هناك كلمتان في اللغة العربية الفرق بينهما نقطة واحدة في التركيب اللغوي ولكن شتان في المعنى بين الأولى والثانية: الكلمتان هما “إيداع وإبداع”. الأولى تعني الجمود ووضع الأشياء كما هي دون تطوير أو تجديد، والثانية تعني الانطلاق بالفكر نحو التجديد والتطوير والتحديث والابتكار. وهذه المعاني يمكن أن تنطبق في مجالات الحياة العديدة كالتربية والتعليم والخدمة والإدارة والمجتمع. وأريد في هذا المقال أن نقف سويًا أمام كل كلمة والتطبيقات المناسبة.
أولاً: في مجال التربية داخل الأسرة
لكل زمان معطياته في التربية، وأدواته، ولا يصح أن تكون أساليب قديمة ومفاهيم كانت تناسب أجيال سابقة، أن تكون صالحة أو مناسبة بنفس الكيفية.. فالصيغة التي يربي بها الآباء أبناءهم قائلين مثلاً: “أنا لما كنت في سنك كنت أفعل كذا وكذا…” لا تستقيم في زماننا الحاضر.. أجيال هذا الزمان تحتاج إلى مزيد من وقت الوالدين، وهذا الوقت يمتلئ بالحوار والحب والتشجيع والإنصات وتبادل الخبرات بين الكبار والصغار والشباب .. إن أسلوب الأوامر والسيطرة لا يجدي في هذا الزمان بل قد يأتي بنتيجة عكسية.. المهم مساعدتهم على فهم الحياة والحاضر والعمل للمستقبل بأفكار جديدة ومفاهيم جديدة مبتكرة تناسب تطلعاتهم ورغباتهم.
ثانيًا: في مجال التعليم العام بالمدرسة
طريقة الإيداع تعني التعليم في اتجاه واحد من المعلم إلى المتعلم، وهذه الطريقة تعني أن المعلم يصب علمه ومعرفته في عقل المتعلم الذي يعتبره فارغًا أو ناقصًا. ويسمى هذا النوع من التعليم “تعليم القهر” لأنه في اتجاه واحد، إنه تعليم التلقين من أعلى (المعلم) إلى أسفل (المتعلم) دون إعطاء أي فرصة للمتعلم أن يتكلم. وهذا النوع من التعليم ينشئ “حافظين” وليس مفكرين، وسرعان ما ينسى المتعلم ماذا تعلم، وتمضي حياته دون أي تقدم.
أما تعليم الإبداع فهو يتم في اتجاهين بين المعلم والمتعلم، ويعتمد على الحوار والمناقشة والاستماع والتفاعل بين الطرفين، ولذا يسمى “تعليم الحرية”، وهو الذي ينشئ مفكرين مبتكرين، وبالتالي التقدم والابتكار عبر السنين. وعلى سبيل المثال هناك طريقة السؤال والجواب أو السؤال واختيار الإجابة من متعدد، وهذا يمنح فكر المتعلم أن يتفاعل ويختار ويقرر ما هو “صح” وما هو “خطأ”، بالتالي يتعلم كيف يفكر وكيف يبدع.
ذات يوم طلبت المعلمة من تلاميذ فصلها (الصف الرابع الابتدائي) أن يرسموا وجه إنسان، وكان عددهم 50 تلميذًا. فرسم الجميع وجه إنسان بكل مكوناته من شعر وعينان وأنف وفم وأذنان، ما عدا تلميذًا واحدًا رسم رسمًا غريبًا، فسألته المعلمة: ماذا الذي رسمته؟ فأجاب: إنه رأس وجه إنسان ولكن من الداخل. هكذا فكر وهكذا انفرد بهذا الرسم الذي اعتبرته متميزًا ومفكرًا بخيال واسع ولذا استحق من المعلمة أن تشجعه وتعتبره هو الأول على الفصل.
ثالثًا: في مجال الخدمة الكنسية
خاصة مجال التربية الكنسية والذي فيه تتشكل عقول وقلوب النشء بما يقدم لهم. وما ينطبق على مجال التعليم العام ينطبق على مجال التعليم الكنسي. ورغم أنه توجد وسائل تعليمية أو وسائل إيضاحية بأفكار عديدة للدروس الكنسية إلا أن النجاح الحقيقي هو في وجود الخادم أو الخادمة الذي يحب المخدومين وتصل لهم رسالة الحب واضحة وحقيقية.. فالوسائل المستخدمة للشرح ورقية كانت أو تكنولوجية لا تفي بالغرض الأساسي إلا من خلال محبة الخادم التي تظهر منه لأبنائه سواء بالابتسامة أو الترحيب أو الاحتواء أو التشجيع أو المشاركة الفعلية معهم مما يسهم في اكتشاف قدراتهم ومواهبهم والاستثمار فيها لنمو شخصياتهم بصورة سوية ومتوازنة.
