كلمة الله
“طوبى للكاملين طريقاً السالكين في شريعة الرب” (ع1)
مقدمة :
- كاتبه : هذا المزمور بدون عنوان فهو من المزامير اليتيمة، ولكن يميل معظم الآباء وشيوخ اليهود لنسبته إلى داود.
- متى كتب ؟
أ – كتبه داود بعد مسحه ملكاً بيد صموئيل، وقبل اعتلائه العرش، أى فى الفترة التى كان هارباً من وجه شاول، وكان فى أول العشرينات من عمره وقتذاك.
ب- يرى بعض الآباء أن داود كتبه على مدى حياته كمذكرات خاصة له عن عشرته لله، وتمتعه بكلمته. وجمعها فى أواخر حياته، فصارت هذا المزمور.
- غرض هذا المزمور هو التحدث عن عظمة كلمة الله وقوتها، وفعلها فى حياة المؤمنين. فالصلاة بهذا المزمور تدفع من يصليه إلى محبة كلمة الله، والاهتمام بها، بل وتطبيقها فى حياته.
- هذا المزمور يتكون من اثنين وعشرين قطعة كل قطعة تبدأ بأحد الحروف الهجائية العبرية والتي عددها اثنين وعشرين حرفاً. وكل قطعة من هذا المزمور مكونة من ثماني آيات، كل آية فيها تبدأ بنفس الحرف باللغة العبرية.
- تذكر كلمة الله، أو مرادفاتها فى كل آيات هذا المزمور البالغ عددها 176 آية ، ما عدا آيتين فقط هما (ع122، 132).
- كلمة الله ومرادفاتها المذكورة فى هذا المزمور عشرة وهى :
أ – كلمات و – طرق
ب – وصايا ز – فرائض
جـ- ناموس (قانون) ح – عجائب
د – شهادات ط – أقوال
هـ- حقوق ى – أحكام
- كلمات هذا المزمور تظهر أن كاتبها إنسان روحانى محب لكلمة الله والصلاة، ويحيا بكلمة الله فى حياته، وهو شاب تعود أن يردد كلمة الله ويتأمل فيها. وهذا ما كان يصنعه داود أثناء رعى الغنم، وبعد أن مسح ملكاً ظل يردد كلمة الله ويلهج بها، وحتى فى ضيقاته، عندما هرب من شاول الذى كان يطارده من مكان إلى مكان لقتله، ظل متمسكاً بكلمة الله.
- يوجد تشابه بين هذا المزمور وبين سفر التثنية، فغرض كليهما هو كلمة الله ووصاياه وشريعته.
- يرى كثير من الآباء أن سفر المزامير هو قلب العهد القديم، وقلب سفر المزامير هو هذا المزمور.
- يناسب هذا المزمور المصلى فى جميع ظروف حياته؛ سواء فى الضيقة، أو السعة فى الشباب وفى الشيخوخة. وهو يناسب كل ساعات اليوم؛ سواء فى الصباح الباكر؛ أو طوال اليوم، أو فى الليل، أو فى نصف الليل، أو أوقات الأسحار. فهو مزمور كل ساعات اليوم، وكل أيام الحياة.
- يساعد هذا المزمور كل من يريد تعلم اللهج، أو الهذيد، أى ترديد كلمة الله للتمتع بعشرته، حيث أنه بترديد كلمة الله يقترب من الله نفسه، فيحبه ويحيا له، ويختبر أعماق جديدة من عمل الله فى حياته.
- يعتبر هذا المزمور من المزامير المسيانية؛ لأن المسيا المنتظر هو كلمة الله المسيح إلهنا (يو1: 1). بالإضافة إلى أن عدد 8 الذى يتكون منه كل جزء من أجزاء المزمور يرمز للأبدية، أى المسيح كلمة الله الذى يملك فى الأبدية مع أولاده المؤمنين به؛ ليسبحوه على الدوام.
- يشمل هذا المزمور معانى وجوانب كثيرة لكلمة الله أهمها :
أ – مصدر للتعزيات الروحية وسط الآلام.
ب – تشجع على التسبيح والشكر.
جـ- تشبع النفس وتغنيها.
د – ترشد وتوجه الإنسان فى حياته على الأرض، خاصة فى الضيقات.
هـ- تعطى استنارة روحية لمن يتأمل فيها.
و – تعطى حياة وإحساس بالله.
ز – تساند الإنسان فى جهاده الروحى طوال حياته.
ح – تبين مكافأة الله للمتمسكين بوصاياه، فتشجعهم على المثابرة فى الجهاد.
ط – تغذى الصلاة القلبية، وتحرك الإنسان للصلاة الدائمة.
ى – هى المسيح الله غير المحدود؛ لأن الوصية واسعة جداً فوق كل تخيل.
- يوجد هذا المزمور فى الأجبية بصلاة نصف الليل بالخدمة الأولى؛ لتجعل المصلى يحيا بكلمة الله ثم تعدنا لحياة التوبة فى الخدمة الثانية، وبعد هذا تعطينا الاستعداد للأبدية فى الخدمة الثالثة.
القطعة الاولى ( أ )
بركات حفظ الوصية (ع1-8):
الهدف :
يطوب المزمور من يحفظ الوصية بكل قلبه؛ لأنه ينال بركة الابتعاد عن الخطية، وكذا يحصل على الغفران إن أخطأ. ويشكر الله على عطاياه، فيفرح؛ حتى يصل إلى غايته التى هى الأبدية السعيدة.
ع1، 2: طُوبَى لِلْكَامِلِينَ طَرِيقًا، السَّالِكِينَ فِي شَرِيعَةِ الرَّبِّ. طُوبَى لِحَافِظِي شَهَادَاتِهِ. مِنْ كُلِّ قُلُوبِهِمْ يَطْلُبُونَهُ.
- كما بدأ المسيح عظته على الجبل بالتطويبات، يبدأ داود هذا المزمور بتطويب الكاملين، أى يالسعادتهم السالكين فى طريق الكمال، فيهبهم الله أن يكونوا بلا عيب خارجى، وإن كانت لهم ضعفاتهم الداخلية. والسلوك فى طريق الكمال هو السلوك بشريعة الله، بل وحفظها، ليس فقط فى الذهن، بل تطبيقها فى الحياة.
- من يحفظ وصايا الله فى ذهنه، ويرددها بلسانه، تدخل إلى مشاعره، فيطلبها فى الصلاة من كل قلبه. الذى يتنقى بالتأمل فى الوصية يستطيع أن يعاين الله، لأن الطلب من كل القلب معناه تعلق القلب بالله، وبالتالى ينال نعمة معاينة الله، لأن القلب لا يعرج بين الفرقتين؛ أى الله والعالم، بل اختار الله وحده ليحيا به وسط العالم، ولا يتأثر أو يخضع لشهواته.
ع3: أَيْضًا لاَ يَرْتَكِبُونَ إِثْمًا. فِي طُرُقِهِ يَسْلُكُونَ.
