سقوط أورشليم وسبيها
(1) سبي أورشليم (ع1-10):
1- في السنة التاسعة لصدقيا ملك يهوذا في الشهر العاشر، أتى نبوخذراصر ملك بابل و كل جيشه إلى أورشليم و حاصروها. 2- و في السنة الحادية عشرة لصدقيا في الشهر الرابع في تاسع الشهر، فتحت المدينة. 3- و دخل كل رؤساء ملك بابل و جلسوا في الباب الاوسط نرجل شراصر، و سمجرنبو، و سرسخيم رئيس الخصيان، و نرجل شراصر رئيس المجوس، و كل بقية رؤساء ملك بابل. 4- فلما رآهم صدقيا ملك يهوذا و كل رجال الحرب هربوا و خرجوا ليلاً من المدينة في طريق جنة الملك من الباب بين السورين و خرج هو في طريق العربة. 5- فسعى جيش الكلدانيين وراءهم فادركوا صدقيا في عربات أريحا فأخذوه و أصعدوه الى نبوخذناصر ملك بابل إلى ربلة في أرض حماة فكلمه بالقضاء عليه. 6- فقتل ملك بابل بني صدقيا في ربلة أمام عينيه، و قتل ملك بابل كل اشراف يهوذا. 7- و أعمى عيني صدقيا و قيده بسلاسل نحاس ليأتي به إلى بابل. 8- أما بيت الملك و بيوت الشعب فأحرقها الكلدانيون بالنار و نقضوا أسوار أورشليم. 9- و بقية الشعب الذين بقوا في المدينة، و الهاربون الذين سقطوا له، و بقية الشعب الذين بقوا سباهم نبوزرادان رئيس الشرط الى بابل.
10- و لكن بعض الشعب الفقراء، الذين لم يكن لهم شيء، تركهم نبوزرادان رئيس الشرط في أرض يهوذا و أعطاهم كروماً و حقولاً في ذلك اليوم.
ع1: يحكي لنا هذا الإصحاح كيفية إستيلاء نبوخذ نصر على أورشليم، فيعلن في هذه الآية أنه قد بدأ حصار أورشليم بواسطة نبوخذ نصر في الشهر العاشر من السنة التاسعة للملك صدقيا وهي في عام 588 ق . م
ع2: استمر حصار البابليين لأورشليم من يناير عام 588 ق . م حتى صيف نفس السنة حيث اضطروا لفك الحصار فترة صغيرة لتحرك جيش مصر ثم انتصر نبوخذ راصر على مصر في معركة كركميش بالعراق، وبعدها عاد نبوخذ نصر فحاصر أورشليم، التي ضعفت جداً من الجوع والعطش والأمراض، فدخلها واستولى عليها في صيف عام 587 ق . م في شهر يوليو أي بعد بدء الحصار بحوالي عام ونصف، وكان هذا في الشهر الرابع من السنة الحادية عشر للملك صدقيا.
ع3: الباب الأوسط : غالباً هو الباب الرئيسي لأورشليم التي كانت مبنية على خمسة تلال أهمها تل في الشمال وآخر في الجنوب بينهما وادي عميق، وكان هذا الباب يؤدي إلى هذا الوادي الذي يفصل المدينة إلى جزئين، فلذا يسمى بالباب الأوسط
هاجم نبوزردان، رئيس الشرط الذي كان يقود الجيش، مدينة أورشليم واقتحمها، ودخل رؤساء جيش بابل وجلسوا في الباب الرئيسي لمدينة أورشليم معلنين استيلاءهم على هذه المدينة، ولم يدخلوا إلى أعماقها لئلا يصبهم أذى من أحد أفراد الشعب، ولكن تحرك جنود بابل ليقبضوا على من يريدون في كل المدينة فأخذوا أفضل الناس سبايا إلى بابل. أما الملك نبوخذ نصر فقد انتظر في ميدنة ربلة ليمنع أي قوات تأتي لنجدة أورشليم. والرؤساء المذكورين هنا هم بعض الرؤساء الذين دخلوا أورشليم وليس كلهم، ويذكر وظائف البعض فأحدهم رئيس الخصيان الذين يعملون عبيداً عند ملك بابل، وآخر هو رئيس المجوس أي الحكماء والمشيرين لملك بابل وقد ذكرت أسماء أخرى من الرؤساء في (ع 13)
ع4: جنة الملك : حدائق كبيرة تابعة للملك صدقيا بجوار بركة سلوام.
الباب بين السورين : باب لأورشليم يقع جنوبها
العربة : وادي الأردن العميق شمال البحر الميت، ويؤدي إلى الصحراء العربية التي بجوار مصر.
