العمر فرصة للإقتراب إلى الله
(1) الشباب والشيخوخة (ع1-8):
1فَاذْكُرْ خَالِقَكَ فِي أَيَّامِ شَبَابِكَ، قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ أَيَّامُ الشَّرِّ أَوْ تَجِيءَ السِّنُونَ إِذْ تَقُولُ: «لَيْسَ لِي فِيهَا سُرُورٌ». 2قَبْلَ مَا تَظْلُمُ الشَّمْسُ وَالنُّورُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ، وَتَرْجعُ السُّحُبُ بَعْدَ الْمَطَرِ. 3فِي يَوْمٍ يَتَزَعْزَعُ فِيهِ حَفَظَةُ الْبَيْتِ، وَتَتَلَوَّى رِجَالُ الْقُوَّةِ، وَتَبْطُلُ الطَّوَاحِنُ لأَنَّهَا قَلَّتْ، وَتُظْلِمُ النَّوَاظِرُ مِنَ ئلشَّبَابِيكِ. 4وَتُغْلَقُ الأَبْوَابُ فِي السُّوقِ. حِينَ يَنْخَفِضُ صَوْتُ الْمِطْحَنَةِ، وَيَقُومُ لِصَوْتِ الْعُصْفُورِ، وَتُحَطُّ كُلُّ بَنَاتِ الْغِنَاءِ. 5وَأَيْضًا يَخَافُونَ مِنَ الْعَالِي، وَفِي الطَّرِيقِ أَهْوَالٌ، وَاللَّوْزُ يُزْهِرُ، وَالْجُنْدُبُ يُسْتَثْقَلُ، وَالشَّهْوَةُ تَبْطُلُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ ذَاهِبٌ إِلَى بَيْتِهِ الأَبَدِيِّ، وَالنَّادِبُونَ يَطُوفُونَ فِي السُّوقِ.
6قَبْلَ مَا يَنْفَصِمُ حَبْلُ الْفِضَّةِ، أَوْ يَنْسَحِقُ كُوزُ الذَّهَبِ، أَوْ تَنْكَسِرُ الْجَرَّةُ عَلَى الْعَيْنِ، أَوْ تَنْقَصِفُ الْبَكَرَةُ عِنْدَ الْبِئْرِ.7فَيَرْجعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ، وَتَرْجعُ الرُّوحُ إِلَى اللهِ الَّذِي أَعْطَاهَا.
8بَاطِلُ الأَبَاطِيلِ، قَالَ الْجَامِعَةُ: الْكُلُّ بَاطِلٌ.
ع1 : فى ختام سفر الجامعة يقدم سليمان النتيجة المستنتجة من كل الأصحاحات السابقة فى نصيحة يبدأ بها الأصحاح، وهى تذكر الخالق فى أيام الشباب.
وهذا التذكر يعنى:
- تقديم العبادة المقدسة له.
- ذكر وترديد إسمه القدوس.
- شكر الله على أنه خلقنا، وخلق العالم كله لنا.
- تذكر محبته لنا، فنتجاوب معه فى صلوات وتسابيح كثيرة.
- تذكر الله بعمل أعمال صالحة وأعمال خير مع كل من حولنا.
الله له أعمال كثيرة معنا، ولكن أولها وأهمها أنه خلقنا، أى أوجدنا من العدم، فصار لنا وجود وكيان، فنشكره على الخلقة، ونشكره أيضاً على كل رعايته لنا.
تذكر الخالق فى أيام الشباب معناه تقديم باكورة حياتنا له، أى أهم أوقات عمرنا؛ لأن الشباب مملوء حيوية، وقدرة على النشاط والعمل، ويليق بالله أن نقدم له الباكورة، كما نصَّت شريعة موسى على تقديم باكورة المحاصيل والحيوانات، فبالأولى نقدم باكورة عمرنا وقدرتنا وهى الشباب لله.
كلمة خالقك فى اللغة العبرية جاءت بصورة الجمع، والمقصود الثالوث القدوس، الذى خلق الإنسان، أى شكر الله بعمق، وتقدير لكل أقانيمه التى خلقتنا وعملت فينا. كما سبق وأعلن سفر التكوين هذا فى (تك 1 : 26).