- الذى يحب كلمة الله، ويسلك فى طريق الكمال يحيا فى النور، ولا يحب الظلمة، فيتباعد عن الخطايا، ولا يسقط فيها على الأقل بالأفعال، أو بالكلام؛ حتى لو كان معرضاً للسقوط فيها بالفكر، أو القلب.
- يهتم من يسلك بالبر أن يكون فى طريق الله، أى متمسكاً بوصاياه، ولا يريد أن يسلك فى طرقه، أى طرق العالم، وهى الشهوات المختلفة. فطريق الله واحد وهو المسيح، أما العالم فطرقه الشريرة كثيرة.
ع4: أَنْتَ أَوْصَيْتَ بِوَصَايَاكَ أَنْ تُحْفَظَ تَمَامًا.
الله يطلب من أولاده أن يحفظوا وصاياه تماماً، أى بكل دقة، فلا يتركوا جزءاً منها، أو يهملوا إحدى وصاياه، ويسعوا لتنفيذها بكل قلوبهم، وهو يعينهم ليتمتعوا بأعماق لذيذة فيها، فيكونوا فى فرح دائم.
ع5: لَيْتَ طُرُقِي تُثَبَّتُ فِي حِفْظِ فَرَائِضِكَ.
إذ آمن داود بأهمية حفظ الوصايا إلى التمام، طلب معونة الله ليثبت فى حفظ الوصايا، فلا يقصر فى تنفيذها، لأنه لو قصر سيتعرض لحروب الشيطان، فيسقط فى خطايا متنوعة. وهنا تظهر أهمية عمل النعمة مع الجهاد الروحى، فلا يستغنى المجاهد عن عمل النعمة، والنعمة تعمل فيمن يحبون وصايا الله ويجاهدون فى تنفيذها.
ع6: حِينَئِذٍ لاَ أَخْزَى إِذَا نَظَرْتُ إِلَى كُلِّ وَصَايَاكَ.
إذا اتحد عمل النعمة مع الجهاد الروحى يتشجع الإنسان للدخول إلى وصايا الله، أى كلمته، فيتعمق فى معرفة الله، واكتشاف جمال وصاياه، أى يرى المسيح كلمة الله، ويتمتع بعشرته. وهذا يعطيه رجاء أنه فى يوم الدينونة لا يخزى إذا نظر إلى المسيح الديان، ويجد له مكاناً فى ملكوته. فالخزى يصاحب الخطية، كما حدث عند سقوط آدم وحواء، أما حفظ الوصية فيبعد الإنسان عن الخزى، ويمتعه بالوجود مع الله.
ع7: أَحْمَدُكَ بِاسْتِقَامَةِ قَلْبٍ عِنْدَ تَعَلُّمِي أَحْكَامَ عَدْلِكَ.
- عندما أتعلم أحكامك، أى وصاياك وكلامك أفهم واعرف الهدف الكامن فيها. وهذا يجعلنى مستقيماً فى مشاعرى وفى أفكارى، ويظهر فى تصرفاتى وكلامى، ولا أعود أنزعج من الأخطاء المنتشرة فى العالم، وأفكاره الغريبة، لأنى متمسك ومحصن بكلمة الله العادلة.
- حينئذ إذ اكتشف العدل والحق من خلال أحكامك، أشكرك وأحمدك على نعمتك علىّ، بل أشعر بضعفى وعدم استحقاقى لكل هذه النعم، فيزداد حمدى لك. وأحمد الله أيضاً الذى أنار عينى الداخلية، وأرانى شخصه، وعظمة الحياة الأبدية، فلا أنزعج من خطايا العالم، وتقلباته، وأشكره من كل قلبى، باستقامة وعدم تلوث بأى فكر شرير.
ع8: وَصَايَاكَ أَحْفَظُ. لاَ تَتْرُكْنِي إِلَى الْغَايَةِ.
- يعلن داود فى نهاية هذا الجزء نية قلبه واستعداده الكامل أن يحفظ وصايا الله بفكره وقلبه وفى سلوكه أيضاً.
- يترجى الله أنه مهما جاهد فى التمسك بالوصية لكنه ضعيف، ومعرض للتقصير والخطأ، لدرجة تجعل الله يتخلى عنه؛ ليؤدبه وينبهه، فيعود بالتوبة إليه. ولكن يطلب من الله ألا يتركه تماماً ويرفضه، بل إن تخلى عنه جزئياً يعود فيرحمه، ويساعده على حفظ الوصايا؛ لأنه مشتاق أن يحيا بها.
إحفظ كل يوم آية، وهى التى يتأثر بها قلبك عندما تقرأ فى الكتاب المقدس. وهى رسالة من الله لك؛ لتحيا بها. رددها طوال اليوم، وحاول أن تطبقها، فيسندك الله، بل يكشف لك عن اختبارات جديدة من محبته، ورعايته لك.
القطعة الثانية (ب)
كيف يحيا الشاب (ع9-16) :
الهدف :
بعد أن أظهر بركات حفظ الوصية، ركز على الشاب المملوء حيوية ليهتم بالوصية فيقتنيها ويتأمل فيها، فيسبح الله، ثم يعلنها لمن حوله، فيفرح بها ويرددها كل حين ويحيا في تمتع بعشرة الله.
ع9: بِمَ يُزَكِّي الشَّابُّ طَرِيقَهُ؟ بِحِفْظِهِ إِيَّاهُ حَسَبَ كَلاَمِكَ.
يزكى : يقوم أو يجعل طريقه صحيحاً وسليماً.
إياه : نفسه.
- الشاب مملوء حيوية، ولكنه معرض للسقوط فى الشهوات، والاندفاع فى تصرفات غير سليمة، فكيف يذكى طريقه. أى يسير فى طريق صحيح مستقيم يرضى الله؟
لا يستطيع هذا إلا بالاستناد على كلام الله، وتطبيقه فى حياته. - الشاب أيضا يرمز للأمم التى دخلت حديثاً فى الإيمان، فحتى تستطيع أن تزكى طريقها تحتاج للتمسك القوى بكلام الله.
ع10: بِكُلِّ قَلْبِي طَلَبْتُكَ. لاَ تُضِلَّنِي عَنْ وَصَايَاكَ.
- الشاب مملوء حيوية، فيطلب الله من كل قلبه، أى بكل كيانه ومشاعره، وأفكاره، وليس فقط مجرد إندفاع خارجى. فهو ينفذ ما قاله المسيح، وورد فى سفر التثنية “تحب الرب إلهك من كل قلبك …” (تث 6: 5 ).
- إن كان الإنسان يطلب الله من كل قلبه، فلن يتخلى عنه الله، بل على العكس يسرع إليه، ويسنده، فهو غير معرض للضلال، أو الابتعاد عن وصايا الله، بل على العكس يثبته الله فى وصاياه، وينميه فى معرفتها.
ع11: خَبَأْتُ كَلاَمَكَ فِي قَلْبِي لِكَيْلاَ أُخْطِئَ إِلَيْكَ.
- الشاب أخفى كلام الله فى قلبه لماذا ؟
أ – يشعر أن كلام الله ثمين جداً لذا يحتفظ به فى أعماقه.
