تأديب الله وخلاصه لشعبه
(1) الكرمة المشتهاة (ع1-5) :
1فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يُعَاقِبُ الرَّبُّ بِسَيْفِهِ الْقَاسِي الْعَظِيمِ الشَّدِيدِ لَوِيَاثَانَ، الْحَيَّةَ الْهَارِبَةَ. لَوِيَاثَانَ الْحَيَّةَ الْمُتَحَوِّيَةَ، وَيَقْتُلُ التِّنِّينَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ. 2فِي ذلِكَ الْيَوْمِ غَنُّوا لِلْكَرْمَةِ الْمُشَتَهَاةِ: 3«أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ. لِئَلاَّ يُوقَعَ بِهَا أَحْرُسُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا. 4لَيْسَ لِي غَيْظٌ. لَيْتَ عَلَيَّ الشَّوْكَ وَالْحَسَكَ فِي الْقِتَالِ فَأَهْجُمَ عَلَيْهَا وَأَحْرِقَهَا مَعًا. 5أَوْ يَتَمَسَّكُ بِحِصْنِي فَيَصْنَعُ صُلْحًا مَعِي. صُلْحًا يَصْنَعُ مَعِي».
ع1: لوياثان : حيوان ضخم أسطورى يرمز للشيطان، أو للممالك التى سيطرت وأذلت شعب الله.
المتحوية : المتلوية.
التنين : حيوان ضخم يعيش فى البحر، وهو أسطورى، ومخيف جداً.
“فى ذلك اليوم” هو اليوم الذى يعاقب فيه الله الممالك التى أذلت شعبه، مثل آشور وبابل.
وهو أيضاً يوم الصليب، الذى قيد فيه المسيح الشيطان، وأخرج فيه أولاده من الجحيم، ونقلهم للفردوس، ولم يعد للشيطان سلطانٌ عليهم.
وهو اليوم الأخير، يوم الدينونة الذى يعاقب الله فيه الشيطان، ويلقيه فى العذاب الأبدى.
ونلاحظ أن هذه الآية هى امتداد للآيات المذكورة فى نهاية الأصحاح السابق، أى يكمل عمل الله الذى سيعمله مع شعبه ضد الشيطان، وهو استكمال لعمل الله المذكور فى (ص24: 21، 22).
إن سيف الله القاسى العظيم هو كلمة الله المسيح إلهنا الذى يعاقب الشيطان، وكل من يتبعه من الأشرار، والذين أطال الله أناته عليهم كثيراً، وفى النهاية لا ينتظرهم إلا الهلاك.
ع2، 3: والكرمة المشتهاة هى شعب الله، الذى يؤمن به، ويعمل مشيئته، وهو كنيسة العهد الجديد، التى فداها المسيح بدمه. وهذه الكرمة يهتم بها الله، فيعمل بها ما يلى :
1- غنوا : يطلب من السمائيين أن يفرحوا، ويغنوا لها، فيشجعوها، ويفرحوا قلبها بهذه الأغانى الروحية، فتشترك معهم فى تسبيح الله، وتتلذذ بعشرته.
2- أنا الرب حارسها : الله بنفسه هو سورها وسياجها وحاميها من حروب الشيطان، ومن كل الظروف التى تبعدها عنه، فلا يستطيع الشيطان أن يوقعها إلا إذا تركته ولو قليلاً، ولكن إذا عادت إليه بالتوبة تستعيد حراسة الله لها. وهو أيضاً مالكها، إذ اشتراها بدمه، ويملك على قلبها، وفى نفس الوقت يقوم بحراستها بنفسه؛ لأنها غالية جداً عنده.
وهذه الحراسة دائمة طوال حياتها، فهو يحرسها نهاراً وليلاً، أى على الدوام من كل شر وشبه شر. والحراسة فى النهار ترمز إلى أوقات الراحة والسعة؛ لئلا عندما تستريح تنشغل بمشاغل العالم عن الله. والحراسة فى الليل ترمز إلى أوقات الضيقة التى يمكن أن تتزعزع الكرمة فيها، فالله يحرسها لتثبت فى إيمانها.
3- أسقيها كل لحظة : الماء الذى يسقيها الله به هو عمل الروح القدس المستمر؛ لأن الروح يسكن فيها سكنى دائمة، ويعمل فيها كل شىء لثباتها ونموها الروحى.
ع4، 5: الحسك : نبات شوكى تحورت أوراقه إلى أشواك، فهو يمثل الفقر والتعب وعدم البركة، وقد نتج هذا بعد سقوط آدم، فأعطته الأرض الشوك والحسك.