أيام الشر هى أيام ضعف الإنسان، سواء بالمرض، أو الشيخوخة. وتجىء السنون، أى يتقدم العمر، ويبدأ الإنسان يفقد سروره من أجل ضعفه الجسدى والنفسى. فالشيخوخة هى امتداد لفترة الشباب، ولكن إن حاول الإنسان أن يتوب فى فترة الشيخوخة، بعد أن أمضى حياته كلها فى الشهوات الشريرة، فتكون التوبة صعبة، وفرصة تذوق حلاوة وعشرة الله ضئيلة جداً، ويصعب أيضا تغيير عادات الإنسان السيئة التى تعودها طوال حياته. وبالتالى ينبغى أن نتذكر الله فى أيام الشباب المملوءة مرونة وحيوية ونشاط، وبالتالى فرح وسرور بعمل الله، والتمتع بعشرته.
ع2 : يبين سليمان من (ع 2-8) مظاهر سن الشيخوخة، التى يطلب من الشاب أن يتذكر الله قبل أن تأتى. وأول مظهر لسن الشيخوخة “ضعف النظر” فلا يرى الإنسان الشمس والقمر والنجوم، بعد أن كان يراها جيداً عندما كان شاباً. وإن كان هناك استثناءات، فقد أعطى الله موسى العظيم قدرة على الإبصار حتى عمر 120 عاماً (تث 34 : 7).
ومن الناحية الروحية، الشمس ترمز للمسيح شمس البر، فمن يسقط فى الشيخوخة الروحية، سواء كان سنه كبيراً أو صغيراً، لا يرى المسيح، وكذلك لا يتمتع بنور الكنيسة، التى يرمز إليها بالقمر، ولا شركة القديسين، التى يرمز إليها بالنجوم.
عندما تأتى السحب بعد المطر تجعل الرؤية صعبة على الإنسان، وهذا ما يحدث مع الشيوخ الذين يضعف نظرهم، أما الشباب، فهم يرون جيداً الشمس والقمر والنجوم.
والسحب التى تلى المطر تعنى توالى السحب، فكما كانت قبل المطر، تعود وتتجمع بعدها، وهذا يعنى أن الشيوخ تتوالى عليهم الضيقات من ضعفات الجسد ومشاكل الحياة لكبر سنهم.
ومن الناحية الروحية، فإن السحب تحجب السماء، فترمز إلى عدم رؤية الله. وتوالى تجمع السحب، يرمز إلى توالى السقوط فى الخطية؛ بسبب تعود الشيخ البعيد عن الله على عادات سيئة، وابتعاده عن حياة التوبة والجهاد الروحى.
ع3: حفظه البيت : من يحافظون على البيت وهم الحراس والمقصود يدى الإنسان.
رجال القوة : الرجال الأقوياء الذين يدافعون عن البيت، والمقصود رجلى الإنسان.
الطواحن : جمع طاحونة التى تطحن القمح والشعير، والمقصود أسنان الإنسان التى تطحن الطعام.
النواظر : العينان وباقى حواس الإنسان الخمسة.
اليوم هو يوم الشيخوخة، بعد أن انتهت فترة الشباب. ويعلن هنا صفة ثانية من صفات الشيخوخة، وهى “الضعف الجسدى”، التى تظهر فيما يلى:
1- تزعزع حفظه البيت، أى اهتزاز اليدين، فلا يستطيع الشيخ أن يحمل بيديه أحمالاً ثقيلة، وقد تسقط من يديه إذا حاول حملها، وبسبب جهازه العصبى قد ترتعش يداه.
والمعنى الروحى، هو ضعف قدرة الشيخ على الجهاد، والأعمال الإيجابية فى خدمة من حوله.
2- تتلوى رجال القوة: وتعنى أن رجلى الشيخ تصبح ضعيفتين تتلوى تحته، فيكاد يسقط على الأرض. وقد يحتاج إلى عصا تسانده، أو مشاية، وأحيانا يعجز عن المشى، فيجلس على مقعد متحرك.