ب – حتى يكون فكره ومشاعره مشبعة بكلام الله، وبالتالى نقية.
جـ- ليتأمل كلام الله دائماً، ويلهج به، أى يكرره ليزداد فهمه.
د – إذ يشبع بكلام الله داخله يخرج هذا الكلام تلقائياً فى كلامه وأفعاله.
هـ- روح الخفاء مهمة جداً، لأن الشاب الروحى لا يطلب مجد الناس، بل يحيا فى اتضاع دائماً.
- لا يكفى أن يعرف الشاب كلام الله في داخله، ولكن لابد أن يظهر في كلامه وفى أعمالـه، فيكون نـوراً للعالم، وملحاً للأرض؛ ولأنه من فضلة القلب يتكلم اللسان (مت 12 : 34).
ع12: مُبَارَكٌ أَنْتَ يَا رَبُّ. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ.
- إذ شبع الشاب بكلام الله وعاش به فى داخله وخارجه فرح جداً وشكر الله وباركه. فمباركة الله تعبر عن فرح وشبع الشاب بكلام الله.
- يتشجع الشاب ويطلب من الله أن يعلمه كيف يتقرب إليه، وكيف يسلك أمامه فى عبادة مقدسة، فيعلمه الطقوس وروحانية العبادة، ليزداد فهمه ونموه فى معرفة الله.
ع13: بِشَفَتَيَّ حَسَبْتُ كُلَّ أَحْكَامِ فَمِكَ.
حسبت : أخبرت وأظهرت.
إذ امتلأ الشاب بكلام الله صار من الطبيعى أن يظهر فى كلامه تعاليم روحية ناتجة من وصايا الله. فحتى لو كانت كلمات الشاب ومعاملاته تبدو عادية، ولكنها تحوى فكر الله، وأحكامه، وتعاليمه، فتنير الطريق لمن حوله، وتعلن الله للجميع، وهذا ما فعلته السامرية عندما آمنت، وتمتعت برؤية المسيح، ذهبت وأخبرت أهلها بالبشرى المقدسة (يو4: 29).
ع14: بِطَرِيقِ شَهَادَاتِكَ فَرِحْتُ كَمَا عَلَى كُلِّ الْغِنَى.
على كل الغنى : أكثر وأعلى من كل غنى فى العالم.
- كلام الله وشهاداته إذ تشبع القلب، ويحيا بها الإنسان تفرحه فرحاً حقيقياً كاملاً، فينطلق فى رجاء لا ينقطع؛ ليحيا مع الله.
- هذا الفرح يعلو عن كل أفراح العالم، وعن كل الغنى المادى؛ لأنه فرح داخلى عميق يسعد الإنسان، ويدوم فيه على عكس أفراح العالم المؤقتة الزائلة. ولذا فضل داود كلام الله والوجود معه أفضل من كل غناه، فسخر كل ممتلكاته لإعداد مواد بناء هيكل الله، الذى سيبنيه ابنه سليمان؛ لأن شهادات الله أفضل من كل غنى العالم ومادياته.
ع15،ـ 16: بِوَصَايَاكَ أَلْهَجُ، وَأُلاَحِظُ سُبُلَكَ. بِفَرَائِضِكَ أَتَلَذَّذُ. لاَ أَنْسَى كَلاَمَكَ.
ألهج : أكرر وأردد.
- فى النهاية يحب الشاب كلمة الله، فيلهج فيها كل حين، ويلاحظ طرق أولاد الله القديسين؛ ليتعلم منهم كيف يحيا بكلام الله. وعندما يقدم عبادة لله يشعر بفرح الوجود بين يديه، فيعطيه سلاماً وفرحاً، وتصبح العبادة لذيذة، فيتمسك أكثر بكلام الله فى فكره وكلامه، وكل حياته.
- هكذا نرى النصيحة المقدمة للشاب من داود النبى عن كلمة الله وهى :
أ – اقتناء كلمة الله (ع9).
ب – الاشتياق إلى كلمة الله وطلبها من كل القلب (ع10).
جـ- اخفاء كلمة الله للتأمل فيها فتحميه من الخطية (ع11).
د – كلمة الله تعلم الشاب التسبيح والشكر (ع12).
هـ- الشهادة والتحدث بكلمة الله (ع13).
و – الفرح بكلمة الله (ع14).
ز – ترديد كلمة الله كل حين (ع15).
ح – التمتع والتلذذ بعبادة الله (ع16).
ليتك تردد الآية التى اخترتها كل يوم، فتشغل فكرك بها، ويتأثر قلبك ومشاعرك، حتى تتحول إلى حياة عملية فى سلوكك، بل تتلذذ وتتمتع بها، فتحيا فيك، وتحيا بها.
القطعة الثالثة (ج)
عزاء في غربة العالم (ع17-24)
الهدف:
بعد أن أوصى الشاب بحفظ وصية الله يذكره بأنه غريب فى الأرض. وهذا يزيد ارتباطه بكلمة الله، فيحتاج أن يتذكر إحسانات الله، ويطلب منه أن يكشف له أعماق كلامه، فيزداد اشتياقه إليه. ويطلب من الله أن يبعد عنه العار والخزى ويحفظه من أعدائه، فيفرح ويناجى الله الذى يرشده فى حياته.
ع17: أَحْسِنْ إِلَى عَبْدِكَ، فَأَحْيَا وَأَحْفَظَ أَمْرَكَ.
- أحسن الله إلى داود وكافأه بمسحه ملكاً مع كونه راعى غنم، وأعطاه قوة لقتل الأسد والدب، ثم جليات، وأنقذه من يد شاول، وأبشالوم. كل هذه الإحسانات الإلهية جعلته يحيا، ويجلس على العرش، ويدير المملكة، وينتصر على أعدائه.
- يطلب أيضاً داود إحساناً إلهياً روحياً وهو الحياة الروحية، وذلك بأن يساعده الله على حفظ وصاياه، وأوامره، فيتمتع بعشرته.
- شكر داود الله على إحسانه، وأحسن إلى شاول الذى سقط مرتين تحت يده، ولم يؤذه. ويطلب من الله أن يكافئه بمراحمه الكثيرة.
- إحسانات الله تعطى قوة وحياة لداود، وكل من يؤمن بالله، فيساعده هذا على التمسك بأوامر الله، وحفظها حية فى حياته، كتجاوب مع الحب الإلهى.
ع18: اكْشِفْ عَنْ عَيْنَيَّ فَأَرَى عَجَائِبَ مِنْ شَرِيعَتِكَ.
- يطلب داود من الله أن يكشف عن عينيه، أى يهبه الاستنارة الروحية، وهذا يبين اتضاع داود الذى يعترف بأنه بضعفه يعانى من ظلمة الخطية، ويحتاج أن يكشف الله عن عينه.
- الكشف عن العينين يعنى أن ينال الإنسان النظرة البسيطة، أى يرى كل شئ بمنظار الله، أو كما يراه الله. فيرى الأشياء الصالحة ويشكر الله عليها، ويرى أيضاً الخطايا، فيصلى ليرفعها الله.
