هي رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل مدينة أفسس. كتب هذا القديس 14 رسالة تحوي مائة أصحاح وهي من أسفار العهد الجديد. ورسالة أفسس من بين هذه الرسائل وقد كتبها وهو في السجن في روما. وعلى غير عادته لم يعالج مشكلة أو يشرح عقيدة أو يجيب عن سؤال كما فعل في معظم الرسائل الأخرى، ولكنه كتب رسالة أفسس حبًا في المسيح وحبًا في شعب مدينة أفسس التي مكث فيها أثناء خدمته حوالي ثلاث سنوات. ولم تحظ أية مدينة أخرى خلال خدمته بهذه الإقامة الطويلة فيها. وكلمة أفسس تعني المحبوبة أو المرغوبة. ومن هنا صارت رسالة أفسس الرسالة المحبوبة.
هي رسالة تعبدية وليست جدلية، وهي خالية من العواطف الشخصية إذ لم يقل فيها “سلموا على فلان” مثل رسالة رومية مثلاً، كما أن الرسالة تشرح الكنيسة باعتبارها السماء وأن المسيح هو أبونا الفادي، وأن عمل الشيطان هو أن يحرمنا من السماء. والبعض من الآباء يرى الرسالة كأنها قصرًا عظيمًا به ست قاعات تشرحها أصحاحات الرسالة الستة، وكلها تحت عنوان “الكنيسة جسد المسيح”، وكل عضو فينا هو عضو في هذا الجسد. والغريب أن يختم الرسالة مرتين بكلمة “آمين” مرة في نهاية الأصحاح الثالث، والمرة الأخرى في نهاية الأصحاح السادس. وكان الجزء الأول نظريًا والجزء الثاني عمليًا.
وهي بالحقيقة رسالة محبوبة إذ نأخذ منها جزءً نصلي به يوميًا في صلاه باكر: الأصحاح الرابع (1-5) “أسْألْكُمْ أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ…”، كما نعتبرها جوهرة رسائله الأربعة عشر حيث: أسس كنيستها في رحلته الثانية عام 54م (أعمال الرسل 18)، ومكث بها ثلاث سنوات في رحلته الثالثة (أعمال الرسل 19)، وسجل خطابًا وداعيًا رائعًا إلى قسوس الكنيسة (أعمال الرسل 20)، وكتب رسالته في السجن في روما عام 63م قبل استشهاده بسنوات قليلة.
لقد كانت أفسس واحدة من أهم خمس مدن في الإمبراطورية الرومانية (روما/ كورنثوس/ الإسكندرية/ أنطاكية/ أفسس)، كما أن أفسس اشتهرت بخمس معالم معمارية وهي: هيكل أرطاميس (آلهة القمر) – بيت المال والتجارة المتنوعة – متحف التماثيل بارعة الروعة والإتقان – ملجأ المجرمين الهاربين إلى هيكلها – مسرح للأنشطة الرياضية مثل مصارعة الثيران.
وترجع أهمية هذه المدينة أنها كانت مسرحًا لأحداث تاريخية كثيرة، فهي مسقط رأس فيثاغورس عالم الرياضيات الأشهر، كما أن فيها كتب يوحنا الرسول بشارته اللاهوتية ثم سفر الرؤيا ثم تنيح فيها. وأيضًا انعقد فيها المجمع المسكوني الثالث عام 431م .
وإذا أردت صديقي القارئ أن تعيش هذه الرسالة المحبوبة فإني أشير عليك بأن تبدأ قراءتها مرة واحدة في جلسة واحدة، وضع خطًا تحت بعض الكلمات التي تجعلك تفكر وتتأمل فيها أکثر، ثم ابدأ بدراسة كل جزء على حدة بإمعان وتركيز وصلاة. وأرجو أن تلاحظ أن عبارة “قديسين” تكررت 14 مرة في الرسالة ويقصد بها جميع المؤمنين الصغار والكبار، البتوليين والمتزوجين، فالله يعطي روح الرجاء دائمًا، وبالتالي نجاهد روحيًا، وهو يعمل فينا فنصير مقدسين في المسيح يسوع. ويقول القديس أوغسطينوس في ذلك: “هو الطريق البداية والنهاية والمنتصف لا أحد يحملني غيرك. أنت تأخذني على ذراعيك وتدخلني إليك”.
ويمكن أن ندرس هذه الرسالة تحت ست كلمات أساسية هي:
1- اعلموا بركات المسيح فالهدف أن تدخل في علاقة معرفة شخصية مع المسيح المحبوب في قلوبنا، وكما عبر أيوب الصديق ذات يوم وقال: “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي” (أيوب 5:42) .
2- اذكروا اختبار الخلاص الثمين على الصليب، وكيف وحَّد الجميع فيه وصار لنا فيه وحدة واحدة لكل من قبل هذا الفداء العظيم بالصليب المجيد.
3- لا تكلوا في المعرفة فالحياة الروحية عمل دائم ومستمر بلا كلل ولا ملل. تذكر أن بولس الرسول كتب هذه الرسالة وهو في السجن مربوطًا بالسلاسل ولكنه كان في فرح عظيم كما سجل اختباره الروحي في رسالة فيلبي التي كتبها أيضًا في السجن.
4- اسلكوا كما يحق ويضع خطوات لهذا السلوك الروحي، ثم يستكمل في نصف الأصحاح الرابع “لا تسلكوا” لكي يحذرنا من الكسل وتقليد الأمم الأخرى وأننا قد نحزن روح الله القدوس بالسلوك الخاطئ.
5- اسلكوا في النور بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء، ومن هذا الأصحاح نقرأ فقرة مهمة تقال دائمًا في صلوات سر الزيجة المقدس والذي به يبدأ بناء بيت جديد.
6- اثبتوا والبسوا سلاح الله الكامل في خبرة الحياة الكنسية التي نعيشها في العبادة العامة والعبادة الخاصة بالجهاد الروحي الممتع من خلال الكنيسة وعقيدتها وطقسها.
أتركك عزيزي القارئ مع هذه الكلمات المحيية في الرسالة المحبوبة لتعيش خبرة عملية في حياتك وخدمتك وكيف تسعى نحو الأبدية السعيدة، ويكون تدريبك خلال صوم الرسل هذا العام أن تقرأ هذه الرسالة بتركيز وتأمل وتعيش فيها.
This page is also available in:
English