يستكمل الله أشكال رعايته للكرمة المشتهاة فيقول :
4- ليس لى غيظ : أى أنا لا أغتاظ من شعبى لأجل خطاياه، التى تاب عنها، بل أمحوها بصليبى، وأحبه، وأعتنى به.
5- ليت علىَّ الشوك والحسك : محبة الرب للكرمة المشتهاة جعلته يحمل خطاياها على رأسه فى شكل إكليل الشوك، بل ويموت عنها، ويرفع عنها خطاياها.
وفى القتال يهجم عليها ويحرقها معاً؛ هذا القتال هو قتال الصليب، حيث يهجم المسيح على الشوك، أى على الشيطان وكل قوته، ويهزمه، فبموته داس الموت وكل نتائجه، مثل الشوك والحسك، أى اللعنة التى أتت على الأرض والمزروعات بسبب خطية الإنسان. ولكن إن رفض الإنسان أن يؤمن بالله، فيبقى الشوك والحسك معه، ويحترق هو أيضاً مع هذا الشوك فى العذاب الأبدى؛ لإصراره على الخطية.
ولكن إن تمسك الإنسان بالله، وتحصن فيه، أى فى صليبه، فإنه ينجو من كل نتائج الخطية، فيحيا مع الله، ويتمتع ببركاته. وصنع الصلح مع الله هو الإيمان والتوبة عن كل خطية، فيعطيه الله ختماً على إيمانه وتوبته فى سر المعمودية، وبعد هذا طوال حياته فى سر التوبة والاعتراف، فيظل حياً، بل ويتغذى من جسد الرب ودمه.
الله يحبك، ومهتم برعايتك، فلا تنشغل عنه، بل تمسك به، والتجئ إلى حصنه عندما يهاجمك الشيطان، فهو بلا قيمة، هو وكل حروبه أمام قوة الله التى تحميك.
(2) تأديب الله (ع6-11).
6فِي الْمُسْتَقْبِلِ يَتَأَصَّلُ يَعْقُوبُ. يُزْهِرُ وَيُفْرِعُ إِسْرَائِيلُ، وَيَمْلأُونَ وَجْهَ الْمَسْكُونَةِ ثِمَارًا. 7هَلْ ضَرَبَهُ كَضَرْبَةِ ضَارِبِيهِ، أَوْ قُتِلَ كَقَتْلِ قَتْلاَهُ؟ 8بِزَجْرٍ إِذْ طَلَّقْتَهَا خَاصَمْتَهَا. أَزَالَهَا بِرِيحِهِ الْعَاصِفَةِ فِي يَوْمِ الشَّرْقِيَّةِ. 9لِذلِكَ بِهذَا يُكَفَّرُ إِثْمُ يَعْقُوبَ. وَهذَا كُلُّ الثَّمَرِ نَزْعُ خَطِيَّتِهِ: فِي جَعْلِهِ كُلَّ حِجَارَةِ الْمَذْبَحِ َحِجَارَةِ كِلْسٍ مُكَسَّرَةٍ. لاَ تَقُومُ السَّوَارِي وَلاَ الشَّمْسَاتُ. 10لأَنَّ الْمَدِينَةَ الْحَصِينَةَ مُتَوَحِّدَةٌ. الْمَسْكَنُ مَهْجُورٌ وَمَتْرُوكٌ كَالْقَفْرِ. هُنَاكَ يَرْعَى الْعِجْلُ، وَهُنَاكَ يَرْبِضُ وَيُتْلِفُ أَغْصَانَهَا. 11حِينَمَا تَيْبَسُ أَغْصَانُهَا تَتَكَسَّرُ، فَتَأْتِي نِسَاءٌ وَتُوقِدُهَا. لأَنَّهُ لَيْسَ شَعْبًا ذَا فَهْمٍ، لِذلِكَ لاَ يَرْحَمُهُ صَانِعُهُ وَلاَ يَتَرَأَّفُ عَلَيْهِ جَابِلُهُ.
ع6: فى المستقبل : أى ليس الآن؛ لأن شعب الله منغمس فى الخطايا، ولا يطيع وصايا الله، ولكن الله سيعمل فيه بتأديبات تؤدى به إلى نجاح، فيثمر ثماراً عظيمة تفوق العقل. متى؟ هذا ما سنعلمه حالاً.
يتأصل يعقوب : أى يثبت شعب الله فى نعمته، وفى إيمانه، ويكون كما يريد الله، متى ؟
1- عند الرجوع من السبى بعد احتمال الشعب آلام العبودية مدة طويلة، يرجع لأورشليم بطهارة ونقاوة، ويبنى الهيكل والمدينة المقدسة، ويعمرها بسكناه فيها.
