فى حي عريق يطل على القرن الذهبي في إسطنبول، يقف مقر بطريركية القسطنطينية المسكونية شامخًا منذ قرون، يحمل في اسمه البسيط “الفنار”، أي “المنارة “رسالةً أعمق من مجرد موقع جغرافي. فكلمة Phanar باليوناني Φανάρι تعني المصباح والضوء، وقد أُطلقت على الحي بسبب برج إضاءة بيزنطي قديم كان يرشد المسافرين. بيد أن هذا الاسم تجاوز بمرور الزمن دلالته الجغرافية ليصبح مرادفًا للبطريركية ذاتها، ورمزًا للقيادة الروحية للأرثوذكسية في العالم أجمع.
البطريركية المسكونية في أرقام:
300مليون أرثوذكسي حول العالم
270 بطريركًا عبر التاريخ
88أبرشية في أرجاء العالم
نشأة كرسي القسطنطينية: من بيزنطة إلى عاصمة العالم
يُنسب تأسيس هذا الكرسي الرسولي تقليديًا إلى القديس أندراوس الرسول في القرن الأول الميلادي، مرورًا بسلسلة من أساقفة بيزنطة الأوائل كاستاخيس وأونيسيموس وبوليكاربوس. غير أن التوثيق التاريخي الدقيق يبدأ من القرن الرابع، مع أسقف بيزنطة متروفانيس بين عامي 306 و314 ميلادية، فيما يُمثل التسلسل الرسولي المبكر البعدَ اللاهوتي والروحي للكرسي أكثر من كونه سجلًا تاريخيًا صارمًا.
كان للإمبراطور قسطنطين الكبير الدور الأبرز في رفع مكانة هذه الكنيسة، حين أسّس مدينة القسطنطينية عام 330م لتكون عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. وسرعان ما ارتقى أسقفها في المكانة الكنسية؛ فمنحه مجمع القسطنطينية الأول المرتبةَ الثانية بعد روما، ثم جاء مجمع خلقيدونية ليؤكد امتيازاته ويرسّخ موقعه القيادي في الشرق. ومنذ القرن السادس الميلادي، أصبح لقب “البطريرك المسكوني” راسخًا في الاستخدام الرسمي.
لماذا سُمّي “الفنار”؟
بعد سقوط القسطنطينية عام 1453م، انتقل مقر البطريركية إلى حي الفنار على الضفة الأوروبية للقرن الذهبي. وبمرور الوقت، تحوّل اسم الحي من مجرد دلالة جغرافية إلى لقب مرادف للبطريركية نفسها؛ فبات يُقال “الكرسي الفناري” و”البطريركية الفنارية”، ليصبح رمزًا للقيادة الروحية الأرثوذكسية ومصطلحًا راسخًا في الأدبيات الكنسية والسياسية على حدٍّ سواء.
الدور الكنسي: “الأول بين متساوين“
تتصدر بطريركية القسطنطينية نظام البنتاركية الذي يضم كذلك روما والإسكندرية وأنطاكية وأورشليم، وتحمل ضمنه لقب “الأول بين متساوين” وهو لقب شرفي لا يمنحها سلطة مركزية مطلقة على الكنائس الأرثوذكسية الأخرى، بل يعكس مكانتها التنسيقية والروحية في المنظومة الأرثوذكسية العالمية.
“رغم أن عدد أتباعها في تركيا لا يتجاوز بضعة آلاف، تظل البطريركية مركزًا روحيًا يربط أكثر من 300 مليون أرثوذكسي في أرجاء المعمورة“
برثلماوس الأول: البطريرك رقم 270
على رأس هذا الكرسي العريق يجلس اليوم قداسة البطريرك المسكوني برثلماوس الأول، خليفة القديس أندراوس الرسول في التسلسل الأرثوذكسي، والبطريرك رقم 270 في تاريخ القسطنطينية، والزعيم الروحي للمسيحيين الأرثوذكس البيزنطيين في العالم كله.
وُلِد باسم ديميتريوس أروندونيس في قرية أجيوي ثيودوروي بجزيرة إمبروس (جوكسيادا) في تركيا، لأسرة يونانية متواضعة الحال؛ فوالده كريستوس عمل حلاقًا وصاحب مقهى، فيما ربّت والدته ميروبي الأبناء الأربعة، وكان هو أصغرهم. نشأ في إمبروس ثم انتقل إلى القسطنطينية حيث التحق بمدرسة هالكي اللاهوتية الشهيرة، فتخرج منها بمرتبة الشرف عام 1961.
