ثمار الكبرياء والشهوات الشريرة
(1) المنطقة الكتانية (ع1-11) :
1- هكذا قال الرب لي اذهب و اشتر لنفسك منطقة من كتان و ضعها على حقويك و لا تدخلها في الماء. 2- فاشتريت المنطقة كقول الرب و وضعتها على حقوي. 3- فصار كلام الرب إلي ثانية قائلاً. 4- خذ المنطقة التي اشتريتها التي هي على حقويك و قم انطلق إلى الفرات و اطمرها هناك في شق صخر. 5- فانطلقت و طمرتها عند الفرات كما أمرني الرب. 6- و كان بعد أيام كثيرة أن الرب قال لي قم انطلق إلى الفرات و خذ من هناك المنطقة التي أمرتك أن تطمرها هناك.
7- فانطلقت إلى الفرات و حفرت و أخذت المنطقة من الموضع الذي طمرتها فيه و إذا بالمنطقة قد فسدت لا تصلح لشيء. 8- فصار كلام الرب إلي قائلاً. 9- هكذا قال الرب هكذا افسد كبرياء يهوذا و كبرياء أورشليم العظيمة. 10- هذا الشعب الشرير الذي يأبى أن يسمع كلامي الذي يسلك في عناد قلبه و يسير وراء آلهة أخرى ليعبدها و يسجد لها يصير كهذه المنطقة التي لا تصلح لشيء. 11- لأنه كما تلتصق المنطقة بحقوي الإنسان هكذا ألصقت بنفسي كل بيت إسرائيل و كل بيت يهوذا يقول الرب ليكونوا لي شعباً و اسماً و فخراً و مجداً و لكنهم لم يسمعوا.
ع1: المنطقة : ما يلبس من ملابس داخلية على الوسط ويغطى الفخذين.
أراد الله إظهار كبرياء شعبه الذى سبب له ضيقة السبى فقدم لهم هذا المثل إذ طلب من أرميا أن يشترى لنفسه منطقة من كتان وهو يرمز للنقاوة وكان لباس الكهنة أى أن الله أعطى شعبه النقاوة وحياة البر ولكنهم رفضوها. وطلب منه أن لا يغسلها فى الماء إذ أنها جديدة ولا تحتاج لهذا الغسل فهذا يرمز إلى أن الله ألبسهم البر ولم يحوجهم إلى شئ. بالإضافة إلى أن الغسل بالماء يفقد المنطقة شدتها فتصير رخوة لا تقوم بعملها جيداً فى ستر الجسم بشدة أى أن الله حفظهم من كل ضعف.
ع2: أطمرها : أدفنها.
طلب الله من إرميا أن يأخذ المنطقة الكتانية الجديدة التى اشتراها ويرمز هذا للبر الذى ناله شعب الله والتصق به كما الملابس للجسد واشتراه أى اهتم باقتنائه ووهبه له الله. أخذ هذه المنطقة وسافر إلى نهر الفرات فى العراق وهى مسافة طويلة حوالى 350 ميلاً من أورشليم ودفن هذه المنطقة فى شق صخر وغطاها بالتراب وهذا يرمز لإذلال بابل لشعب الله وسبيهم إليها لأنهم أفسدوا بر الله الموهوب لهم بكبريائهم وعبادتهم للأوثان.
والصخرة ترمز لقوتهم البشرية واعتمادهم على كبريائهم وعنادهم. وقد سافر إرميا فى أول مرة ذهاباً وإياباً إلى الفرات 700 ميل والمرة الثانية التى فى الأعداد التالية سافر أيضاً إلى الفرات أى حوالى 700 ميلاً فقد سافر 1400 ميل ليعلن مدى العناء الذى سيلاقيه شعب الله فى السبى لنقلهم من مدنهم إلى بلاد بابل.
ع6، 7: بعد أيام : بعد فترة قد تكون عدة شهور.
بعد فترة طلب الله من إرميا أن يسافر إلى الفرات ويخرج المنطقة الكتانية التى دفنها فى شق الصخر ففعل كما أمره الرب وحفر وأخرج المنطقة المدفونة فوجدها قد فسدت ولا تصلح أن يلبسها أو يستخدمها فى شئ. وهذا يرمز إلى ضياع كرامة وبر شعب الله عندما عبد الأوثان وتكبروا ففقدوا قداستهم وكرامتهم وقوميتهم وبعثرتهم بابل فى بلاد مملكتها لأنهم تركوا الله.
