“أَمَّا أَنَا فَصَلاَةٌ” (مزمور 109: 4)، كلمات قالها داود النبي صاحب المزامير والصلوات الروحانية التي تفيض بكل المشاعر الإنسانية.
وهذا التعبير “أَمَّا أَنَا فَصَلاَةٌ” تعبير روحاني سامي للغاية، يعبِّر عن استغراق الكيان الإنساني جسدًا وروحًا ونفسًا وعقلاً وشعورًا وإحساسًا في العلاقة التي ينفرد بها الإنسان، وهي إمكانية تواصله مع خالقه في أي وقت وبأي شكل، بحيث يتكون لدى الإنسان ذلك الخيط الرفيع والقوي المتصل بين الأرض والسماء، يحمل الطلبات من الأرض ويأتي بالاستجابات من السماء في تناغم وإحساس عميق مشبع للإنسان السائر في طريق الأبدية.
كان داود النبي قبل المسيح بألف عام ومن وقتها صارت الصلوات والتنهدات والطلبات والتضرعات اختيار الإنسان في حياته وعباداته التي يرفعها كل حين.
ولما جاء السيد المسيح أرضنا وصار معنا وتجسد وتأنس وصلب ومات مقدمًا الخلاص للإنسان الغارق في الخطايا صار يتمتع باللقاء مع الله في صلوات تنم عن محبة الإنسان لله، وتنوعت هذه الصلوات شكلاً وموضوعًا وصارت لذة الإنسان الحقيقية هي في الصلاة بالتسابيح والمدائح والترانيم والأناشيد بنغمات عديدة ومتنوعة.
وعبر السنين والقرون واختبارات الآباء في الصلاة وروحانية الصلاة وفعل الصلاة وعمل الصلاة وكلمات الصلاة ونغمات الصلاة.. شكلت جميعها كنزًا غاليًا لكل مسيحي يعيش حياته الأرضية وفي نفس الوقت يتمتع بلمسات سماوية وانتعاشة قلبية لا يمكن وصفها بالتدقيق ولكنها مزيج من الفرح والسعادة والتعزية والشبع الجواني.
والصلاة بأي شكل لا تكون حقيقية ومقبولة إلا إذا صدرت من قلب محب وإيمان داخلي واشتياق صادق.. ولذا تنوعـت في أشكــال كثيرة.. فهنــاك صـلاة الكلمة الواحدة وهي: يارب ارحم = كيرياليصون وهي التي نرددها كثيرًا في حياتنا وكنائسنا، وهناك “صلاة يسوع” التي هي جملة واحدة، وهناك صلوات المزامير والتي نظمتها الكنيسة في كتاب الأجبية (صلوات الساعات) والمرتبطة بمراحل حياة السيد المسيح على الأرض، وهناك صلوات بالموسيقى والنغمات نسميها الألحان والترانيم بكل أشكالها وموسيقاها، وهناك صلوات تستخدم فيها الحركات مثل السجود والميطانيات ورفع الأيادي وغلق العين، وهناك صلوات الدموع والصمت دون أن تصدر الكلمات كما قال المرنم: “مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ…” (مزمور 130: 1).
وأريد في هذا المقال أن أركز على “صلاة يسوع” والتي لها أسماء أخرى مثل: الصلاة القصيرة – الصلاة السهمية – صلاة القلب – صلاة يسوع – الصلاة المتكررة – الصلاة الدائمة.. إلخ. وهذه الصلاة صالحة لجميع المؤمنين صغارًا وكبارًا، وصالحة أيضًا للرهبان والعلمانيين حيث يسمح الإنسان لله أن يسكن في عقله وقلبه وكل كيانه. فهي صلاة وعهد واعتراف بالإيمان وتطهر القلب وتخرج الشياطين، وهي ينبوع التأملات والأفكار المقدسة، كما إنها إشراق للاستنارة الباطنية، وينبوع للرحمة الإلهية. فيها “يسوع” اسم الله الذي به الخلاص “لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ” (أعمال 12:4).
ويقولون عن هذه الصلاة أنها ملجأ للمتراخين في حياتهم الروحية أو الضعاف بصفة عامة، وحسب تدبير الآباء فهي علاج روحي إن استمر الإنسان عليها ونما فيها وسط اهتماماته الخارجية. ومن خلالها يستطيع الإنسان أن يدخل إلى العمق، لأنك يجب أن تعلم عزيزي القارئ أن قوة هذه الصلاة ليست في تكرار كلمات معينة، بل في تحول العقل والقلب نحو الله عند ترديد هذه الكلمات، أي في الجهد الروحي المصاحب لكلمات الصلاة. يقول بولس الرسول: “أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي… أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ” (1كورنثوس 19:14). لذا تحتاج تنقية العقل والقلب لترديد هذه الكلمات القليلة مكررًا إياها من أعماق القلب بدون توقف حتى تتحول الصلاة إلى ترنيمة مصاحبة لنبضات القلب عند الإنسان، لأن الهدف الأسمى لهذه الصلاة القصيرة هو تعميق الفكر في الله والإحساس به، أما التكرار الآلي لها فلا يؤدي إلى شيء.. كذلك فإن القراءات الروحية -الإنجيلية والآبائية- تزيد معرفة النفس في طريق النمو الروحي مما يكون له أثر على هذه الصلاة القصيرة والمستمرة.. وبالطبع يمكنك ترديد هذه الصلاة أثناء عملك اليدوي أو غير اليدوي، وفي أوقات ما بين الانشغالات العديدة كل يوم.. كما يمكنك أن تخصص وقتًا يوميًا لترديد عدد محدد من هذه الصلاة ويتزايد هذا العدد كل فترة بمشورة أب اعترافك ومرشدك الروحي.
عزيزي القارئ تقرب إلى الله دائمًا بهذه الصلاة واقتنِ حضوره في القلب والأعماق الداخلية حتى تصل يومًا وتقول: “أَمَّا أَنَا فَصَلاَةٌ” (مزمور 109: 4).
This page is also available in:
English


