الأب هو الوالد أو المربي. وقد ظهرت هذه الكلمة في عدة أشكال أخرى سواء لغوية أو كنسية أو رهبانية مثل: أبَّا abbaبتشديد الباء وهي آرامية النطق. وكذلك كلمة أبوت abbot وهو رئيس أي رهبانية غربية. أيضًا الأبا apa وهي قبطية بمعنى “أب” وتستخدم للنداء في صعيد مصر حتى الآن. ومثلها كلمة أنبا abba وهي قبطية وتعتبر لقب اختص به الآباء الأساقفة في الكنيسة القبطية، والبعض يقول إنها ذات أصل سرياني تعني الأب والمعلم. وهناك أيضًا کلمة “أبونا” وهو اللقب الذي يطلق بوجه عام على الكهنة والرهبان في الكنيسة القبطية، وكذلك يطلق على البطريرك في الكنيسة الإثيوبية.
والله أبونا ونخاطبه في الصلاة “أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ…” (متى 6: 9)، لأنه الخالق الذي يعرف كل شيء عنا وكل شيء مكشوف وعريان أمامه، وهو الذي أحبنا قبل تأسيس العالم، بل هو أصل الأبوة التي وهبها لكل أب وكل أم، وبهذا الحب الباذل قدَّم نفسه لأجلنا: “لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ” (يوحنا 3:15). ولذلك فهو قوتنا وحمايتنا وملجأنا في أوقات الشدة والضيق، كما أنه محب البشر، حتى الخطاة فيهم، حيث يطيل أناته على أبنائه في ضعفاتهم وسقطاتهم، ويتحنن كثيرًا ويقبل رجوعهم وتوبتهم. وقمة عطاياه هي المغفرة التي يمنحها لكل تائب وراجع إليه، وهذا غير عطاياه المادية والروحية الكثيرة في كل صباح.
الكلمة “أب” بالإنجليزية Father: تتكون من ستة أحرف تحكي وتشمل غنى المعاني في كلمة “أب” كما يلي:
الحرف الأول F: وهو اختصار Friend = صديق أو رفیق.
الأب هو أولاً الصديق المقرَّب جدًا لابنه، ويعتبر مصدر الحب، والحب هو الاحتياج الأول للإنسان في كل وقت، ويظهر هذا في رفقة الابن دائمًا بالحنان والمودة والتشجيع والإنصات. ويظل عطاء الأب كصديق لابنه طوال حياته وخاصة في صغره. والأب الصديق يرى ابنه امتدادًا طبيعيًا له دون أن يصنع منه نسخة من شخصيته فيه، بل يساعده ويسنده على أن ينمو بكامل شخصيته وفرادته كما خلقه الله، وهذا نراه في قديسين كثيرين تلمذوا آخرين وصاروا أبناء وأصدقاء ولكل منهم شخصيته التي احترمها الأب في مسيرته مع ابنه.
الحرف الثاني A: وهو اختصار Adviser= ناصح أو مرشد.
وهو الإنسان الذي يحتمل ابنه بطول أناة واحتواء واحتضان لكي يستطيع الابن أن يلجأ إليه طالبًا الإرشاد والنصح والمشورة. والله “لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ” (1تيمو 1: 7). والأب المرشد يعرف فن الإرشاد وتقديم النصيحة التي تبني وتساعد الابن على النمو الهادئ المقنع، بلا عنف أو ضغط، وبلا لعب بالألفاظ أو العبارات، بل بالنعمة والحكمة والرأي السديد. والأب الحكيم يعرف قيمة الوقت وأنه أغلى هدية يمنحها إلى الابن الذي يحبه ويلجأ إليه في سهولة ويسر دون أي خجل. الأب هنا فاتح أحضانه على الدوام.
الحرف الثالث T: وهو اختصار Teacher = مدرس أو معلم.
المعلم الأب هو الذي ينقل خبرة الحياة إلى ابنه بكل حكمة وتصرف حسن وليس بالأوامر أو بالقرارات. والأب يحتاج هنا أن يكون متزنًا بين اللطف والحزم، بين التشجيع والعتاب، بين التماس الأعذار والتوبيخ. والأب المعلم هو الذي يتعلم من أبنائه خاصة مع تطور الأجيال وظهور الأجيال الرقمية مع التكنولوجيا المتسارعة جدًا. يجب أن يكون الأب مصدرًا للمعرفة والمعلومات وخبرات الحياة، وهذه كلها يقدمها إلى ابنه وهو يعلمه بكل حب وبشاشة وإحساس، في حين أن المواقع الإلكترونية قد تقدِّم نفس المعارف والمعلومات ولكن دون حب.
الحرف الرابع H: وهو اختصار Hero = بطل أو قامة عالية.
أي ابن ينظر إلى أبيه على أنه بطل يستطيع كل شيء، وهذا يحتاج أن يكون الأب متواضعًا بصورة إيجابية في كلامه وتعليمه وتصرفاته، ويتجنب أن يجرح صورة البطل في عين ابنه بالكذب أو بعدم الشفافية أو التلفظ بما لا يليق أو بالخشونة معه أو مع غيره. وإذا كان الأبناء صغارًا فلا يجب مناقشة المشكلات أو المواقف الصعبة التي تواجه الأسرة أمامهم حتى لا تهتز هذه الصورة لديهم. والأب البطل يحنو على أبنائه ويساعدهم بالهدوء والروية على إنجاز ما يطلب منهم مع إدراك قدراتهم ومهاراتهم المناسبة لذلك.
الحرف الخامس E: وهو اختصار Example = مثال أو نموذج دائم.
الأب النموذج والمثال هو المشجع دائمًا على أي تصرف يخرج من الابن، ويقدم نفسه مثالاً، يعلِّم الأبوة بالصمت والتصرف الحسن، فإن الابن يتعلم من المثال الذي أمامه في أبيه، خاصة أن الأب في هذا المجال يمثل الله ومحبته وكيف يتعامل وكيف سيتعامل مستقبلاً معه، والمسيح ذاته قال يومًا لنا: “تَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ” (متى 11: 29).
الحرف السادس R: وهو اختصار Role Model = القدوة النقية.
الأبوة مشاعر حب نقية نحو الأبناء بلا تمييز، والقدوة هنا خالية من أي غرض شخصي لأن الابن أو الابنة هما أمانه عند الأب يجب الحفاظ عليهم في سيرة نقية طاهرة. ولذلك إن حارب الشيطان الأب بأي فكر غريب نحو أبنائه يجب أن ينتبه لذلك ويقطعه في الحال ويضع حدودًا لكل المعاملات. كثيرون تعلموا بالقدوة فقط دون أية كلمة، تعلموا بالملاحظة والمراقبة والتسليم الهادئ للحياة، وليس من الآخرين أو من الأجهزة التي بين أيدينا، هذه القدوة تكون بلا أنانية أو شهوة أو عنف أو تدليل، وبلا تعلق أو قلق أو اكتئاب.
وبالاختصار كلمة “أب” مكونة من حرفين معناهما: “أنا بحبك” يقولها الأب لمن يخدمهم ومن يربيهم وكل من يتعامل معهم، هذا هو الأب.
This page is also available in:
English