- عندما ينال الإنسان الاستنارة الروحية يستطيع أن يفهم شريعة الله، ويكتشف أعماقاً جديدة فيها كلما قرأها. وفوق كل هذا يرى القارئ فى العهد القديم وأيضاً العهد الجديد المسيح المختفى وراء الكلمات، الذى تنبأ عنه الأنبياء، وكرز به الرسل. ولذا رتبت الكنيسة أن يصلى الكاهن أوشية الإنجيل- قبل أن نسمع الإنجيل- التى يطلب فيها الكاهن من الله أن يعطى شعبه فهماً لكلمات الإنجيل، وكذلك يصلى الكاهن صلوات سرية أثناء قراءة باقى القراءات، وهى البولس، والكاثوليكون والإبركسيس لنفس الغرض، وهو فهم كلمة الله.
ع19: غَرِيبٌ أَنَا فِي الأَرْضِ. لاَ تُخْفِ عَنِّي وَصَايَاكَ.
- يشعر داود أنه غريب على الأرض رغم أنه ملك، وذلك لإيمانه بأن وطنه الحقيقى هو السماء. وهذا كان شعور الآباء الكبار إبراهيم، واسحق ويعقوب، لذلك عاشوا فى خيام. ورتب الله لشعبه عبداً عظيماً فى العهد القديم اسمه عيد المظال؛ ليتذكر غربته فى العالم. وفى العهد الجديد أيضاً يقول بولس الرسول أننا غرباء ونزلاء..” (عب11: 13) بل يقول أيضاً إن نقض بيت خيمتنا الأرضى (2كو5: 1).
- الغريب يحتاج إلى علامات على الطريق حتى لا يتوه. وعلامات الطريق الروحى إلى الملكوت هى وصايا الله، لذا يطلب داود ألا يخفيها الله عنه، بل يظهرها واضحة؛ لأجل ضعفه إذ هو غريب.
- الغريب يريد أن يعرف أكبر كمية من المعلومات عن الوطن الذى يريد أن يصل إليه؛ وفى حالتنا هنا، الوطن هو السماء، لأننا مولودون من الله فى المعمودية، وأكبر معلومات نجدها فى وصايا الله، التى ترفعنا إلى السماء، فنتخلص من شهوات الأرض، بل ونستطيع بتخفيف حمولتنا أن نسرع إلى السماء، مثل الطائر الخفيف الذى يرتفع بأجنحته إلى العلاء بعد أن ترك أثقال الأرض.
ع20: انْسَحَقَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ.
انسحقت : أى تم سحقها وطحنها، ففقدت شكلها الخارجى؛ لأنها صارت مضغوطة جداً.
- إن داود يتمنى معرفة أحكام الله ووصاياه، التى تعبر عن الله، فهو مشتاق إلى الله لدرجة أنه انسحق، فلم تعد فيه قوة، واتضع تماماً، طالباً من الله أن يعرفه أحكامه. وهذا يبين شوقه الشديد إلى كلام الله، وأنه مشتاق بكل قلبه.
- إن داود مشتاق إلى أحكام الله لأنه يحبها جداً، وتعلق قلبه بها، ويحتاجها فى كل حين، إذ لا يتخيل حياته بدونها، لأن الله حياته، وأحكامه هى التى توصله إلى السماء، أى الحياة مع الله إلى الأبد. وبهذا الاشتياق تستنير روحه، ويبتعد عن كل شئ.
ع21: انْتَهَرْتَ الْمُتَكَبِّرِينَ الْمَلاَعِينَ الضَّالِّينَ عَنْ وَصَايَاكَ.
- الذى يعطل الإنسان عن وصايا الله هو :
أ – الكبرياء، فيرفض الله وكلامه، ويبرر خطاياه.
ب – الجهل والضلال، وعدم الاشتياق إلى معرفة كلام الله.
هذا يجعل الإنسان مستحقاً للعنة الله، أى يتخلى عنه الله، ويحرم من الوجود معه.
- يذكر الكبرياء كسبب رئيسى للعنة الله، لأنها أول الخطايا التى أسقطت الشيطان، وكذا الإنسان الأول آدم وحواء. ولأجل هذا أكد المسيح علينا أن نتعلم منه الإتضاع (مت11: 29).
ع22: دَحْرِجْ عَنِّي الْعَارَ وَالإِهَانَةَ، لأَنِّي حَفِظْتُ شَهَادَاتِكَ.
- الذى يحفظ شهادات الرب، ويحيا بالبر يستهزئ به الأشرار أهل العالم، ويصير فى نظرهم فى عار وخزى. فيطلب هذا البار من الله أن يبعد عنه هذا العار والخزى؛ حتى يفهم الأشرار خطيتهم، ويرجعوا عن ضلالهم، ويؤمنوا بالله، ومن ناحية أخرى يثبت الأبرار فى حياة البر.
واستخدام داود لكلمة “دحرج” تذكرنا بعمل الله ونعمته، فهو بقوته أولاً دحرج الحجر عن قبر المسيح ليبطل عار الموت وخزيه، وهو الذى بذراعه الممدودة دحرج خزى شعب بنى إسرائيل فى مصر، وأخرجهم من المذلة. وهكذا رفع الخزى عن كل خاطئ تائب وألبسه الحلة الأولى.تشدد وتشجع أيها الحبيب ليدحرج عنك المسيح عار الخطية.
ع23 ، 24 : جَلَسَ أَيْضًا رُؤَسَاءُ، تَقَاوَلُوا عَلَيَّ. أَمَّا عَبْدُكَ فَيُنَاجِي بِفَرَائِضِكَ. أَيْضًا شَهَادَاتُكَ هِيَ لَذَّتِي، أَهْلُ مَشُورَتِي.
- الرؤساء الذين تشاوروا ضد داود، وقالوا كلاماً سيئاً وشراً عليه هم شاول ومعاونوه. وهو بهذا رمز للمسيح الذي جلس رؤساء الكهنة والكهنة والكتبة والفريسيون وتشاوروا لكيما يصطادوه بكلمة، ثم أيضاً ليقتلوه. وكل رجال الله تعرضوا لهذا، مثل رؤساء مملكة فارس، الذين تشاوروا على دانيال وألقوه في الجب، ورؤساء يهوذا الذين تشاوروا على إرميا وألقوه في السجن والجب.
- داود والمسيح وكل أبرار العهد القديم والجديد أخذوا اتجاهاً إيجابياً وهو :
- المناجاة بفرائض الله، أي عبادته، وذلك من خلال الصلاة وقراءة كلمة الله.
- التأمل والتلذذ بشهادات الله، أي وصاياه وكلامه.
- الاستناد على كلام الله ليكون مصدر المشورة والإرشاد في الحياة.
كن حريصاً على الإيجابية في حياتك مهما أحاط بك الأشرار، أو هددوك فلا تخف، وتمسك بصلواتك وقراءة كلام الله، فيرشدك، بل يدخلك في التلذذ بعشرة الله ؛ حتى وسط الضيقات.