مسيرة روحية وأكاديمية استثنائية
في 13 أغسطس 1961، رُسِم شماسًا واتخذ اسم “برثلماوس”، ثم أدى بين عامي 1961 و1963 خدمته العسكرية ضابطًا احتياطيًا في الجيش التركي. تابع بعدها دراساته العليا بمنحة من البطريركية في الجامعة الغريغورية الحبرية في روما، حيث حصل على درجة الدكتوراه في القانون الكنسي بأطروحة تناولت تقنين الشرائع المقدسة في الكنيسة الأرثوذكسية. ثم واصل دراساته الإضافية في المعهد المسكوني في بوسي وجامعة ميونيخ.
وهو يُجيد سبع لغات: اليونانية والإنجليزية والتركية والإيطالية واللاتينية والفرنسية والألمانية — وهو ما يعكس انفتاحه الفكري وتأهله للحوار مع مختلف الكنائس والثقافات.
طريق إلى الكرسي البطريركي
1968 عودته إلى القسطنطينية وتعيينه عميدًا مساعدًا لمدرسة هالكي اللاهوتية
1969 رسامته كاهنًا على يد البطريرك المسكوني أثيناغوراس الأول ورفعه إلى رتبة الأرشمندريت
1972 تعيينه مديرًا للمكتب البطريركي إثر انتخاب البطريرك ديميتريوس الأول
1973 رسامته أسقفًا بلقب مطران فيلادلفيا (آسيا الصغرى)
1990 تنصيبه مطرانًا على خلقيدونية في 14 يناير
1991 ترأس الوفد الأرثوذكسي في الجمعية العامة لمجلس الكنائس العالمي بكانبرا (يناير)، ثم انتُخب بالإجماع بطريركًا مسكونيًا في 22 أكتوبر
الهيكل الجغرافي: كنيسة بلا حدود
تمتد أبرشيات البطريركية عبر نحو 88 أبرشية (إيبارشية) موزعة على أربع قارات. ففي تركيا تتمركز الأبرشيات التاريخية كخلقيدونية وسميرنا وأدرنة وإمبروس، بينما تنتشر في أوروبا أبرشيات في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا والسويد وبلجيكا وسويسرا. وفي أمريكا الشمالية، تُعد أبرشية نيويورك أكبر الوحدات التنظيمية، وتتبعها متروبوليات شيكاغو وبوسطن وأتلانتا، فضلًا عن امتداد حضور البطريركية إلى كندا وأمريكا اللاتينية وآسيا وأستراليا ونيوزيلندا.
وتعتمد البطريركية اليوم في انتشارها بشكل رئيسي على جماعات المهجر؛ إذ لا يتجاوز عدد أتباعها في تركيا بضعة آلاف، في مقابل ملايين منتشرين في أوروبا وأمريكا الشمالية وسائر أنحاء العالم.
كنيسة القديس جاورجيوس: قلب الفنار النابض
يتخذ البطريرك من كنيسة القديس جاورجيوس في حي الفنار مقرًا رسميًا منذ القرن السادس عشر. وتضم الكنيسة في رحابها آثارًا مقدسة نفيسة، من بينها عمود يُنسب إلى لطم المسيح، وأيقونات بيزنطية تعود إلى قرون غابرة، مما يجعلها وجهةً روحية للحجاج والزوار من شتى بقاع العالم.
المراحل التاريخية الكبرى للبطريركية
العصر البيزنطي: ذروة النفوذ الديني والسياسي.
العصر العثماني: دور الممثل الرسمي للمسيحيين الأرثوذكس داخل الدولة
. العصر الحديث: تراجع الحضور المحلي في تركيا مع توسع عالمي متنامٍ عبر المهجر.
البطريرك البيئي والمسكوني
اكتسب برثلماوس الأول صفة “البطريرك الأخضر” بفضل دوره الريادي في القضايا البيئية، وجهوده الدؤوبة في الحوار المسكوني مع الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية. كما يُعدّ أحد أبرز الأصوات الدينية العالمية في مجال حقوق الإنسان والسلام الدولي. وبوصفه الأول من بين متساوين بين رؤساء الكنائس الأرثوذكسية المستقلة الأربع عشرة، يتحمل برثلماوس دور التنسيق والوساطة والتوحيد في منظومة الأرثوذكسية العالمية.
تبقى بطريركية القسطنطينية نموذجًا فريدًا لمؤسسة تجمع بين الجذور الرسولية الضاربة في أعماق التاريخ، والحضور الفاعل المتجدد في عصر العولمة — كنيسة صغيرة جغرافيًا في إسطنبول، لكنها عملاقة روحيًا في وجدان مئات الملايين من المؤمنين حول العالم.
يزور هذا الكرسي الرسول قداسة البابا تواضروس اليوم لتلتقى الكراسي الرسولية للقديس اندراوس مع القديس مار مرقس الرسول في لقاء روحى تاريخى متجذر في الايمان .