والمعنى الروحى، هو ضعف قدرة الشيخ على الجهاد الروحى بالسير فى طريق الله، واجتياز العقبات الروحية. ويعجز أيضا عن أن يدوس حروب الشياطين وقوتها. أما الشاب فهو من تدعوه صلاة الشكر “أن الله أعطانا السلطان أن ندوس الحيات والعقارب وكل قوة العدو”. فالشيخوخة الروحية هى ضعف شديد فى طريق الجهاد الروحى، وقد تؤدى إلى تشكك الإنسان فى نفسه، بل وسقوطه فى الاكتئاب واليأس. أما كبير السن الممتلئ قلبه بالإيمان، يكون له الشباب الروحى، ويستمر فى نموه وتقدمه نحو الله، حتى نهاية حياته، كما فى حياة القديسين الذين عاشوا سنوات طويلة، مثل الأنبا بولا، والأنبا أنطونيوس، ويجدد الله مثل النسر شبابهم (مز 103 : 5).
3- تبطل الطواحن لأنها قلت :
لأن الضروس تساقطت، أو صارت قليلة فى الشيخوخة، فتعجز عن طحن الطعام، ويقل أكله، ويقل طحن الطعام، فيصير غير مهضوم بالقدر الكافى، مما يجعل امتصاصه فى الجسم ضعيفاً، فتضعف صحة الشيخ.
ومن الناحية الروحية، يرمز بطلان الطواحن إلى العجز عن قبول كلام الله، والتمتع به، أى لا يتأثر الذى أصيب بالشيخوخة الروحية بكلام الله، ويصبح تأثيره عليه ضعيفاً.
4- وتظلم النواظر من الشبابيك:
تضعف الحواس، وأولها النظر؛ حتى لو استخدمت لها شبابيك، وهى النظارات للعيون، والسماعات للأذان، إلا أنها تظل ضعيفة، غير قادرة على تمييز ما يحيط بها فى المجتمع الخارجى.
من الناحية الروحية، ترمز ظلمة نواظر المصابين بالشيخوخة الروحية إلى ضعف التمييز الروحى، أما الروحانيون من كبار السن، أو الأصغر منهم، فيستطيعون بنعمة الله التمييز والإفراز والحكمة.
ع4: الصفة الثالثة للشيوخ هى “الإنعزال عن العالم” كما يظهر فيما يلى:
1- وتغلق الأبواب فى السوق: أى لا يكون هناك ميل للشيخ أن يخرج من بيته للسوق، حيث ازدحام الناس، ولم يعد له ميل للبيع والشراء، فيبتعد عن أعمال العالم تدريجيا، ويصاب بالإكتئاب، الذى يصاحب ضعفه الجسدى، فيظل داخل بيته.
وتغلق أيضا أبواب الفم وهى الشفتان، فلا يميل إلى الكلام والحوار، فيفقد طول الأناة، ويوقف الحوار بالغضب، أو بالصمت.
ومن الناحية الروحية، يرمز هذا إلى ضعف المحبة نحو الآخرين، والانغلاق فى الأنانية، وضعف العطاء، هذه هى الشيخوخة الروحية.
وعلى العكس، الشيوخ الممتلئون حيوية وشباب روحى، تزداد قدرتهم على العطاء والحب والحنان على الجميع.
2- حين ينخفض صوت المطحنة :
انخفاض صوت المطحنة، كما ذكرنا، هو تساقط الضروس، وضعف القدرة على الأكل، الذى يصاحبه قلة الكلام، وعدم الميل إلى فتح الفم.
من الناحية الروحية، الشيخوخة الروحية يصاحبها ضعف الميل للشبع بكلام الله، وبالتالى ضعف الميل لتعليم الآخرين والعناية والرعاية لمن حولهم.
3- يقوم لصوت العصفور :
الكبير فى السن يصاب بالقلق، فينام جزء قليل من الليل، ويقوم لأضعف صوت، وهو صوت العصفور. ويمتلئ قلبه بالهم والغم، وينزعج من صوت العصفور كأنه غراب، أى ينزعج لأصغر الحوادث المحيطة به.
وروحيا المصاب بالشيخوخة الروحية كثير الإضطراب والانزعاج، حتى من الأمور التافهة. أما الذين يتمتعون بالشباب الروحى، فتمتلئ قلوبهم بالسلام حتى وسط أصعب الظروف.