عندما رأى الملك صدقيا بدء دخول القوات البابلية إلى أورشليم، أسرع ليهرب هو ورجال الحرب، أى الحرس الخاص به ورؤساء الجيش، واحتموا في الليل حتى لا يراهم أحد، فخرجوا من طريق جنة الملك إلى أحد أبواب أورشليم الذي يقع في جنوبها ويسمى باب بين السورين والذي يؤدي إلى وادي العربة الذي منه يستطيعون الهروب إلى مصر ليحتموا فيها.
ع5: عربات أريحا : سهول أريحا الممتدة بين أريحا ونهر الأردن وتمتد أيضاً جنوباً حتى أورشليم.
ربلة : مدينة تقع في أرض حماه شمال مدينة دمشق عاصة سوريا.
فيما كان الملك صدقيا ورجاله المحاربين هاربين من أورشليم في عربات أريحا، كانت عيون ملك بابل تراقبهم وتبحث عنهم، فعلموا بهروبهم وسعوا وراءهم حتى أدركوهم، وقبضوا عليهم في هذه السهول بجوار نهر الأردن، وأخذوهم إلى نبوخذ نصر الذي كان مقيماً في مدينة ربلة التي استولى عليها من قبل.
ع6: أمر نبوخذ نصر بقتل أبناء صدقيا الذين قبض رجاله عليهم مع أبيهم فقتلوهم أمام عيني صدقيا ليذله ويخيفه، ثم أمر أيضاً فقتلوا عظماء مملكة يهوذا الذين كانوا هاربين مع صدقيا، وهكذا شعر صدقيا بالعجز الكامل بعد قتل أولاده وعظماءه والمحاربين الذين يدافعون عنه
ع7: أمر أيضاً نبوخذ نصر بفقأ عيني صدقيا انتقاماً منه لعدم خضوعه، ثم قيده بسلاسل نحاسية أي قوية جداً لا يمكنه الفكاك منها، واقتادوه أسيراً ليعيش أسيراً في بابل بعد أن فقد كل قوته وحتى نظره.
لا تعتمد على قوتك وإمكانياتك ولا أراء الناس لأنهم كلهم ضعفاء لا يستطيعون أن يحموك، بل اطع الله وتمسك بوصاياه، حتى لو بدت ثقيلة، واثقاً من قدرته على معونتك وحمايتك وإنقاذك من كل شر.
ع8: بعد أن قتلو قادة مملكة يهوذا وأسروا الباقيين منهم، صارت أورشليم بلا قوة تدافع عنها، وكان ذاك بعد حوالي شهر من الاستيلاء عليها فأمر هنا نبوخذ نصر بحرق قصر الملك وكذلك قصور أورشليم حتى يذل المدينة وتصبح مدمرة.
ع9: سقطوا له : هربوا وسلموا أنفسهم إلى جيوش بابل
رئيس الشرط : المسئول عن الأمن في بابل
بعد ذلك قبضت جيوش بابل على كل اليهود الصالحين للعمل، وأيضاً الذين هربوا من أورشليم وسلموا أنفسهم إلى جيوش بابل، وأخذوهم سبايا مقيدين كعبيد إلى بابل، كل هذا كان بأمر قائد الجيوش البابلية نبوزردان.
ع10: لم يبق في أورشليم إلا الفقراء والضعفاء من اليهود، فأعطاهم نبوزردان الحقول المحيطة في أورشليم ليزرعوها وقد قصد من ذلك :
- المحافظة على هذه الحقول ليأخذ منها البابليون ويستغلونها عندما يريدون في شكل ضرائب.
- لا يوجد في أورشليم إلا الضعفاء الغير قادرين على مقاومة بابل.
- إكرام هؤلاء الفقراء، الذين استغلهم عظماء اليهود وأغنياؤهم، وبهذا يكسبونهم فيدينون بالولاء لبابل وليس لوطنهم.
(2) العناية بأرميا (ع11-14):
11- و أوصى نبوخذراصر ملك بابل على إرميا نبوزرادان رئيس الشرط قائلاً : 12- خذه وضع عينك عليه و لا تفعل به شيئاً رديئاً بل كما يكلمك هكذا أفعل معه. 13- فأرسل نبوزرادان رئيس الشرط و نبوشزبان رئيس الخصيان و نرجل شراصر رئيس المجوس و كل رؤساء ملك بابل. 14- أرسلوا فأخذوا إرميا من دار السجن و أسلموه لجدليا بن أخيقام بن شافان ليخرج به إلى البيت فسكن بين الشعب.
ع11، 12: توضح هاتان الآيتان أن “نبوخذ ناصر” أوصى قائد جيوشه نبوزرادان بإطلاق سراح إرميا والعناية به وإعطاءه الحرية أن يفعل ما يريد أي حرية كاملة.
