خطورة إنكار الله
لإمام المغنين . لداود
“قال الجاهل فى قلبه ليس إله ..” (ع1)
مقدمة :
- كاتبه : هو داود وكان يرنم المزمور بمجموعة من المغنين لهم إمام أى قائد.
- مناسبة كتابة المزمور
أ – نبوة عن سنحاريب الذى عيَّر الله وشعبه أيام حكم حزقيا الملك.
ب – نبوة عن نبوخذ نصر ملك بابل، الذى سبى مملكة يهوذا وعيَّر الله وشعبه.
ج – رفض فساد منكرى الله فى كل جيل.
- المزمور يبين أسباب فساد الملحدين، ويفحص نفسيتهم وشرورهم وقوة الله المخلصة لشعبه من يدهم.
- يشبه هذا المزمور مزمور 53 ولا يختلف عنه إلا فى كلمات قليلة، ولعل السبب تكرار الفكرة فى ذهن داود وضيقه من شرور الملحدين.
- اقتبس بولس الرسول من هذا المزمور (رو3: 10-13)؛ ليظهر أن اليهود والأمم قد ابتعدوا عن معرفة الله وانغمسوا فى الشر.
- يحمل هذا المزمور نبوة عن المسيح المخلص (ع7)، فيمكن اعتباره من المزامير المسيانية.
- هذا المزمور غير موجود بالأجبية.
(1) فساد الأشرار (ع1-3)
ع1: 1- قال الجاهل في قلبه ليس اله فسدوا و رجسوا بافعالهم ليس من يعمل صلاحا.
- إنكار وجود الله هو جهل؛ لأنه من ينكر الله يعلن أن طبيعته الإنسانية غير خالدة وستفنى، فهو يحقر من نفسه ويجعلها مثل الحيوانات.
وإما أن الله موجود وهو بجهله ينكر وجوده، فهو يعرض نفسه للعقاب بسبب فساده فهو فى الحالتين جاهل.
- الجاهل ينكر الله بفكره، ويشعر بذلك فى قلبه، سواء أعلن هذا بلسانه أم لم يعلن، فهو فى الحالتين ملحد وجاهل.
- كلمة جاهل بالعبرية هى “نابال” أو “باهت”، أو “جاف” مثل أوراق الخريف، بمعنى أنه تافه ولا معنى لكلامه وحياته؛ لأنه فقد الله مصدر الحياة.
- إنكار الله يبيح للجاهل أن ينغمس فى الفساد والشر، ويبتعد عن الصلاح. وانغماس الإنسان فى الشر يجعله ينكر الله؛ ليبرر ويبرئ نفسه ولا ينخسه ضميره.
- الجاهل يسقط فى ضعف العقل والقلب، فالعقل لم يفحص الكتب المقدسة ويفهم الطبيعة، فيفهم أن وراءها الله، والقلب ضعف أمام شهوات العالم وفسد، أى انحرف عن الصلاح وسقط فى رجاسات وقذارة الشر.
- يسقط الجاهل فى خطايا كثيرة أهمها :
أ – يشتاق إلى عدم وجود الله؛ ليستمر فى شره؛ لذا يقول “فى قلبه” أى يمنى نفسه ويشتاق.
ب – عندما ينفى الجاهل وجود الله، يندفع فى الشر والفساد، بلا ضوابط.
ج – إذا أنكر الجاهل وجود الله، فهو بالتالى لن يطلب معونته وسيستمر فى فساده ويعجز عن التخلص منه.
د – يبرر الجاهل فساده ويعتبره من الصفات الطبيعية للإنسان، حتى يتخلص من وخز الضمير.
هـ- إذا رأى الجاهل سلوك الأبرار وبدأ يُنْخَس ضميره حينئذ يسئ إليهم؛ لأنهم فى نظره منحرفون، وهو فى الحقيقة يحاول أن يقضى عليهم؛ حتى لا يوبخون شره.
و – من ينكر وجود الله بالطبع لن يحفظ وصاياه؛ فلا يعمل الصلاح، الذى تدعو إليه الوصايا، ولأنه لا يؤمن بالثواب والعقاب الإلهى.
ع2: 2- الرب من السماء اشرف على بني البشر لينظر هل من فاهم طالب الله.