2- فى العهد الجديد، أى فى الكنيسة التى تضم مؤمنين من اليهود والأمم، وينتشرون فى العالم كله، ويصلون فى كنائس فى كل مكان.
يزهر ويفرع إسرائيل : أى يمتد شعب الله ويكثر، ويعطى أزهاراً جميلة تعبر عن الفضائل التى يتحلى بها.
ويملأون وجه المسكونة ثماراً : أى تظهر فضائل شعب الله الراجع من السبى، وتظهر نعمة الله المساندة له، وتخرج أخبار هذا الشعب إلى كل العالم المحيط به.
أما فى العهد الجديد، فتنتشر الثمار، أى المؤمنين بالمسيح فى كل مكان، وتظهر فيهم الفضائل المسيحية التى تؤثر فى قلوب الوثنيين المحيطين بهم.
ع7: يتساءل إشعياء ويقول هل ضرب الله لشعبه مثل ضربه لمن ضربوا شعبه، أى أن الله أدب شعبه بضيقات؛ ليتوبوا، ولكنه عندما ضرب آشور وبابل، أو كل من وقف ضد شعبه، كان ضرباً شديداً كعقاب لشرورهم، فهناك فارق كبير جداً بين تأديب شعبه، وبين إبادة، وتدمير الأشرار المعاندين، الرافضين للإيمان بالله، وأيضاً المنغمسين فى خطاياهم.
ويتساءل إشعياء مرة أخرى للتأكيد، فيقول: هل قتل الله لشعبه، مثل قتله لقتلاه، وهم أعداء شعب الله ؟ فإن كان قد مات بعض من شعب الله أثناء التأديب، ولكنه لم يفنِ شعبه، وإن كان سيفرقهم فى العالم كله، ويشتتهم، لكنه يعود فيجمعهم، ويباركهم، ويثبتهم فى حياة مقدسة، وفى عبادة نقية فى هيكله، أما أعداء شعب الله فقتلهم بعنف لأنهم يتحدون الله بكبرياء، مثلما أباد جيش الأشوريين بالملاك الذى أهلكهم. وإن كان قد سمح الله لشعبه بالذل فى عبوديتهم لفرعون بمصر، ولكنه أهلك أبكار المصريين، ثم غرق فرعون وكل جيشه فى البحر.
ع8: بزجر : بانتهار وتوبيخ وغضب عنيف.
إن الله قد غضب على شعبه، وطلق عروسه، وهى أمة اليهود، أى أبعدها عن المدينة المقدسة أورشليم، والهيكل، وشتتها فى العالم كله.
وخاصمتها، أى أبعدت نعمتى عنها، وأزلتها بريح شرقية، وهى ريح سيئة، مفسدة. والمعنى أن أمة اليهود لم يعد لها مكان فى العالم، بل أصبحت متفرقة فى كل مكان. كل هذا تأديب مؤقت، ولكن الله، إذ يرجعون إليه بالتوبة، سيعيدهم من السبى إلى بلادهم. والريح الشرقية ترمز إلى الأشوريين والبابليين الآتيين من الشرق والذين هجموا على السامرة وأورشليم وما حولها.
ع9: كلس : جير.
السوارى : أعمدة خشبية طويلة تثبت على أماكن مرتفعة رمزاً للآلهة الوثنية التى يعبدونها.
الشمسات : تماثيل الشمس التى كانوا يعبدونها.
الله يعلن أنه يكفر عن إثم شعبه يعقوب بأن يؤدبهم، فيتوبوا، فيسامحهم، والله يعطيهم الكفارة والغفران؛ لأنهم تابوا بقبولهم التأديب.
إن ثمار التأديب الإلهى لشعبه هو أن ينزع خطاياهم، وأهمها عبادتهم للأوثان.
فى جعله كل حجارة المذبح كحجارة كلس مكسرة : الله سيزيل كل مذابح الأوثان، ويكسر حجارتها، بل تصير مثل الجير الهش الضعيف، فلا يجدون مكاناً يعبدون فيه هذه الآلهة الغريبة، بل يرفضونها؛ لأنها لم تسعفهم فى وقت ضيقتهم، ويرجعون إلى الله.
لا تقوم السوارى ولا الشمسات : وبهذا تنتهى عبادة الأوثان التى يعملون لها شمسات وسوارى، فلا تقوم، أى تنتهى، ويبيدها الله من وسط شعبه، فيحيا الشعب فى طهارة وعبادة نقية لله.
ع10: يربض : يجلس.