ويفهم من هذا أن نبوزرادان أخرجه من السجن الذي سجنه فيه “صدقيا” الملك وأعطاه حريته في أورشليم، ولكن بالرجوع إلى (إر 40 : 1 – 2) نجد أن إرميا كان مقبوضاً عليه ومسبياً إلى بابل، وفي الطريق عند مدينة تُسمى الرامة، صدر الأمر من نبوخذ نصر إلى نبوزرادان بإطلاق سراحه وإعادته إلى أورشليم حراً. وليس هناك تعارض بين الأصحاحين فقد أخرجوه من سجنه وأرسلوه إلى بابل مع المسبيين، ولكن يبدو أن أخباراً وصلت إلى نبوخذ راصر من اليهود المسبيين أن إرميا هو نبي الله الذي كان يُنادي الملك والشعب حتى يخضعوا لبابل، فشعر نبوخذ راصر أنه ليس عدواً له فأطلق سراحه وأكرمه كما ذُكر في هذا الإصحاح، فعاد من الرامة إلى أورشليم.
ع13، 14: جدليا بن احنيقام بن شافان : كان متعاوناً مع البابليين فأقاموه بعد ذلك حاكماً على أورشليم وما حولها.
نَفَذ نبوزرادان ورؤساء بابل أوامر نبوخذ نصر الملك وأطلقوا إرميا من السجن، وسلموه إلى جدليا الذي سيصير حاكماً على أورشليم ليعتني به ويُسكنه بين الشعب في أورشليم ويتحرك بحرية كاملة.
إن الله يعتني بأولاده حتى في أصعب الضيقات، ويستخدم لذلك كل الوسائل حتى الأعداء أنفسهم. فلا تضطرب مهما كانت ظروفك صعبة لأن الله معك يسندك وينجيك من كل المخاطر، بل ويعتني بك لتحيا معه في طمأنينة.
[3] نبوة عن “عبد ملك” : (ع 15 – 18):
15- و صارت كلمة الرب إلى إرميا إذ كان محبوساً في دار السجن قائلة: 16- اذهب و كلم عبد ملك الكوشي قائلاً : هكذا قال رب الجنود إله إسرائيل : هأنذا جالب كلامي على هذه المدينة للشر لا للخير فيحدث أمامك في ذلك اليوم. 17- و لكنني أنقذك في ذلك اليوم، يقول الرب، فلا تسلم ليد الناس الذين أنت خائف منهم. 18- بل إنما أنجيك نجاة فلا تسقط بالسيف، بل تكون لك نفسك غنيمة لأنك قد توكلت عليَّ، يقول الرب.
ع 15 : يعود هذا فيذكر نبوة أعطاها الله لإرميا عندما كان مسجوناً في أورشليم قبل أن يطلق نبوزرادان سراحه.
ع 16 : هذه النبوة أرسلها الله على فم إرميا إلى “عبد ملك الكوشي” وهو أحد عبيد “صدقيا” ملك يهوذا من المشيرين المقربين إليه والذي صنع أحساناً إلى إرميا عندما تشفع فيه أمام صدقيا حتى لا يموت في الجب المملوء بالوحل غير خائف من رؤساء ملك يهوذا الذين وضعوه في الجب وأخذ أمراً من صدقيا فأخرج إرميا من الجب ووضعه في سجن أفضل.
(ص 38 : 7 – 13)
هذه الرسالة الإلهية إلى عبد ملك تعلن أن كلام الله، بتدمير أورشليم وقتل وسبي من فيها، سيتم سريعاً ويراه “عبد ملك”.
ع 17: واحتوت هذه الرسالة أيضاً بشرى لعبد ملك أن الله سينجيه من يد أعدائه البابليين فلا يقبضون عليه.
ع18: والأمر الثالث الذي احتوته هذه الرسالة أن الله سينجيه من الموت فلا يقتله البابليون، وذلك بسبب إيمانه بالله وإتكاله عليه فقد خاف الله وأشفق على إرميا نبيه وأنقذه من الموت، لذا ينجيه الله من الموت، وهكذا حفظ الله ثلاثة هم :
- نبيه “إرميا” بسببت طاعته لله وإعلان صوته لكل الشعب.
- “عبد ملك” وهو يمثل الأمم الذين يخافون الله ويعملون الرحمة.
- الفقراء من اليهود الذين أعطاهم البابليون الحقول والكروم ليزرعوها وياكلون منها وهم يمثلون الضعفاء المتكلون على الله.
إن كنت تطيع الله وتخافه وتتكل عليه، يحفظك الله وينجيك من الشر ليس فقط في هذه الحياة بل يهبك أمجاد الحياة الأبدية، فتمسك بوصايا الله حتى لو ابتعد الكل عنها ولا تنسى هدفك الوحيد الذي هو “محبة الله”