ع8، 9: أعلن الله قصده من هذا المثل بأنه سيفسد كبرياء شعبه الساكن فى مملكة يهوذا وعاصمتها أورشليم بالسبى البابلى.
ع10: وكما فسدت المنطقة الكتانية هكذا ستفسد كرامة شعب الله لأنه عبد الأوثان واعتمد عليها بكبرياء.
ع11: يعاتب الله شعبه بحزن مظهراً محبته الشديدة لهم وقد ألصقهم به كشعب خاص لهم إذ أخرجهم من أرض مصر وحفظهم فى البرية وأدخلهم أرض الميعاد وسكن فى وسطهم كما يظهر من مثل المنطقة الملتصقة بالجسد ولكنه للأسف رفضوا الله وفسدوا ودخلوا فى الذل على يد بابل.
الكبرياء هى أصل كل الشرور فإن أخطأت ارجع إلى الله باتضاع وتذلل وتوبة ولا تستند على إمكانياتك وذكائك بل اعترف بخطأك أمام الله واعتذر للآخرين فيسامحك ويرفع عنك كل ضيق وتستعيد سلامك.
(2) زق الخمر (ع12-14) :
12- فتقول لهم هذه الكلمة هكذا قال الرب إله إسرائيل كل زق يمتلئ خمراً فيقولون لك أما نعرف معرفة أن كل زق يمتلئ خمرا. 13- فتقول لهم هكذا قال الرب هأنذا أملأ كل سكان هذه الارض و الملوك الجالسين لداود على كرسيه و الكهنة و الأنبياء و كل سكان أورشليم سكرا.
14- و أحطمهم الواحد على أخيه الآباء و الأبناء معا يقول الرب لا أشفق و لا أترأف و لا أرحم من إهلاكهم.
ع12: زق : إناء جلدى يوضع فيه الخمر أو السوائل.
المثل الثانى الذى يقدمه الله لشعبه ليتوبوا هو أن كل زق يمتلئ بالخمر هكذا تعودوا أن يملأوا زقاقهم بالخمر ويحفظونها ويشربوا منها فى بيوتهم فاختار الله هذا المثل المعتاد فى حياتهم فأجابوا إرميا عندما قالوا له هذا إنك لم تضف قليلاً لأننا نعلم أن كل زق نملأه بالخمر ونحفظه فى بيوتنا وهكذا لم يفهموا إلا المعنى الحرفى لأنهم سطحيون ومتكبرون وليس عندهم فهم روحى فلم يفهموا أن حياتهم قد امتلأت مثل الزق بالشهوات التى انغمسوا فيها وسكروا بها أى فقدوا عقولهم وتميزهم، وصاروا كالحيوانات فى شهواتهم وعبدوا التماثيل وتركوا الله الإله الحقيقى.
ع13: إذ لم يفهموا المقصود من المثل شرحه الله لهم على فم إرميا بأن الله تركهم لشهواتهم وتخلى عنهم لكبريائهم، الشعب ورؤساؤه من الملوك والأنبياء والكهنة الذين فقدوا تميزهم مثل السكارى.
ع14: من أجل انغماسهم فى الشهوات ورفضهم الله يسمح لبابل أن تحطمهم الكبير والصغير ولا يرحمهم الله لأنهم مصرون على خطاياهم.
احترس من كثرة المشاغل لأنها ستبعدك تدريجياً عن الله ثم تقودك بهدوء إلى الخطية دون أن تشعر حتى تنغمس فيها لأنك قد تركت الله وفقدت حمايتك. تمسك بنظام روحى فى صلواتك وقراءاتك كل يوم بالإضافة إلى اعترافك وتناولك بهذه الأربعة تجد طريق خلاصك وسط العالم.