4- تحط كل بنات الغناء :
تحط، أى تهبط وتضعف أصوات المغنيات، فلا يكون للشيخ ميل لسماع الأغانى والطرب والاحتفالات، فهو ينعزل تدريجياً عن العالم، لا يميل للكلام ولا أيضا للإستماع؛ لضعف قدرته على السمع،وعدم ميله النفسى أيضا. فصوت الشيخ ضعيف لا يساعده على الكلام ولا أيضا الغناء، وأذناه ثقيلتان كما قلنا – تسمع بصعوبة.
ومن الناحية الروحية، الذى يعانى من الشيخوخة الروحية يضعف ميله لاستماع كلام الله، وتضعف قدرته على التلذذ بالتسابيح والترانيم، ولا يميل للتكلم عنها، لأنه عاش كل حياته بعيداً عنها، فلم يكن له علاقة بها. وعلى العكس الذى يتمتع بالشباب الروحى يميل إلى ترديد التسابيح والترانيم، ويفرح بسماع الألحان الكنيسة.
ع5 : أهوال : مصائب كبيرة.
اللوز : المقصود لوز القطن الذى عندما يزهر يظهر القطن الأبيض الذى بداخله.
الجندب : نوع من الجراد وهو خفيف جداً فى وزنه.
يستثقل : يشعر الشيخ أنه ثقيل.
النادبون : هم الذين يطلقون أصوات وكلمات الحزن على الميت، ويتقاضون أجرة عن ذلك.
الصفة الرابعة فى الشيوخ هى “الخوف وفقدان اللذة”
“وأيضا يخافون من العالى” فإذا وجدوا مبنى مرتفع يخافون أن يصعدوا السلم لئلا تضعف أرجلهم عند الصعود، وكذلك خوفاٌ من الدوار الذى قد يصيبهم عند الصعود، وقد يخافون من سقوط المبنى عليهم، وقد تضيق أنفاسهم عند صعودهم لضعفهم.
ومن الناحية الروحية، لا يسعى الذين سقطوا فى الشيخوخة الروحية إلى النمو والارتفاع نحو السمائيات والروحيات.
أما الشيوخ المرتبطون بالله، فيزداد خوفهم من الله (العالى)، فتزداد مشاعر التوبة عندهم، وتزداد صلواتهم وتسابيحهم.
“وفى الطريق أهوال”
يخاف الشيوخ أن ينزلوا من بيوتهم للشارع، إذ يتوهمون وجود أهوال ستصادفهم فى الطريق، ويتعرضون لمتاعب كثيرة لضعفهم الجسدى والنفسى.
ومن الناحية الروحية، الذين يعانون من الشيخوخة الروحية، يرفضون الجهاد والسعى فى طريق الفضيلة، أو الجهاد فى الابتعاد عن الخطية.
“واللوز يزهر”:
أى يخرج من لوز القطن الألياف البيضاء وهى ترمز إلى الشعر الأبيض فى رأس الشيخ.
من الناحية الروحية، ترمز إلى كبر سن الشيخ، واقترابه من الموت، فيشعر بضعفه. ويضعف أيضا جهاده الروحى لشعوره بالشيخوخة، وذلك فيمن تصيبهم الشيخوخة الروحية، أما الملتصقون بالله، فمملؤون حيوية، ويواصلون جهادهم بقوة أكبر لاقترابهم من الموت.
“والجندب يستثقل” : يشعر الشيخ بضعفه وبعجزه عن حمل أى شئ ولو صغير، أو خفيف، حتى لو كان جندب.
من الناحية الروحية، يرمز لابتعاد من سقط فى الشيخوخة الروحية عن التعب والجهاد الروحى، حتى لو كان قليلاً، أو خفيفاً.
“والشهوة تبطل لأن الإنسان ذاهب إلى بيته الأبدى”:
يخاف الشيخ من الموت الذى يشعر أنه يقترب منه، ولذا تبطل مشاعره نحو الشهوات المختلفة، سواء بالفكر، أو الكلام، أو اللمسات، وكل شهوات الجسد سواء كانت جنسية أو طعام، أو قنية.