القطعة الرابعة (د)
الحياة المقامة (ع25-32):
الهدف :
بعد أن ساند الشاب في غربته وسط العالم، يعلن له هنا كلمة الله القادرة أن تقيمه من أتعابه وأحزانه وتحييه. فيشتهى أن يعرف وصايا الله وعبادته، ويتأمل في أعماله، ويبتعد عن الشر، ويسير في طريق الحق، فيتسع قلبه بالحب للجميع.
ع (25) : لَصِقَتْ بِالتُّرَابِ نَفْسِي، فَأَحْيِنِي حَسَبَ كَلِمَتِكَ.
- يعبر داود عن مدى الألم النفسي الذي وصل إليه بالتصاق نفسه، وليس جسده فقط بالتراب، أي أنه في ضيق شديد، وذلك من قسوة تهديدات الأعداء ومضايقاتهم له، أو من الضيق الناتج عن سقوطه في الخطية، والندم عليها.
- إن كانت الحية تزحف على الأرض، فالخطية تلصق الإنسان بالتراب وهو لا يشعر بانشغاله بلذتها. ولكن التائب يعبر عن توبته بالميطانيات عندما يلتصق جسده بتراب الأرض، وتلتصق نفسه أيضاً بالتراب ندماً على خطيته فينال مراحم الله؛ لأنه يشبه الميت الذي يلتصق جسده بتراب الأرض، لكنه يقوم بالتوبة من الأرض، ويقف شاكراً المسيح القائم من الأموات الذي أقامه، ولذا تصلي هذه الآية في تجنيز الكهنة.
- رغم التصاق نفس داود بالتراب، لكنه لم يفقد رجاءه في قوة الله التي تحييه. بحسب وعده، وكذلك بكلامه المحيي. وبهذا صار رمزاً للمسيح الذي التصق جسده بالتراب في القبر، ثم قام حياً في اليوم الثالث. وكما أعطى الله الحياة لأهل نينوى عندما تابوا، وكذلك الابن الضال، ودانيال الذي أخرجه من الجب، والثلاث فتية من آتون النار.
- يشعر بهذه الآية كل من يصلي من أجل الآخرين، فتلتصق نفسه بالتراب تذللاً أمام الله، ليرجع البعيدين، وينقذهم من مشاكلهم، ويعطيهم حياة جديدة مفرحة.
ع (26 ، 27) : قَدْ صَرَّحْتُ بِطُرُقِي فَاسْتَجَبْتَ لِي. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ. طَرِيقَ وَصَايَاكَ فَهِّمْنِي، فَأُنَاجِيَ بِعَجَائِبِكَ.
- التصريح بطرقي معناه الاعتراف بخطاياي، وكذا تقديم كل مشاكلي واحتياجاتي لله، وهو بأبوة يستجيب لي، فيغفر خطاياي، ويحل مشاكلي.
- طرقي يمكن أن تكون مبادئى الروحية، وكل ما علمني الله. فعندما أصرح أي أحيا بها، يستجيب لكل طلباتي واحتياجاتي.
- إذ تعودت فتح كل حياتي لله، واختبرت استجابته لطلباتي؛ لذا أطلب منه أن يعلمني فرائضه، أي عبادته، إذ لا أريد أن ابتعد عنه أبداً، بل أيضاً أطلب منه أن يفهمني وصاياه لأحيا بها، وحينئذ اختبر حلاوتها، فأناجيه بها، وأشكره على أعماله العجيبة معي.
ع (28 ) : قَطَرَتْ نَفْسِي مِنَ الْحُزْنِ. أَقِمْنِي حَسَبَ كَلاَمِكَ.
- يشبه داود نفسه بشمعة تذوب قطرة قطرة، أي أنه في حزن شديد على خطاياه، أو لأجل كل ما يعانيه. وهذا الحزن رغم شدته، لكن له رجاء في الله، فهو حزن مقدس.
- يظهر رجاء داود في الله عندما يطلب منه أن يقيمه من أحزانه بحسب وصاياه، أي يقوم ليحيا بكلام الله. فمصدر قيامه هو كلمة الله التي سيحيا بها، ويشكر الله على نعمته.
ع (29) : طَرِيقَ الْكَذِبِ أَبْعِدْ عَنِّي، وَبِشَرِيعَتِكَ ارْحَمْنِي.
- أحب داود الله؛ لذا رفض خطية الكذب، ولو بالفكر، وطلب من الله أن يبعد عنه أفكار الكذب؛ حتى لا يفعله. ويقصد بالكذب أيضاً كل خطية أخرى. فهو يريد أن يحيا بنقاوة ليكون له مكان في السماء مع الله.
- يعلن داود لله أنه إن كنت قد سقطت في خطية كذب، أو أية خطية أخرى فسامحني وارحمني بشهاداتك. وأعطني أن أقرأ وأتأمل في كلامك، فأحيا في النقاوة.
ع (30) : اخْتَرْتُ طَرِيقَ الْحَقِّ. جَعَلْتُ أَحْكَامَكَ قُدَّامِي.
- تظهر هنا إيجابية داود في اختياره طريق الحق، وليس فقط اختيار طريق الحق الذي هو طريق الله، بل أيضاً وضع أمامه أحكام الله، أي كلامه كهدف ليحيا به ولا يحيد عنه. وبهذا ثبت في الطريق المستقيم، وتباعد عن الشر الذي أشار إليه في الآية الماضية.
ع (31) : لَصِقْتُ بِشَهَادَاتِكَ. يَا رَبُّ، لاَ تُخْزِنِي.
- لم يكتف داود باختيار طريق الحق ووضع أحكام الله أمامه، بل أيضاً التصق بشهاداته، فصارت كلمة الله قريبة جداً منه، وأحبها من كل قلبه.
- رغم كل هذا الحب لكلمة الله، ولكن مازال داود كإنسان معرض للسقوط في الخطية، ولذا يطلب غفران ومساندة الله؛ حتى لا يخزي بالسقوط بالخطية وينال الغفران.
ع (32) : فِي طَرِيقِ وَصَايَاكَ أَجْرِي، لأَنَّكَ تُرَحِّبُ قَلْبِي.
ترحب : توسع.
- في ختام هذا الجزء شعر داود بأهمية كلمة الله وتعلقه بها؛ حتى أنه أخذ يجري في طريقها؛ ليشبع بها؛ حتى لو كان طريق حفظ الوصايا وتنفيذها يحتاج لجهاد، وتقابله عقبات في التنفيذ، ولكنه يتمسك بالباب الضيق والطريق الكرب؛ لأجل حبه لله.
- الذي شجع داود على الجري في طريق الله، مهما كانت صعوبة الجهاد، أن الله أعطاه إيماناً وسلاماً في قلبه، بل رحب قلبه؛ ليحب الله وكل البشر فتمتع بالفرح، بل على قدر صعوبة الجهاد وهبته نعمة الله قلباً متسعاً بالحب للكل وفرحاً دائماً.