(3) الكبرياء يضل أورشليم (ع15-21) :
15- اسمعوا و أصغوا لا تتعظموا لأن الرب تكلم. 16- أعطوا الرب إلهكم مجداً قبل أن يجعل ظلاماً و قبلما تعثر أرجلكم على جبال العتمة فتنتظرون نوراً فيجعله ظل موت و يجعله ظلاماً دامساً. 17- و إن لم تسمعوا ذلك فإن نفسي تبكي في أماكن مستترة من أجل الكبرياء و تبكي عيني بكاء وتذرف الدموع لأنه قد سبي قطيع الرب. 18- قل للملك و للملكة أتضعا و اجلسا لأنه قد هبط عن رأسيكما تاج مجدكما. 19- أغلقت مدن الجنوب و ليس من يفتح سبيت يهوذا كلها سبيت بالتمام. 20- ارفعوا أعينكم و انظروا المقبلين من الشمال. أين القطيع الذي أعطي لك غنم مجدك. 21- ماذا تقولين حين يعاقبك و قد علمتهم على نفسك قواداً للرياسة أما تأخذك الأوجاع كامرأة ماخض.
ع15: ينادى إرميا شعبه حتى يتضعوا فينصتوا باهتمام لسماع كلام الله الذى يدعوهم للتوبة وإن رفضوا صوته يأتى عليهم الدمار.
عندما تقرأ الكتاب المقدس أو تستمع إلى عظة كن متضعاً واجعل كلام الله يحفظك ويحكم عليك ويرشدك فتفهم كلام الله ورسالته إليك فتتغير حياتك وتنقذ نفسك من الهلاك وتنال رحمة الله.
ع16: يدعوهم إرميا لعبادة الله وتمجيد اسمه وشكره على إحساناته فلا ينسبوا المجد لأنفسهم أو للآلهة الوثنية.
وإن لم يمجدوا الله سيضلوا أكثر عن طريق الله تائهين فى كبريائهم الذى يشبهه بالجبال ولأن كبرياءهم يضلهم يسميها جبال العتمة أى كبرياءهم الشنيع الذى يحجب عنهم رؤية الله وسماع صوته وإذ ينتظرون إرشاداً وإنقاذاً من ضيقاتهم يزداد ضلالهم وانغماسهم فى الشهوات الردية وعبادة الأوثان فيتقدمون نحو هلاكهم من ضلال يسميه “ظلام دامس” واقترابهم نحو الهلاك يسميه “ظل الموت”. كل هذا نتيجة الكبرياء فعندما اعتمدوا على ذكائهم وعبادتهم الشكلية وظنوها نوراً يهديهم لم يجدوا بل ساروا نحو الهلاك الذى تم على يد بابل.
ع17: يحذرهم إرميا إن لم يسمعوا صوت الله ليتوبوا سيصيبهم الهلاك بيد بابل ومن أجل هذا الهلاك المتوقع سيبكى عليهم إرميا ولأن لا أحد يفهم كلام الله سيبكى فى أماكن مستترة لأنه متأكد أن شعب الله أى قطيعه سيسبى إلى بابل وسيقتل كثيرون منهم.
ع18: ثم يطلب الله من إرميا أن يوجه كلامه إلى الملك الشاب يهوياكين وإلى أمه الملكة التى كانت متدخلة فى إدارة الحكم أن يتضعا ويتوبا لأنه بعد قليل سيسبى الملك وسيخلع التاج عن رأسه هو وأمه وينقلونه إلى بابل وقد تم ذلك عام 598 ق.م.
ع19: عند هجوم البابليين حاصروا أورشليم، وعزلوها عن باقى مدن يهوذا الجنوبية فلم تستطع أن تنجدها.
ع20: يخاطب الله أورشليم كامرأة ويقول لها أنظرى جيوش بابل الآتية من الشمال لتهجم عليك وتسبى شعبك الذى يسميه قطيع مجدك إذ كنت تعتمدين على أولادك هؤلاء، فأين هم ؟ لقد استولى البابليون على مدنك وقبضوا على عظمائك وأرسلوهم إلى بابل.
ع21: ثم ينادى الله أورشليم ويقول لها ماذا ستفعل عندما تعاقبها جيوش بابل بالتدمير والخراب والقتل والسبى، وعند استسلامها سيقم رؤساء من بابل عليها لإذلالها وكل من يبقى فيها كما تتألم المرأة الماخض عندما تقترب ساعة ولادتها.