من الناحية الروحية من تصيبه الشيخوخة الروحية تضعف شهوته نحو الله وكل الروحيات، فلا يسعى نحوها.
“والنادبون يطوفون فى السوق” : يشعر الشيخ أن النادبين قد سمعوا بضعفه الجسدى، واقترابه من الموت، والأمراض التى قد تكون أصابته، فيسرعون إلى السوق فى القرية، منتظرين خبر وفاته، ليقوموا بعملهم، بل يتسابقون كل واحد لينال هذه الفرصة، كل هذا يزيد خوف الشيخ من الموت.
الشيخوخة الروحية تجعل الإنسان فى خوف ورعدة، ويتخيل الموت يقترب، مما يضعف ميله للإقتراب إلى الله، ويصيبه بالاكتئاب، فيتعطل عن أى جهاد روحى.
ع6: ينفصم : ينقطع
ينسحق : ينكسر
الجرة : آنية مصنوعة من الطين لنقل الماء وتسمى البلاص
تنقصف : تنكسر
“قبلما ينفصم حبل الفضة أو ينسحق كوز الذهب”
كان السراج، أو المصباح قديماً يعلق فى السقف، عند الأغنياء، بحبل من الفضة فى نهايته إناء من الذهب يوضع فيه الزيت، الذى يستخدم للإضاءة. فيقول هنا عندما ينقطع حبل الفضة، أو يسقط كوز الذهب على الأرض ويتكسر، ويسيل منه الزيت، الذى يرمز إلى الحياة، أى عندما يموت الإنسان، وتنطلق روحه من جسده، فهو يتكلم هنا عن الموت الذى ينهى حياة الشيخ.
فينبهنا سليمان إلى انتهاز آخر فترة من العمر قبل أن يأتى الموت، فنرجع إلى الله بالتوبة والصلاة وعمل الخير، فنختم حياتنا بطريقة روحية، ونستعد للأبدية فى آخر أيام حياتنا.
“أو تنكسر الجرة على العين أو تنقصف البكرة عند البئر”
يعطى سليمان تشبيها آخر للموت، فيقول : قبل أن تنكسر الجرة عند عين الماء، فلا يوجد أى إناء نستطيع أن نخرج به الماء من العين، فيموت الإنسان عطشاً. ثم تشبيه آخر وهو إنكسار البكرة الخشبية التى يمر عليها حبل فى نهايته الجرة التى ننزلها إلى البئر، فنخرج بها الماء، فإذا انكسرت البكرة ستسقط الجرة فى البئر، ولا نجد ما نخرج به ماء لنشرب فيموت الإنسان عطشاً. يشير أيضا هنا للموت بانقطاع الماء عن الإنسان.
ع7 : يرجع التراب إلى الأرض التى أُخذ منها؛ يتكلم هنا سليمان عن الجسد الذى يرجع إلى التراب الذى خلقه الله منه. هذا ما يحدث عند الموت ودفن الجسد.
وفى نفس الوقت الذى يدفن فيه الجسد فى الأرض، ترتفع روح الإنسان إلى الله الذى خلقها ووضعها فى الإنسان. وهنا يظهر إيمان سليمان الكامل بأن نهاية الإنسان هى ارتفاع روحه إلى الله، وليس كما كان يتساءل قديماً أثناء فترة ابتعاده عن الله، والتى عبر عنها فى (ص 3 : 21) بقوله “من يعلم روح البشر هل هى تصعد إلى فوق وروح البهيمة هل هى تنزل إلى أسفل إلى الأرض؟”
ع8 : الخلاصة يعلنها سليمان فى هذه الآية، وهى أن العالم كله باطل، والحقيقة الهامة التى ينبغى أن ننظر إليها دائماً هى الأبدية، ونستعد لها كل يوم. وهذا ما وصل إليه بولس الرسول أيضا عندما قال “بل أنى احسب كل شئ أيضا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربى الذى من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكى أربح المسيح” (فى 3 : 8).