- رغم انتشار الجهل يظهر داود الرجاء فى الله الذى يشرف من السماء، أى يراقب العالم وقد عبر بالألفاظ التى يفهمها البشر، فالله فاحص القلوب والكلى ولا يحتاج فى وقت ما أن يشرق؛ لأنه يرى دائماً كل شئ، ولكنه يعطينا رجاء فى أن الله يتدخل وهو كامل المعرفة، فينظر إلى الجهل المنتشر فى العالم.
- الله أشرف من السماء، أى من سموه وكماله، فهو موجود فى كل مكان ولكن السماء تعلن سموه، كما نناديه فى الصلاة الربانية “أبانا الذى فى السموات”.
- الله يطلب الإنسان الذى يعرفه بعقله، أى “فاهم” ويشتاق إليه بقلبه، فيطلبه ويبحث عنه، أى “طالب” وبالتالى سيجده فى النهاية، فهو ينظر بعينه الإلهية على أولاده المؤمنين به، وطالبيه، فهم غير مهملين وسط الكثيرين من الجهلاء الفاسدين، وهذا يظهر عناية الله واهتمامه بأولاده، حتى لو كان عددهم قليلاً.
- “الله ينظر هل من فاهم” يبين قلة المؤمنين به، إذ يتأثر البشر ببعضهم البعض ويسيرون فى طريق الفساد وإنكار الله، وهذا بالطبع يحزن قلبه.
ع3: 3- الكل قد زاغوا معا فسدوا ليس من يعمل صلاحا ليس و لا واحد.
- رأى الله أن عموم البشر قد فسدوا وساروا فى الشر وابتعدوا عن الصلاح ولا يوجد واحد من الملحدين يعمل الصلاح.
- ليس معنى هذا عدم وجود أى إنسان فى الأرض لا يطلب الله ولكنه يبين مدى انتشار الشر.
- تُظهر هذه الآية أن كل البشر قد سقطوا فى الشر؛ حتى أولاد الله ويحتاجون إلى الخلاص، الذى يقدمه المسيح فى ملء الزمان، سواء كان هؤلاء الناس من اليهود، أو الأمم، أى المؤمنين بالله، أو عابدى الأوثان، كما أوضح بولس الرسول ذلك فى (رو3: 10). أى أن الطبيعة البشرية قد فسدت بالسقوط وتحتاج إلى تبرير المسيح.
تذكر وجود الله أمامك مع كل صباح؛ حتى تحيا فى الفضيلة وتبتعد عن الخطية. وإن سقطت تُسرع للتوبة، فتذكر الله يثبت مخافته فى قلبك. حدثه بصلوات قصيرة طوال اليوم؛ لتتذكر وجوده أمامك.
(2) عداوة الأشرار للأبرار (ع4-6)
ع4: 4- الم يعلم كل فاعلي الاثم الذين ياكلون شعبي كما ياكلون الخبز و الرب لم يدعوا.
- سؤال داود ليس استفهامياً بل استنكارياً لما يفعله الملحدون من شر، بل هو يوبخهم ويهددهم بالقضاء الإلهى عليهم؛ لأجل شرورهم فى الإساءة للأبرار ويجيب عليهم بحزم فى الآية التالية (ع5).
- إنكار الأشرار وجود الله يجعلهم يسيئون لشعب الله الأبرار، فيفترسونهم ويهلكونهم بكل قسوة؛ لأن الأشرار أنكروا الله وعقابه.
- يتمادى الأشرار الملحدون فى قسوتهم، فيهلكون الأبرار بكثرة وسهولة كأنهم يأكلون الخبز، ولا يشعرون بوخز فى ضمائرهم؛ لأنهم أنكروا وجود الله ولم يعودوا يدعونه، أو يصلون له.
- يفهم من هذه الآية أن ضعف الصلوات تجعل القلب قاسياً ومعرضاً للإساءة إلى الآخرين، وعلى العكس من يكثر الصلاة، ينتعش ضميره، فيكون رقيقاً ولا يجرح مشاعر أى إنسان.
- إذ لم يدعوا الأشرار الله يتكبرون ويتصرفون بأفكارهم الخاصة وهى شريرة، فيهلكون كل من لا يريحهم، أو يغتصبون حقوقه، لأنهم أصبحوا بلا فهم ولا إرشاد من الله.
- هؤلاء الأشرار المتمادون فى شرهم، هم مثل الأنبياء الكذبة، أو الهراطقة، الذين يضلون شعب الله، فيهلكونه ولا يصلون ويدعون الله حتى يرشدهم ويرجعهم عن ضلالهم.
