في ليبيا ودخل إلى الحـدود المصــرية الغربيــة (عَمُـودٌ عِنْدَ تُخْمِهَا) حيث يطلق على تلاميذ المسيح أنهم أعمدة الكنيسة.
معنى ذلك أن الكنيسة المصرية تأسست بنبوة قبل ميلاد السيد المسيح بسبعة قرون، وكذلك بزيارة العائلة المقدسة في القرن الأول الميلادي، ثم يضاف إلى ذلك كرازة مارمرقس واستشهاده على أرض مدينة الإسكندرية عام 68 ميلادية.
ونستنتج من ذلك أنه لا توجد كنيسة في العالم تأسست من خلال هذه الثلاثة أحداث الزمنية إلا الكنيسة المصرية.
والمدهش في هذا الأصحاح هو الآية الأولى القائلة: “هُوَذَا الرَّبُّ رَاكِبٌ عَلَى سَحَابَةٍ سَرِيعَةٍ وَقَادِمٌ إِلَى مِصْرَ، فَتَرْتَجِفُ أَوْثَانُ مِصْرَ مِنْ وَجْهِهِ، وَيَذُوبُ قَلْبُ مِصْرَ دَاخِلَهَا”، وهو ما حدث بالضبط لأنه عند دخول العائلة المقدسة إلى مصر وترحالها من موضع إلى آخر سقطت الأوثان والأصنام على الأرض وبعضها في مكانه حتى الآن.
وهذا الحدث هو إعلان عن بداية المسيحية على أرض مصر بعد انتهاء أي عبادة وثنية.
ويقول في الآية 20: “فَيَكُونُ عَلاَمَةً وَشَهَادَةً لِرَبِّ الْجُنُودِ فِي أَرْضِ مِصْرَ”، ومعروف أن مصر بلد فريد في موقعها وتاريخها وجغرافيتها، وهي أكثر بلد قدم شهداءً في العالم والتاريخ المسيحي، كما أنها قدمت علماءً في اللاهوت، ونساكًا في الرهبنة، وشهداءً على مر العصور من أجل الإيمان والعفاف.
ويكمل في الآية 21: “فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ، وَيَعْرِفُ الْمِصْرِيُّونَ الرَّبَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً، وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ”. هذه هي المعرفة الروحية في مصر كما نرى في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية وامتداد المعرفة في العبادة الروحية لأن كنيسة مصر أكثر كنيسة تعرف التقدمات والنذور وإقامة الأسرار الكنسية على الدوام.
وفي الآية 22 يقول: “وَيَضْرِبُ الرَّبُّ مِصْرَ ضَارِبًا فَشَافِيًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى الرَّبِّ فَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَشْفِيهِمْ”، والمعنى أن الله يضرب لكي يشفي فيصير الضرب علاجًا وليس عقوبة. إنه للتأديب وليس للهلاك. مثلما تعرض أيوب الصديق إلى تجربة شديدة لكي يشفى من خطية البر الذاتي، وفي نهاية التجربة قال “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي” (أي 42: 5).
ويختتم هذا الأصحاح بالآية 25: وفيها كانت الكلمات الخالدة “مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ” وهي كلمات ذهبية عن مكانة مصر وشعبها في قلب الله، وكيف أن مجيء السيد المسيح وتجسده هو الذي جعل الكل أعضاءً في كنيسة واحدة بروح الحب والوحدانية لأنه مكتوب: “هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ” (يو 3: 16).
تذكر عزيزي القارئ أن المسيحية دخلت كل دول العالم، ولكن امتياز مصر بالأكثر أن السيد المسيح زارها وعاش فيها قرابة 3 سنوات وستة أشهر وعشرة أيام.
حقًا مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ.
This page is also available in:
English