ليتك يا أخي تنتهز فرصة الحيوية والشباب الروحى، أى ميلك للحياة مع الله فى الاقتراب إليه، بل والنمو فى الصلاة، وقراءة الكتاب المقدس، مع النمو فى معرفة الله من خلال كنيسته وأسراره المقدسة، فتستعد لنوال أمجاد الأبدية.
(2) الحكمة الختامية (ع 9 – 14):
9بَقِيَ أَنَّ الْجَامِعَةَ كَانَ حَكِيمًا، وَأَيْضًا عَلَّمَ الشَّعْبَ عِلْمًا، وَوَزَنَ وَبَحَثَ وَأَتْقَنَ أَمْثَالاً كَثِيرَةً. 10اَلْجَامِعَةُ طَلَبَ أَنْ يَجِدَ كَلِمَاتٍ مُسِرَّةً مَكْتُوبَةً بِالاسْتِقَامَةِ، كَلِمَاتِ حَقّ. 11كَلاَمُ الْحُكَمَاءِ كَالْمَنَاسِيسِ، وَكَأَوْتَادٍ مُنْغَرِزَةٍ، أَرْبَابُ الْجَمَاعَاتِ، قَدْ أُعْطِيَتْ مِنْ رَاعٍ وَاحِدٍ. 12وَبَقِيَ، فَمِنْ هذَا يَا ابْنِي تَحَذَّرْ: لِعَمَلِ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ لاَ نِهَايَةَ، وَالدَّرْسُ الْكَثِيرُ تَعَبٌ لِلْجَسَدِ. 13فَلْنَسْمَعْ خِتَامَ الأَمْرِ كُلِّهِ: اتَّقِ اللهَ وَاحْفَظْ وَصَايَاهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ الإِنْسَانُ كُلُّهُ. 14لأَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا.
ع 9 : فى نهاية السفر يعلن سليمان عن نفسه، وهو الملقب بالجامعة، أى جمع فى عقله علوماً كثيرة بنعمة الله التى ميزته فى الحكمة عما قبله، وعما بعده، واهتم بهذه الحكمة لمنفعة نفسه، ولقيادة شعبه.
بالإضافة إلى اهتمامه بتعليم شعبه، فهو ليس فقط حاكم، بل أب روحى يهتم بأولاده أن يعلمهم طريق الصلاح لإرضاء الله. ووزن وبحث أمور العالم المختلفة بنعمة الله، أى ميزها وبحث فيها، حتى أتقنها، ووصل إلى نتائج طيبة،ولكن لم يصل إلى كل شئ. فلا تتعب نفسك يا إنسان مهما كانت حكمتك فلن تصل إلى كل ما وصل إليه سليمان، واقبل حكمة الله المقدمة لك فى هذا السفر، وخاصة الخلاصة الآتية فى الآيات التى ينتهى بها السفر.
وقدم سليمان حكمته فى شكل أمثال كثيرة لتقريب المعانى، وتسهيلها على السامعين والقراء.
ع 10 : سليمان الملقب بالجامعة طلب من الله أن يرشده إلى كلمات الحكمة المملوءة بالحق والاستقامة، والتى تفرح وتسر القلب؛ لأنها تقربه إلى الله. وبحث عنها فى كل ما كتب قبله، وفكر كثيراً، حتى وصل إلى كلمات الحكمة العظيمة التى كتبها فى هذا السفر.
لذا ينبغى على كل كاهن، أو خادم أن تتصف كلماته بما يلى:
1- تكون كلمات الحق التى يريدها الله.
2- تكون كلمات تقود الناس للحياة المستقيمة.
3- تكون كلمات مسرة تفرح القلب، وتعطيه سلاماً.
4- تكون بتشبيهات وأمثلة حياتية حتى يفهمها ويقتنع بها الناس.
ع 11 : مناسيس : جمع منساس، وقد يسمى منسأة أو منماس وهو عصاة فى نهايتها قطعة حديدية مدببة تستخدم فى ضرب، أو نخس الماشية لتسرع فى طريقها.
كلام الحكماء كلام يفيد السامعين، وإن كان ينخسهم ويؤلمهم، ولكنه يعالج ضعفاتهم، ونقائصهم، ويعيدهم إلى الحق.