(4) ثمار شرور أورشليم (ع22-27) :
22- و إن قلت في قلبك لماذا أصابتني هذه لأجل عظمة إثمك هتك ذيلاك و انكشف عنفاً عقباك. 23- هل يغير الكوشي جلده أو النمر رقطه فانتم أيضاً تقدرون أن تصنعوا خيراً أيها المتعلمون الشر. 24- فأبددهم كقش يعبر مع ريح البرية. 25- هذه قرعتك النصيب المكيل لك من عندي يقول الرب لأنك نسيتني و اتكلت على الكذب. 26- فانا أيضاً أرفع ذيليك على وجهك فيرى خزيك. 27- فسقك و صهيلك و رذالة زناك على الآكام في الحقل قد رأيت مكرهاتك ويل لك يا أورشليم لا تطهرين حتى متى بعد
ع22: هتك : تقطع.
ذيلاك : أذيال ثوبك.
عنفا : رغماً عنك.
عقباك : الأقدام من الخلف.
تتساءل أورشليم بعد أن دمرها البابليون قائلة لماذا أصابنى هذا الدمار، فيرد الله عليها قائلاً : من أجل شهواتك الشريرة ضربك البابليون الذى يعبر عنه برفع أذيال الثوب فتظهر عورة أورشليم أى تصير خربة وكذلك تم هذا الخراب رغماً عنك لأن قوة بابل كانت عظيمة.
وهذا يشير أيضاً إلى فجور أورشليم وزناها وراء العبادات الوثنية، لذا يعبر بهذه التعبيرات التى تظهر أنها سارت فى طريق الزنا فتخربت على يد بابل كسيدة كشفت عورتها فى الزنا كذلك تخربت كمدينة بكل ما فيها.
ع23: الكوشى : الحبشى الأسود اللون.
رقطه : النقط السوداء والخطوط التى فى جلد النمر.
تعود الناس أن يقولوا أن الشرير لن يغير شره إن تعود عليه فلا يستطيع ترك الشر مثل الزنجى الأسود اللون الذى لا يستطيع تغيير جلده وجعله بلون آخر وكذلك لا يستطيع النمر تغيير جلده المخطط والمملوء نقط سوداء، ولكن الله يفتح باب مراحمه وينادى شعبه ليتركوا شرورهم فيرفع الله عنهم كل هذه الضيقات التى تكلم بها أى السبى وما يتبعه.
ع24: لكن إن أصر شعب الله على شره فسيبددهم الله مثلما تبدد الريح القش فى الصحراء الخالية، هكذا سيبددهم فى مملكة بابل ويبعدهم عن بلادهم.
ع25: المكيل : من الكيل وهو وعاء يستخدم لمعايرة الأحجام مثل اللتر.
يقول الله أن نصيب أورشليم واليهودية هو السبى والتبديد والله يسمح لبابل بهذا كعقاب لشعبه لفترة معينة حتى يتوبوا فيرجعهم من السبى، وسبب هذه الشرور هو اتكال أورشليم على الآلهة الوثنية الكاذبة.
ع26: يكرر الله أنه سيسمح بخراب أورشليم الذى يشبهه بكشف عورة المرأة برفع ذيل ثوبها إذ يتغطى وجهها وتظهر عورتها أى تفقد أورشليم كل فهم ورؤية وتصير خربة.
ع27: فسقك : أنواع الزنا المختلفة التى سرت فيها.
صهيلك : صوت الحصان.
الآكام : التلال.
مكرهاتك : تماثيل الآلهة الوثنية التى يكرهها الله.
يظهر الله سبب خراب أورشليم وهو انغماسها فى الزنا وراء الآلهة الغريبة وجريها كالحيوان الذى يمثله بالغرس وراء شهوات الزنا سواء الزنا المادى أو التعلق بعبادتها الأوثان، وقد تم الزنا على الآكام وفى الحقول حيث قدموا هذا الزنا عبادة للأوثان وانغماساً فى شهواتهم. ويتعجب الله على إصرار أورشليم على الزنا والابتعاد عنه ويناديها فى حزن إلى متى ترفض الطهارة والحياة النقية مع الله. إن سقطت فى الشر فارجع سريعاً بالتوبة إلى الله ولا ترفض صوته الذى يناديك حتى لا تدخل فى ضيقات كثيرة ويتخلى عنك وتسرع إلى هلاك نفسك أنه يحبك فلا تقسى قلبك ولا ترفض محبته.