المدينة الحصينة هى أورشليم، أو السامرة؛ هذه، أو تلك متوحدة؛ لأن الله تخلى عنها بسبب عبادتها للأوثان، وشرورها الكثيرة، فهجم على السامرة الأشوريون، وعلى أورشليم البابليون، وخربوهما.
والمسكن مهجور ومتروك كالقفر؛ لأن الأعداء قتلوا من فى المدينة، وهرب الباقون، فصار المكان قفراً بلا سكان.
فى هذا القفر، أى مكان السامرة وأورشليم سترعى الماشية، التى منها العجل، ويجلس فيها براحته، وإن كان فيها أشجار، أو نباتات باقية، يتلفها، ويفسد أغصانها.
ع11: عندما تيبس وتجف أغصان الأشجار التى ترمز إلى السامرة وأورشليم، تأتى النساء وتأخذ هذه الأغصان الجافة، وتستخدمها فى إشعال النار، أى تصير للحريق؛ هذه هى نهاية شعب الله الذى انفصل عن إلهه بعبادة الأوثان، والتمادى فى الشر، فأصبح تالفاً لتخلى الله عنه، ولا يصلح لشىء، لأنه لا يريد أن يتوب.
والسبب فى كل هذا الدمار، هو أن شعب الله أصبح جاهلاً بلا فهم؛ لأنه ترك الله، وأصر على العصيان، وترك وصايا الله، فلهذا لا يترأف عليه خالقه، بل يؤدبه بضيقة السبى؛ حتى يتوب، ويرجع فيعود الله، ويرحمه.
إعلم يا أخى أن سبب متاعبك هو تهاونك مع الخطية، فارجع عنها بالتوبة؛ ليرفع الله عنك كل نتائجها، وتستعيد سلامك، ويباركك الله فى حياتك.
(3) الرجوع من السبى (ع12، 13).
12وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ الرَّبَّ يَجْنِي مِنْ مَجْرَى النَّهْرِ إِلَى وَادِي مِصْرَ، وَأَنْتُمْ تُلْقَطُونَ وَاحِدًا وَاحِدًا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. 13وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِبُوق عَظِيمٍ، فَيَأْتِي التَّائِهُونَ فِي أَرْضِ أَشُّورَ، وَالْمَنْفِيُّونَ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَيَسْجُدُونَ لِلرَّبِّ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ فِي أُورُشَلِيمَ.
ع12: فى ذلك اليوم : المقصود يوم الرجوع من السبى، ويقصد أيضاً العهد الجديد والمسيح الفادى الذى يؤمن به الكثيرون من كل مكان فى العالم. وكذلك يقصد يوم الدينونة وملاقاة الرب، والدخول إلى الملكوت.
الرب يجنى من مجرى النهر إلى وادى مصر : الجنى هو جمع الثمار، ومجرى النهر مقصود به نهر الفرات، ووادى مصر يقصد به وادى نهر صغير فى برية سيناء، كل هذه المساحة انتشر فيها شعب الله، وتشتت أيام الحكم الأشورى، ثم الحكم البابلى. والله يجنيه، أى يجمعه بأمر كورش الملك الفارسى، وبقيادة زربابل عاد شعب الله إلى أورشليم واليهودية.
وأنتم تلقطون واحداً واحداً يا بنى إسرائيل : أى أن الله يختار شعبه واحداً واحداً من بين الوثنيين، فالله يعرف كل واحد باسمه، ويرجع هؤلاء المؤمنون ليعبدوا الله، ويبنوا هيكله فى أورشليم.
هذا الالتقاط أيضاً حدث عندما تمم المسيح الفادى الخلاص على الصليب، فجمع الله من العالم كله كل من آمن به، وصاروا مسيحيين، وعبدوا الله فى كنيسته.
وسيحدث فى يوم الدينونة عندما يلتقط الله أولاده المؤمنين به، ويدخلهم إلى الملكوت السماوى.
ع13: فى ذلك اليوم الذى سبق وشرحنا معناه فى الآية السابقة، يضرب ببوق عظيم، وهو بوق كورش، الذى به تم جمع بنى إسرائيل من كل مكان، أو جمع كل من يستحق الإيمان بالمسيح، أو كل المستعدين للسماء، فيدخلون الملكوت.
ويسجد كل الراجعين من السبى فى أورشليم، أو يسجد المؤمنون بالمسيح فى أورشليم الجديدة، أى الكنيسة، أو يسجدون لله إلى الأبد فى ملكوت السموات. الله يريدك أن ترجع إليه من تيهانك فى العالم ومشاغله، فلا تبطئ؛ لتتمتع بالحياة السعيدة بين يديه.