ع5: 5- هناك خافوا خوفا لأن الله في الجيل البار.
خاف الأشرار من الله، رغم تماديهم فى الشر، إذ أن ضمائرهم لم تمت، أى أن صوت الله مازال فيهم ويحاولون إخماده ولكنهم لا يستطيعوا، وهذا يخيفهم لماذا ؟
- لأنه سينتقم من كل الشر الذى صنعوه.
- يخافون من ضياع مركزهم وقوتهم وممتلكاتهم على الأرض.
- يشعرون بصعوبة التوبة والتخلص من خطاياهم، التى عاشوا فيها مدة طويلة.
- يرون الله فى الأبرار فتنكشف خطاياهم، أى أن نور الله فى الأبرار يظهر ظلمتهم، فيخافون مما صنعوه.
ع6: 6- رأي المسكين ناقضتم لأن الرب ملجأه.
- حتى يستمر الأشرار الملحدون فى شرهم يرفضون رأى أولاد الله، الذى يُعلن الحق، لكى يتمادوا فى فسادهم.
- المسكين هو الإنسان البار، الذى يبدو ضعيفاً أمام الأشرار، لكنه جبار وقوى فى داخله؛ لأن الله ملجأه.
- المسكين هو أيضاً الإنسان المتضع، أى المسكين بالروح، الذى يحاول المتكبرون التسلط عليه؛ لأنه أقوى منهم، إذ أن الله يسكن فيه، فيوبخهم بإتضاعه على كبريائهم.
- يمكن أن تنطبق هذه الآية على المسيح، فهو المسكين الذى اتضع بتجسده وصليبه، وناقض الكهنة والكتبة والفريسيون تعاليمه؛ لأنها توبخ شرورهم.
التجئ إلى الله عندما تحل بك الضيقات، أو يضايقك الآخرون، لتثبت فى إيمانك ويساندك الله، فلا تهتز من الشر، بل تظل فى صلواتك؛ حتى تشفق على الأشرار وتصلى ليتوبوا.
(3) الرب المخلص (ع7)
ع7: 7- ليت من صهيون خلاص اسرائيل عند رد الرب سبي شعبه يهتف يعقوب و يفرح اسرائيل.
- بعد استعراض داود لشر الملحدين يعلن أشواقه للخلاص الإلهى بقوله “ليت”، الذى يأتى من صهيون، كما وعد الله أن من نسل داود يأتى المخلص.
- هذه الآية نبوة عن الرجوع من السبى، الذى تممه الله بشكل إعجازى فى بداية مملكة مادى وفارس على يد كورش الملك.
- الرد من السبى، ليس فقط السبى البابلى، بل أيضاً سبى الخطية، وهذا يتم بخلاص المسيح وتوبة المؤمنين به ورجوعهم إليه.
- الخلاص الذى من صهيون ليس فقط بالمسيح الفادى على الصليب وقيامته، بل أيضاً فى يوم الدينونة، عندما يخلص المسيح الأبرار أولاده من العالم ويرفعهم إلى ملكوت السموات.
- “يهتف يعقوب ويفرح إسرائيل” هذا يرمز إلى فرح يعقوب الذى لم يقابل الله ويصارعه بعد ولكن يحيا معه، فهو يضبط شهواته ويجاهد فى طريقه، أما إسرائيل الذى صارع الله وانتصر وتغير اسمه إلى إسرائيل، فهو فرح اللقاء بالله وعشرته (تك32: 22-32). أى أن يعقوب يرمز للمؤمن العادى وإسرائيل يرمز للقديسين الذين رأوا الله بوضوح. ويعقوب أيضاً يرمز إلى الإنسان الذى يسير مع الله ولكن مازال فى ضعف ويسقط فى الخطايا المختلفة، أما إسرائيل فيرمز للإنسان الروحى القوى الذى ينتصر على الخطية، فيفرح الضعيف والقوى بالله ويكون للإثنين مكان فى السماء ولكن لكل واحد درجته.
- يعتقد اليهود أن هذه الآية نبوة عن المسيح المخلص ومازالوا ينتظرونه حتى الآن؛ لأنهم لم يؤمنوا بالمسيح المصلوب الفادى.
جيد أن تطلب خلاص الله من كل خطاياك بإيمان ورجاء، مهما كانت سقطاتك وتشكر الله الذى يرفعك ويغفر لك ويحفظك.