أتذكر خادمًا وكان ممتلئ الجسم، فكان يستخدم صدره وبطنه وكأنه “سبورة وبرية”، يضع الصور عليه وهو يتحرك يمينًا ويسارًا بصورة تجعل المخدومين في حالة تفاعل ودهشة معه.
والإبداع ليس فقط في الدروس والتعليم ولكن أيضًا في الترانيم ذات الروح الكنسية مثل: “كنيستي كنيستي كنيستي هي بيتي وهي أمي وهي سر فرح حياتي”، ومثل ترنيمة “نقطة ميه رايحة وجاية في نهر الأردن وما وقفتش” وغيرها الكثير..
وخادمة أخرى تأتي في كل مرة ومعها رسم لقلب كبير يمثِّل قلب المسيح وتكتب أسماء بناتها في قلوب صغيرة وتضعها أمامهن في قلب المسيح الكبير عندما تريد أن تأخذ الغياب في فصلها.
رابعًا: في مجال الإدارة والعمل
الإدارة الإبداعية هي مفتاح النجاح في العمل سواء في الشركات والمصانع الصغيرة أو العملاقة. ودائمًا سوء الإدارة يجلب الخسائر، وحسن الإدارة يأتي بالمكاسب المادية والمعنوية. والمدير المبدع في مجال عمله دائمًا ناجحًا بل وتتخاطف الشركات على جذبه ليعمل لصالحها. أما المدير التقليدي والمتمسك باللوائح والقوانين الجافة فغالبًا لا يحقق نجاحًا أو تقدمًا بل ويشعر أن العمل عبء عليه كما أن العاملين معه لا يستحسنوا وجوده معهم ..
من قصص الإبداع أن شخصًا تم تعيينه “عمدة” في مدينة ألمانية، وقد وجد أنه لا توجد ميزانية عمل معه.. ففكر في فكرة تأتي له بالمال وكانت الفكرة: أن يبيع أسماء الشوارع في تلك المدينة لمن يريد أن يطلق اسمه عليها ولمدة محددة.. وتمم الأمر ووجد قبولاً ونجاحًا وجاء إليه المال الذي أنفقه في تطوير مدينته.. هكذا أبدع بفكرة بسيطة.
وآخر استغل أن كل إنسان يضع قدمه في الحذاء الجلد حوالي عشر ساعات كل يوم، ففكر كيف يستخدم الحرارة المتولدة من قدمه داخل الحذاء لتكون مصدر للطاقة وشحن الموبايل الخاص به ونجح بإبداعه.
وثالث في أحد مصانع الأدوية حيث أنتجوا حقن فيتامين سي في زجاج شفاف، وكان هذا بطريق الخطأ لأن الواجب أن ينتج في زجاج عسلي اللون لكي يحفظ المادة الفعالة وقتًا كافيًا، وكان القرار الطبي هو إعدام كل هذه الكمية الكبيرة من الإنتاج وبالتالي خسارة فادحة. وجاء عامل ففكر وحل هذه المشكلة وتفادى إعدام الدواء بأن اقترح لف كل أمبوله حقن بورق شفاف عسلي اللون، وتم إنقاذ كمية الدواء بحل إبداعي بسيط جدًا ونجح بإبداعه.
خامسًا: في مجال المجتمع والوطن
الإبداع في تطوير المجتمع مطلوب جدًا لصالح الوطن. والمقصود هو أفكار جديدة تضاف لمسيرة الوطن، وعلى سبيل المثال فكرة “تكافل وكرامة” لخدمة ذوي الدخل المحدود، وكذلك مشروع “حياة كريمة” لتطوير الريف المصري.
ومن الأمثلة الإبداعية البروفيسور مجدي يعقوب واختياره أسوان ليبدأ مشروع مستشفى ومعهد أبحاث القلب وبالمجان، ونجح وامتد المشروع حاليًا إلى القاهرة. ومثال آخر تميز اللاعب محمد صلاح بشخصيته الراقية في مجال كرة القدم على المستوى المحلي والدولي، وغير ذلك أمثلة عديدة.
دائمًا نبحث عن الطبيب الشاطر أو المهندس الشاطر أو المحامي الشاطر والمدرس الشاطر.. وغيرهم. وكلمة “شاطر” تعني مبدع ويطور نفسه وشخصيته دائمًا، بالقراءة والبحث والالتزام والاجتهاد على الدوام… وحقًا قالوا إن “يد الكسلان لا تمسك صيدًا”.
کن مبدعًا في مجال عملك ومجال دراستك ومجال خدمتك وأيها الحبيب أروم أن تكون ناجحًا في كل شيء .


