من قلب مصر، الأرض التي احتضنت العائلة المقدسة في ترحالها، وسقت جذور الإيمان المسيحي بدماء الشهداء، تتجدد اليوم ملامح الوحدة الأرثوذكسية تحت قباب الكنائس العتيقة، وتحت ظلال نخيل الرهبان في وادي النطرون.. هناك، حيث لم تنقطع الصلاة منذ قرون، ينعقد اللقاء الخامس عشر لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية الشرقية في الشرق الأوسط، في توقيت يتقاطع مع الذكرى الخالدة لمجمع نيقية الأول، الذي انعقد سنة 325م، وأرسى حجر الزاوية في إيمان الكنيسة الجامعة.
هنا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برعاية أبوية من قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، تستضيف هذا اللقاء، بمشاركة قداسة البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الأرثوذكس، وقداسة الكاثوليكوس آرام الأول كاثوليكوس بيت كيليكيا للأرمن الأرثوذكس.. يجلس الاباء جنبًا إلى جنب، ليواصلوا سريان حياة أرثوذكسية واحدة، قائمة على الإيمان، متجلية في المحبة، ومثمرة في الرجاء
العائلة الأرثوذكسية الشرقية ومسيرة امتداد
العائلة الأرثوذكسية الشرقية تضم الكنائس التي تحفظ الإيمان الذي لم يمسه تغيير منذ القرون الأولى، وتتمسك بالتعليم المستقيم، وترفض مجمع خلقيدونية المنعقد سنة 451م. هذا الرفض لم ينبع من جدل لغوي أو خلاف سياسي، بل من التزام عقائدي نابع من قراءة عميقة لتجسد المسيح كما عاشته هذه الكنائس وآباؤها القديسون.. لم يكن الطريق سهلًا أمام هذه الكنائس. بعد الأنشقاق، وجدت نفسها في مواجهة سلطات دينية وسياسية تمارس عليها ضغوطًا قاسية؛ عاشت قرونًا من العزلة عن المسكونة، لكنها لم تتخل عن رسالتها. قاومت الانحرافات، وثبتت في وجه البدع، وواصلت الشهادة بالكلمة والدم، في وجه الاضطهاد والضيق.
تاريخ من الصمود والقداسة
برزت في هذه العائلة شخصيات صنعت التاريخ الروحي للبشرية، في القرن الرابع، ظهر مار يعقوب النصيبيني (338م) من بلاد النهرين، مدرسًا ولاهوتيًا، القديس أنطونيوس الكبير (356م) حمل شعلة الرهبنة من صحراء مصر إلى العالم، مار أفرام السرياني (373م) كتب ألحانًا ولاهوتًا عذبًا، القديس أثناسيوس الرسولي (373م) دافع عن قانونية الإيمان ضد الآريوسيين. القديس كيرلس الإسكندري (444م) واجه نسطوريوس بعقيدة تجسد الكلمة، ومار غريغوريوس المنور جعل من أرمينيا أول دولة تعتمد المسيحية دينًا رسميًا عام 301م.. توالت أجيال الآباء والملافنة، وارتسمت حياة الكنيسة في ثنايا سيرهم، الذين قاوموا الأباطيل، وكتبوا بالدم والعرق أنصع صفحات المجد الكنسي.
كنائس تتنفس من قلب الحضارات
الكنيسة السريانية ولدت في قلب حضارات ما بين النهرين، وعاشت في سوريا وآرام، ومدت خدمتها إلى بلاد فارس والهند وفينيقيا والكنيسة الأرمنية قامت على جبل أرارات، حيث استقر فلك نوح، وانطلقت من أرمينيا وقيليقية؛ وهنا الكنيسة القبطية التي انبثقت من حضارة وادي النيل، حيث العراقة والفرعونية والحكمة والكتابة.. حملت هذه الكنائس تراث حضاراتها، ولم تنفصل عن تاريخها، بل جعلت منه جسرًا للتجلي المسيحي في ثقافات متعددة. فالمسيحية الأرثوذكسية الشرقية كانت ولا تزال جزءًا من الهوية الوطنية لشعوبها، تشاركهم في الأعياد، والألم، والانتصارات.
الطريق نحو اللقاء
في عام 1965، اجتمع رؤساء الكنائس الأرثوذكسية الشرقية لأول مرة بصورة رسمية، بدعوة من الإمبراطور هيلاسيلاسي في أديس أبابا، عاصمة إثيوبيا. شارك في ذلك اللقاء التاريخي: البابا كيرلس السادس عن الكنيسة القبطية، البطريرك يعقوب الثالث عن الكنيسة السريانية، الكاثوليكوس فاسكين الأول عن كنيسة الأرمن الأرثوذكس (إشميادزين)، الكاثوليكوس خورين الأول عن كنيسة الأرمن الأرثوذكس (بيت كيليكيا).