ويشبه كلام الحكماء أيضا أوتاد الخيام المغروزة فى الأرض، فكلامهم قوى يثبت الإنسان فى طريق الحق، هذا هو كلام الحكماء وهم المعلمون والأنبياء والكهنة، ورؤساء الجماعات. هؤلاء المعلمون مصدر تعليمهم راعٍ واحد، وهو الله الذى تعلموا منه الحكمة. فكلمات الكتاب المقدس هى مصدر الحكمة الإلهية، التى يتعلمها المعلمون، ثم يعلمونها للشعب، سواء كانت لينة مشجعة، أو كلمات شديدة تنبه الغافلين، وتعيدهم إلى الحق. فكلمة الله تعمل فى البشر بأشكال متنوعة، إن كان الإنسان ساقطاً فى الإحساس بالفشل تشجعه، وإن كان مهملاً تنخسه ليستيقظ، وإن كان مهتزاً تثبته فى الحق.
ع 12 : عندما اقترب سليمان من نهاية سفر الجامعة، قال معلماً لكل من يريد أن يتعلم الحكمة ألا ينشغل بالمعرفة، وقراءة الكتب التى لا نهاية لها، فهى لن ترتقى إلى مستوى الحكمة التى فى كلام الله.
وكثرة الكتب والقراءة فيها تعب الجسد. وليس معنى هذا أنه ضد المعرفة والبحث، ولكنه يؤكد سمو كلمة الله عن كل كتب العالم، ففيها الحكمة الكاملة.
والمقصود بكلمة “وبقى” أى قبل أن يختم السفر، ليشير إلى حقيقة هامة وهى :
“يا ابنى تحذر” : كن محترساً من أن تسقط فى هذا الخطأ، وهو
“لعمل كتب كثيرة لا نهاية والدرس الكثير” : أى تكتب كتباً، أو تدرس كتباً كثيرة لانهاية لها، فهى لن توصلك أكثر، أو أعلى من الحكمة الإلهية الموجودة فى كلام الله.
ع13: يختم سليمان سفر الجامعة بحكمة ختامية هى خلاصة تساؤلاته وكل ما كتب فى سفر الجامعة، بل خلاصة الحكمة الإلهية المقدمة للإنسان ليحيا مع الله، ويحيا سعيداً، وهى :
1- “فلنسمع”: أى يسمع سليمان، وكل من يريد أن يتعلم الحكمة.
2- “اتق الله” : أى خاف الله فى كل أعمالك وكلامك، وأفكارك، فتبتعد عن الخطية وتعمل ما ترضيه.
3- “واحفظ وصاياه” : أى تمسك بوصايا الله، لتحيا بها، فتسير فى الطريق المستقيم، وتبتعد عن الشر.
4- “لأن هذا هو الإنسان كله” : أى راحة الإنسان بكل كيانه تتم بهذه الحقائق. والمقصود بالإنسان كله أيضا هو كل إنسان فى أى ظروف، سواء كان غنياً، أو فقيراً، مثقفاً، أو ضعيف الثقافة.
ع 14: “لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة” : ضع يا من تطلب الحكمة أمام عينيك أن الله سيحاسبك فى يوم الدينونة عن كل أعمالك، فتحيا بتدقيق فى حياتك، وترى الله أمامك فى كل حين، فتعمل ما تستطيع أن تقدمه له فى يوم الدينونة، وتبتعد عما يغضبه، وهكذا يحيا الإنسان مع الله فى الأرض، ثم فى السماء فى الأبدية السعيدة.
“على كل خفى إن كان خيراً أو شراً”:
الله يحكم ويدين كل أعمال الإنسان سواء الظاهرة، أو الخفية، وهو فاحص القلوب والكلى، ويعرف حتى أفكار الإنسان الداخلية، وهو يفحص كل أعمال الإنسان إن كانت خيراً يكافئه عليها، أو شراً فيعاقبه عليها. ضع الله أمامك فى كل وقت كما كان يفعل إيليا النبى، فتحيا مطمئناً، متمسكاً بوصاياه، مبتعداً عن كل الشرور، وتستعد فى كل حين لأبديتك السعيدة، فتحيا فى فرح وسلام.