إن الحياة مخبأة لك في كلمة الله، فعلى قدر انشغالك في قراءتها والتأمل فيها تتذوق السلام، وتحيا بمشاعر روحية وحماس، وتتمتع بالوجود مع الله.
القطعة الخامسة (هـ)
قائد الحياة (ع 33-40):
الهدف :
إذا اختبر الإنسان الروحي عمل كلمة الله فيه التي تقيمه من أحزانه وأتعابه، أحب كلمة الله فصارت قائدة له في طريق الحياة، وطلب أن يتعلم ويفهم ويتدرب على حفظ كلام الله، فابتعد عن أباطيل العالم وعاش في مخافة الله وتوبة حقيقية، فالتهب قلبه باشتهاء أحكام الله.
ع (33) : عَلِّمْنِي يَا رَبُّ طَرِيقَ فَرَائِضِكَ، فَأَحْفَظَهَا إِلَى النِّهَايَةِ.
- يظهر داود حاجته للتعلم والتلمذة، فهذا يؤدى لإتضاعه، وميله لمعرفة الله والحياة معه. وهو يريد أن يتعلم طريق فرائض الله، فالتعلم مستمر طوال الحياة : ليعرف كيف يعبد الله، ويسلك بشريعته.
- لعل داود اشتاق بروح النبوة أي يتعلم أيضاً طريق العبادة المسيحية، التي بالروح والحق.
- هذا التعلم يحتاج لجهاد روحي؛ لأنه سيستمر طوال الحياة، بل على أساسه تكون العبادة في السماء، أي يكتسب روح محبة الله، وكيف يوجد في حضرته بالصلوات والتسابيح والتأمل في الله.
ع (34) : فَهِّمْنِي فَأُلاَحِظَ شَرِيعَتَكَ، وَأَحْفَظَهَا بِكُلِّ قَلْبِي.
- يطلب داود ليس فقط تعلم عبادة الله، بل أيضاً أن يفهم شريعته؛ حتى يستطيع أن يعبده بلسانه وذهنه. وذلك عن طريق ملاحظة شريعته المطبقة في حياة أولاده الصالحين، بالإضافة على ملاحظة الشريعة، أي التأمل في معانيها؛ لينعم عليه الله بفهمها.
- بعدما يفهم داود شريعة الله يحتاج أن يحفظها ليس فقط بذهنه، بل عملياً في حياته، يشعر بها في قلبه، ويطبقها في سلوكه، فتصبح جزءاً حياً من حياته، بل هي حياته.
ع (35) : دَرِّبْنِي فِي سَبِيلِ وَصَايَاكَ، لأَنِّي بِهِ سُرِرْتُ.
- أحب داود وصايا الله فعرفها وفهمها بإرشاد الله له، ولكنه يريد أن يحيا بها، وهذا ليس أمراً سهلاً، بل يحتاج إلى تدريب مدى الأيام. والله هو المدرب، كما أنه هو الذي يعرف أولاده، ويفهمهم وصاياه، ويتعهدهم أيضاً، ويساندهم بالتداريب الروحية لتطبيق الوصية، ويساعدهم أيضاً في الجهاد الروحي لمحبتهم وسرورهم بوصاياه.
- من يفهم وصايا الله يُقبل عليها ليحفظها، بل ويقبل على التدرب عليها، ويكشف له الله أعماقاً جديدة فيها أثناء هذا التدريب. من كل هذا نفهم أن داود بحريته يطلب أن يعرف ويفهم ويتدرب؛ لذا تعمل فيه نعمة الله وتعطيه كل ما يحتاجه. فالنعمة تعمل مع من يريد ويطلب. والله يساعد من يطلب ويجاهد، ليس فقط في التدرب على الوصية، بل يزيد رغبته في التعلم (في 2 : 13).
ع (36 ، 37) : أَمِلْ قَلْبِي إِلَى شَهَادَاتِكَ، لاَ إِلَى الْمَكْسَبِ. حَوِّلْ عَيْنَيَّ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْبَاطِلِ. فِي طَرِيقِكَ أَحْيِنِي.
- يتجرأ داود إذ تذوق حلاوة كلام الله، فيطلب منه أن يميل مشاعره إلى شهاداته، وتصير هدفاً وحيداً لحياته، وبالتالي لا تنشغل نفسه بالمكاسب المادية كهدف، ولا ينحرف إلى ظلم الناس للحصول على هذه المكاسب.
- إذ وضع داود وصايا الله هدفاً له تحولت عيناه عن أباطيل العالم، وشعر أن كل مكاسب الأرض باطلة، فأصبح طريق الله مفتوحاً له ليحيا بوصاياه دائماً. هذا ما حدث مع كل القديسين في العهدين، أما عكس هذا، أي الإنشغال بأباطيل العالم، هو سلوك الأشرار، مثل أيام نوح، وعندما أحب شمشون شهوة النساء، وكذا عندما سقط داود في الزنا، أو يهوذا الاسخريوطي في محبة المال.
ع (38) : أَقِمْ لِعَبْدِكَ قَوْلَكَ الَّذِي لِمُتَّقِيكَ.
- إذا ذاق داود نعمة الله التي حولت عينيه عن الشر، وعاش مشاعر التوبة، تجرأ بدالة الإبن الذي يخاف أباه، ويوقره، فطلب منه أن يقيم ويحقق وعوده له، ولكل أولاده التي نطق بها في وصاياه، فيهبه الحياة معه على الأرض وإلى الأبد.
ع (39) : أَزِلْ عَارِي الَّذِي حَذِرْتُ مِنْهُ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ طَيِّبَةٌ.
- يترجى داود الله أن يزيل عنه عار الخطية الذي لصق به، والذي سبق وحذره الله منه بوصاياه، ويزيل عنه وعن كل الأبرار أيضاً تعييرات الأشرار التى ليست لها قيمة، بل من يحتملها ينال مكافأة من الله، لأن العار الحقيقي هو عار الخطية.
- إزالة عار الخطية يكون بأحكام الله الطيبة التي ترشده لينتبه، ويبتعد عن الخطية، ويقدم توبة، فيغفر له الله، ثم يسلك بوصايا الله الطيبة التي تشبع نفسه، فيحيا ويفرح بها.
ع (40) : هأَنَذَا قَدِ اشْتَهَيْتُ وَصَايَاكَ. بِعَدْلِكَ أَحْيِنِي.
- إذ تمسك داود بوصايا الله، وهبه الله شهوة الوصية، فسار في طريقها، وتلذذ بها، واكتشف خطاياه، فرفضها، وكرهها، ونال الغفران منها بالصليب الذي رآه بروح النبوة، وعليه وفىَّ المسيح العدل الإلهي، وأعطى حياة لكل من يؤمن به.
افحص نفسك بكلام الله الذي تقرأه في الكتاب المقدس، فيقودك إلى التوبة، وينزع عنك خطاياك في سر الاعتراف والتناول، فتحيا مع الله في حياة توبة يومية.
القطعة السادسة (و)
الشهادة لكلمة الله (ع 41-48):
الهدف :
بعدما خضع الإنسان لقيادة كلمة الله أصبح قادراً هنا أن يشهد بكلمة الله حتى قدام الملوك، حتى صارت كلمة الله له لذة وحب ومناجاة، وأيضاً حياة عملية.