كما مثلت الكنيسة السريانية في الهند كجزء من الكنيسة السريانية الأم، ولم تكن كنيسة إريتريا الأرثوذكسية قد تأسست بعد. انبثقت عن اللقاء لجنة دائمة تعنى بمتابعة التنسيق والتواصل، إلا أن الظروف السياسية في إثيوبيا لاحقًا أدت إلى توقف هذا المسار. وبعد ثلاثين عامًا، وتحديدًا في عام 1995، انتخب الكاثوليكوس آرام الأول كاثوليكوسًا لبيت كيليكيا، هنا استشعر بأهمية إعادة إحياء هذه اللقاءات، فتواصل مع مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، وقداسة البطريرك زكا الأول عيواص بطريرك أنطاكية وسائر المشرق. وبمشورة روحية مشتركة، تأسس في عام 1996 أول لقاء معاصر لرؤساء الكنائس الأرثوذكسية الشرقية في الشرق الأوسط.
وبروح واحدة اتفق القادة على تشكيل لجنة دائمة، يمثل كل كنيسة فيها عضوان، وتجتمع هذه اللجنة دوريًا، ويتبعها اللقاء الرئاسي الجامع، الذي انعقد منذ حينها أربعة عشر مرة، حتى جاء هذا اللقاء الخامس عشر في مايو 2025، مؤكداً الاستمرارية والعزم على تثبيت الإيمان وتعزيز الوحدة.. بمحبة واحدة وبنفس واحدة.
لقاء ٢٠٢٥ ومسؤولية الوحدة
في هذا العام، ومع مرور سبعة عشر قرنًا على مجمع نيقية، يعقد اللقاء الخامس عشر على أرض مصر، تحت شعار: “ مَحَبَّةُ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةِ فِي ٢٢.” يناقش الرؤساء قضايا لاهوتية، تعليمية، رعوية، ومسكونية، وتقدم أوراق عمل تتناول تحديات العصر.. على أرض القداسة لا تقتصر اللقاءات على التبادل الفكري، بل تعقد خلالها صلوات مشتركة من داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية .. هنا يجتمع الاباء حول قداسة البابا تواضروس بابا المحبة، ويتلى قانون الإيمان النيقاوي الذي كتبه الآباء سنة 325م، بنفس الكلمات، ونفس الروح، وكأنه لم يكتب منذ سبعة عشر قرنًا، بل منذ لحظات، سيقف الجموع بمحبة واحدة وبنفس واحدة.
أهمية الحضور في مصر
مع أن مجمع نيقية المقدس انعقد عام 325م في مدينة نيقية بآسيا الصغرى، فإن جذور قراراته وتعاليمه خرجت من قلب مصر، حيث وقف بطل المجمع الشماس أثناسيوس، ابن الكنيسة القبطية، القادم من أرض مصر في وجه تعليم آريوس، معلنًا الإيمان القويم في تجسد ابن الله. فلقد حملت الكنيسة القبطية إلى نيقية صوت الحق الإنجيلي الذي حفظته منذ البشارة الأولى، فكان لها دور محوري في صياغة قانون الإيمان الذي لا تزال الكنائس تردده إلى اليوم، شاهدة أن ما ولد في مصر من لاهوت آبائي نقي قد بلغ نيقية، فصاغ بها دستور العقيدة الجامعة.. فاختيار مصر لاحتضان هذا اللقاء الروحي هو تعبيرًا عن موقعها الكنسي والتاريخي فهي التي أنجبت الرهبنة، وأطلقت أول مدرسة لاهوتية، وحافظت على الأرثوذكسية خلال أصعب عصور التاريخ على أرضها مغارات الرهبان الأوائل، حيث عاش أنطونيوس، وباخوميوس، ومقاريوس، وآمونيوس. في هذه الأرض، وما زالت الجدران تحفظ أنفاس الصلاة، والأيقونات تتحدث بلغة حفاظهم على الإيمان المستقيم.
شهادة الرسالة والإيمان
اليوم ونحن نستعد للقاء الخامس عشر نجد أننا أمام رسالة تنبض من قلب كنائسنا، فرغم تحديات العصور، لم تتراجع عن الإيمان الذي وضع في نيقية، وعاشته الكنائس في كل قرن، يجدد الآن علنًا، ويعلن أبينا قداسة البابا تواضروس من مصر، أن الأرثوذكسية الشرقية، باقية حاملة رسالة الخلاص، وراعية للحقيقة، ويجلس بالمحبة والأخوة مع رؤساء الكنائس ليجسدون، بحضورهم وصلاتهم وتلاقيهم، شهادة حية على أن الكنيسة واحدة في الإيمان، موحدة في الهدف، وإن تفرقت جغرافيًا، فهي متحدة في الرأس الواحد، يسوع المسيح.
واحد في الإيمان والرجاء
من وادي النطرون، حيث تعجن الرمال بالصلاة، ترفع أيادي الإيمان، ويعلن للكنيسة والعالم: أن العهد مستمر، والإيمان محفوظ، والوحدة ممكنة.. سبعة عشر قرنًا مرت على نيقية، وكنائسنا لا تزال تردد نفس القانون، وتعيش ذات الشهادة وإلى أن يأتي الرب ثانية، تظل هذه اللقاءات بمثابة مشاعل تهتدي بها الأجيال، وتذكيرًا بأن الكنيسة الأرثوذكسية لا تسير وحدها، بل تسير برفقة الآباء، والملافنة، والشهداء، والمصلين في كل حين.. أيام قليلة، ومن برية شهيت سينطلق الصوت الصارخ ليذكرنا أن الإيمان المستقيم لا يزال حيا في قلوب أبنائه.. هناك، حيث الأرثوذكسية طريق حياة نسلكه بثبات نحو الملكوت.