كان شهود القيامة في فجر الأحد كثيرين: الملائكة، والتلاميذ، والحراس.. ولكنني أحب أن أحدثكم اليوم عن مريم المجدلية.
كانت المجدلية من قرية مجدل، وكانت تحب يسوع جدًا، لأنه سبق وأخرج منها سبعة شياطين (مر 16: 9)، وكانت تتبعه وتخدمه، وكانت تتصف بجمال المنظر، فيصورها المصورون جالسة تحت الصليب، يميزها شعرها الطويل.
وفي الكتاب، كانت مريم هي أول من تحرك والظلام باقٍ في فجر القيامة، متجهة نحو قبر المخلص، تحمل أطيابًا وحنوطًا لكي تضعها على جسد الرب. وعندما وجدت القبر فارغًا، والحجر قد دُحرج من على فمه، خافت، فذهبت إلى التلاميذ وقالت: “أخذوا السيد”. ولكن حبها دفعها أن تعود إلى القبر الفارغ، وهناك قابلها الرب يسوع وتحدث معها، لكنها لم تعرفه وظنته البستاني، وبدأت تشكو له: “إن كنت قد أخذته فقل لي، لكي آتي وآخذه” (يو 20: 15).
وعندها ناداها الرب باسمها وقال لها: “يا مريم”، فعرفته، وتقدمت نحوه لتقبّل قدميه، فقال لها الرب جملته الشهيرة: “لا تلمسيني…”. وقد ميزها الرب بأن صارت أول كارزة للعالم بقيامته، وهي الأولى التي حظيت برؤية الرب في فجر أحد القيامة، وهي الوحيدة التي سمعت قول الرب “لا تلمسيني”، بينما سمح لتوما أن يلمس جروحه عند ظهوره للتلاميذ في العلية.
فلماذا وجّه لها الرب هذه الكلمات القليلة؟
1- “لا تلمسيني” تأكيد على لاهوت المسيح
كانت تأكيدًا للمجدلية عن حقيقة طبيعة الرب يسوع اللاهوتية، فهي كانت لا تزال تخاطبه كإنسان: “يا سيد إن كنت قد أخذته…”. وفي هذا كان الرب يؤكد على حقيقة لاهوته، فهو الإله الذي ليس للموت سلطان عليه.
كان يسوع قد أخبر تلاميذه مرارًا أنه سيسلَّم ويتألم ويُصلب ويموت، ولكنه سيقوم في اليوم الثالث. فكان على المجدلية أن تتذكر وعد الرب. وكأنه يقول لها: إن كنتِ قد أتيتِ لإنسان ميت، فلا تلمسيني بحسب الشريعة، أما إن كنتِ قد أتيتِ للإله الذي غلب الموت، فاعلمي أن الموت ليس له سلطان عليّ.
وكأن هذه الكلمات دعوة لنا جميعًا أن نكون واثقين أن يسوع هو الإله الذي شاء بإرادته أن يتألم عنا ويحمل عقاب خطايانا لينقذنا من الهلاك الأبدي.
2- “لا تلمسيني” دعوة للخدمة والرسالة
كان الرب يعلم مقدار محبتها له، لكنه أراد أن يعلن لها أنها تحمل رسالة خاصة، وكأنه يقول: لا تنشغلي بي، بل اذهبي وأخبري إخوتي أني قد قمت.
في هذه الكلمات أعلن لها بشرى القيامة، وأيضًا سر صعوده إلى السماء، وكانت “لا تلمسيني… بل اذهبي…” أول تكليف بالكرازة بالخلاص. وفي هذا تكريم عظيم للمرأة في المسيحية، إذ اختار الرب العذراء مريم أمًا له، واختار المجدلية لتكون أول شاهدة على القيامة.
3- “لا تلمسيني” عتاب حب وتذكير بالوعود
كانت أيضًا عتاب حب، لأنها نسيت كلمات الرب أنه سيقوم في اليوم الثالث. فكثيرًا ما تجعلنا الآلام ننسى وعود الله.
وهكذا تصبح هذه الكلمات دعوة لنا أن نتذكر وعود الله في الكتاب المقدس، ونحفظها في قلوبنا، ونثق في رعايته وعنايته بنا، حتى في أوقات الضيق. وعندما نحفظ وعوده، نستطيع أن نلمسه حاضرًا معنا في كل ضيقاتنا.
لتكن كلمات الرب يسوع للمجدلية يوم قيامته دعوة لإيمان راسخ لا يهتز في شخصه، ودعوة للشهادة له وسط العالم أنه إله حيّ قد كسر شوكة الموت عنا، وأخيرًا دعوة لتذكر الوعود الإلهية في أزمنة الضيق.
وكل عام وأنتم في ملء بهجة القيامة.