ع (41، 42) : لِتَأْتِنِي رَحْمَتُكَ يَا رَبُّ، خَلاَصُكَ حَسَبَ قَوْلِكَ. فَأُجَاوِبَ مُعَيِّرِي كَلِمَةً، لأَنِّي اتَّكَلْتُ عَلَى كَلاَمِكَ.
- يطلب داود رحمة الله والتي بها ينال خلاصه، حسبما وعده الله من خلال كل نبوات العهد القديم. وطلب داود للرحمة يظهر توبته، واتضاعه، وإيمانه برحمة الله، وبخلاصه الذي سيتم على الصليب في ملء الزمان.
- إذ ينال داود، وكل مؤمن رحمة الله وخلاصه، يستطيع بقوة روح الله أن يجيب الشياطين، وكل الأشرار الذين يعيرونه، ويحاولون إسقاطه في اليأس، وبهذا يشهد لله الذي يسنده لأنه اتكل على وصاياه. وكلما شهد لله المخلص يزداد تمسكه بوصاياه، وتفيض عليه مراحمه، ويخلص تدريجياً من كل شر، ويحيا لله.
- تعرض المسيح للتعييرات الكثيرة من اليهود، لكنه أكمل طريقه إلى الصليب، ليهب البشرية المؤمنة به الرحمة والخلاص.
ع (43 ، 44) : وَلاَ تَنْزِعْ مِنْ فَمِي كَلاَمَ الْحَقِّ كُلَّ النَّزْعِ، لأَنِّي انْتَظَرْتُ أَحْكَامَكَ. فَأَحْفَظَ شَرِيعَتَكَ دَائِمًا، إِلَى الدَّهْرِ وَالأَبَدِ.
- يظهر داود تمسكه بكلام الله الذي هو قول الحق، إذ يطلب من الله أن يثبته في قلبه وعلى لسانه. وحتى وسط الضيقات التي يمكن أن يسقط فيها الإنسان في التذمر، أو التشكك، أو عدم فهم بعض أحكام الله لا ينزع كلام الله كل النزع منه. بل إن تكلم بكلمة باطلة يعود فيشهد لله، وقلبه يظل مؤمناً بكلام الله، ومنتظراً خلاصه الذي سيكمل في الوقت المناسب، ويحل مشاكله على الأرض، ثم يكمل حلها عندما يصل إلى الملكوت. وهكذا تمسك أولاد الله الأنبياء بقول الحق مهما احتملوا، وحتى لو ضحوا بحياتهم، مثل أشعياء النبي الذي نشره منسي الملك، وإرميا النبي الذي رجموه في مصر، ويوحنا المعمدان الذي قطع هيرودس رأسه.
- يتمنى داود أن يحفظ شريعة الله دائماً إلى الدهر، أي طوال العمر في كل ظروف الحياة، سواء اثناء القوة، أو الضعف، أو الصحة، أو المرض … بل يظل يتمتع بالتأمل في كلمة الله إلى الأبد، أي يتمتع برؤية المسيح كلمة الله في السماء.
ع (45) : وَأَتَمَشَّى فِي رَحْبٍ، لأَنِّي طَلَبْتُ وَصَايَاكَ.
- يتمنى داود أن ينال القلب المتسع؛ لأنه يطلب وصايا الله ليحيا بها، فيتسع قلبه بالحب لكل أحد، حتى لأعدائه، كما فعل مع شاول وأبشالوم اللذين حاولا قتله.
- القلب المتسع يعطي صاحبه الراحة والفرح والشكر، مهما قابلته مشاكل، أو ضيقات كما حدث مع بولس في مدينة كورنثوس (2 كو 6 : 11 – 13).
ع (46) : وَأَتَكَلَّمُ بِشَهَادَاتِكَ قُدَّامَ مُلُوكٍ وَلاَ أَخْزَى.
- إذ امتلأ قلب داود بالإيمان ومحبة الله تجرأ، وشهد لله قدام ملوك، مثل شاول، وملوك الفلسطينيين، ولم يخف من انتقامهم. وهكذا فعل أيضاً الثلاث فتية ودانيال، وفي العهد الجديد بولس أمام الملوك الذين حاكموه، ولم يخف، أو يخزي منهم.
ع (47 ، 48) : وَأَتَلَذَّذُ بِوَصَايَاكَ الَّتِي أَحْبَبْتُ. وَأَرْفَعُ يَدَيَّ إِلَى وَصَايَاكَ الَّتِي وَدِدْتُ، وَأُنَاجِي بِفَرَائِضِكَ.
- أحب داود وصايا الله؛ حتى أنه تلذذ بقراءتها والتأمل فيها وترديدها، أي تحرك قلبه وفمه مع ذهنه في التمتع بكلمة الله، ثم رفع يديه إلى وصايا الله معلناً تمسكه بها، واستعداده للعمل بها، فتغذى صلاته التي يرفع فيها يديه، تتحول إلى أعمال صالحة تعملها يداه؛ حتى أنه في النهاية يناجي الله متغنياً بفرائضه وعبادته، أي يسبح الله دائماً.
اهتم أن تشهد لكلام الله ليس فقط في حياتك التي تنطق فيها الوصية، بل أيضاً في كلمات الحب الصادرة من فمك لكل أحد مع التسبيح والشكر لله بكل طاقتك.
القطعة السابعة (ز)
تعزية في الضيقة (ع 49-56):
الهدف :
بعد أن شهد لكلام الله، احتاج أن يتذكر دائماً كلامه؛ ليحفظه في طرقه وخاصة في الضيقات، عندما يلتف حوله المتكبرون. فاحتاج أن يرنم لله ويتمسك بعبادته، بل يذكره أيضاً في الليل ويتأمل كلامه.
ع (49 ، 50) : اُذْكُرْ لِعَبْدِكَ الْقَوْلَ الَّذِي جَعَلْتَنِي أَنْتَظِرُهُ. هذِهِ هِيَ تَعْزِيَتِي فِي مَذَلَّتِي، لأَنَّ قَوْلَكَ أَحْيَانِي.
- عندما دخل داود في الضيقة لم يكن أمامه إلا الالتجاء لله، وتذكرته بوعوده له؛ ليخلصه من آلامه، ليس لأن الله قد نسى، ولكن ليعلن داود إيمانه، وحاجته لله. ومن أجل هذا الاتضاع والاشتياق لكلام الله، لابد أن ينقذه من مذلته.
- إن قول الله يسند الإنسان الذي في الضيقة، بل ويحييه، فيهبه سلاماً، ثم يخرجه من ضيقته.
ع (51 ، 52) : الْمُتَكَبِّرُونَ اسْتَهْزَأُوا بِي إِلَى الْغَايَةِ. عَنْ شَرِيعَتِكَ لَمْ أَمِلْ. تَذَكَّرْتُ أَحْكَامَكَ مُنْذُ الدَّهْرِ يَا رَبُّ، فَتَعَزَّيْتُ.
- واجه داود استهزاء وتشكيكات من الأشرار المتكبرين، ليس به فقط، بل بإلهه ووصاياه، ولكنه ظل متمسكاً بوصايا الله، بل أخذ يذكر نفسه بأحكام الله في حفظه أولاده منذ الدهر. فتعزي قلبه، إذ تذكر كيف حفظ الله نوح البار أثناء الطوفان، وابرآم ولوط عند الحرب مع كدر لعومر، وحفظ ابرآم واسحق في مصر وفي جرار، وحفظ يعقوب من شر خاله لابان … وهكذا لم يقاوم داود المتكبرين الأشرار، بل وجه قلبه للعمل الإيجابي وهو تذكر أحكام الله، والتمسك بوصاياه.
ع (53) : الْحَمِيَّةُ أَخَذَتْنِي بِسَبَبِ الأَشْرَارِ تَارِكِي شَرِيعَتِكَ.
الحمية : التهاب القلب حزناً.
- تأثر قلب داود، وحزن على الخطاة الذين تركوا شريعة الله، لأنهم بالطبع ليس لهم سلام في قلوبهم، وينتظرهم عذاب أبدي، إذ هم تركوا شريعة الله عن عمد، وليس عن جهل، كما حزن بولس على ديماس (2تى 4 : 10 ) وكما حزن صموئيل و إيليا على شعب الله (1صم 7 : 3 – 5 ؛ امل 18 : 40). فليتنا نحزن ونصلى لأجل كل من يبتعد عن طريق الله من حولنا.
ع (54) : تَرْنِيمَاتٍ صَارَتْ لِي فَرَائِضُكَ فِي بَيْتِ غُرْبَتِي.
- اتجه هنا داود بشكل إيجابي إلى الله، ولم يستسلم لحزنه على الأشرار فاهتم بإتمام فرائض الله، أي طقوس العبادة، التي عبرت عن تهليل قلبه، وتسبيحه لله وسط غربة العالم، إذ شعر بكثرة المبتعدين عن الله حوله، ولكن عزاءه إحساسه بالله الذي معه. وهكذا يفرح داود ويفرح قلب الله بهذا التسبيح وهذه العبادة التي تركها الأشرار، فصار داود كشمعه وسط الظلام يعطي رجاءً للأبرار، ولعل الأشرار يرجعون إلى الله ويتوبون.
ع (55 ، 56) : ذَكَرْتُ فِي اللَّيْلِ اسْمَكَ يَا رَبُّ، وَحَفِظْتُ شَرِيعَتَكَ. هذَا صَارَ لِي، لأَنِّي حَفِظْتُ وَصَايَاكَ.
- تعود داود النبي أن يصلي طوال اليوم قبل أن يبدأ أعماله، وأثناء العمل، وعندما يدخل لينام على فراشه، وأيضاً في الليل يتذكر اسم الله ووصاياه، ويتأمل فيها. وهدوء الليل يساعده على التأمل. ومن ناحية أخرى، فالليل يرمز للضيقات، وظلمة الخطية، فعندما يتذكر كلام الله يتكل عليه، ويبتعد عن كل شر.
- من أجل إنشغال داود بشريعة الله ووصاياه تلذذ بها، واختبر قوة الله في حياته، وتمتع بالسلام الداخلي. كل هذه البركات نالها لأجل حفظه وصايا الله وتكرارها والتأمل فيها.
لا تنسى أن تصلي في الليل قبل أن تنام، فيعطيك الله نوماً هادئاً، بل إن أردت تستطيع أن تطلب الله إذا استيقظت في الليل ولو دقائق قليلة، فتنال بركات أوفر.
القطعة الثامنة (ح)
إرضاء الله نصيبي (ع 57-64):
الهدف :
بعد أن تعزي داود في ضيقته شعر أن الرب هو نصيبه، وحاول إرضاءه بالسلوك في وصاياه، وشكره، وتعلم عبادته.
ع (57) : نَصِيبِي الرَّبُّ، قُلْتُ لِحِفْظِ كَلاَمِكَ.
- شعر داود أن نصيبه هو الرب، وليس ممتلكات العالم، أو شهواته، وتفرغ لحفظ وصايا الله وتطبيقها في حياته. فهو وإن كان يحيا في العالم، ويقوم بأعمال كثيرة، ولكن هدفه الوحيد واضح أمامه أن يحيا بكلام الله.
- سبط لاوي كان نصيبه هو الرب فلم يمتلك في أرض كنعان (تث 18 : 1 ) وكذلك المكرسون في العهد الجديد من الكهنة والرهبان والخدام؛ هؤلاء جميعاً يشبعهم الله بمحبته، ولا يحتاجون للماديات، إذ جعلوا هدفهم حفظ كلام الله لحياتهم، وتوصيله للآخرين.
ع (58) : تَرَضَّيْتُ وَجْهَكَ بِكُلِّ قَلْبِي. ارْحَمْنِي حَسَبَ قَوْلِكَ.
- يشعر داود أنه خاطئ، ويريد أن يرضي الله، وتظهر محبته لله في جهاده بكل قلبه، فليس فقط جهاده بأعمال جسدية، بل يصاحبها مشاعر وفكر؛ ليعلن حقاً احتياجه لله، فيتدخل الله بمراحمه حسب وعده أن يقبل أولاده المتأدبين.
- إن كان هنا يظهر تكامل عمل الجهاد مع النعمة، ويظهر أيضاً الاتكال على الله في طلب رحمته، ليس بشكل معين، ولكن حسب كلام الله، أي ما يراه الله مناسباً له يعطيه إياه.
- وجه الله يشير إلى المسيح المتجسد، فالله لم يره أحد، ولكن الإبن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبر. فداود بروح النبوة رأى المسيح، ويحاول إرضاءه بالتوبة والصلاة.
ع (59 ، 60) : تَفَكَّرْتُ فِي طُرُقِي، وَرَدَدْتُ قَدَمَيَّ إِلَى شَهَادَاتِكَ. أَسْرَعْتُ وَلَمْ أَتَوَانَ لِحِفْظِ وَصَايَاكَ.
- من فضائل داود أنه يراجع نفسه دائماً، فيفكر في الطرق التي يسلكها، أي حياته، وكل انشغالاته، فإن وجد شيئاً منها قد ابتعد به عن الله، يعود بسرعة إلى وصايا الله وشهاداته، فهو لا يطيق الابتعاد عن الله. وهذا يبين :
- اهتمام داود بكلمة الله، فهي أساس حياته.
- شجاعة داود في تغيير أعماله، واتجاهاته إن انحرفت عن الله.
- اهتمامه بالإسراع إلى تصحيح مساره؛ لأنه إن توانى قد لا يستطيع العودة إلى الله، وقد ينسى ما اقتنع به وينجرف مع التيار وانشغالات العالم.
ع (61) : حِبَالُ الأَشْرَارِ الْتَفَّتْ عَلَيَّ. أَمَّا شَرِيعَتُكَ فَلَمْ أَنْسَهَا.
- حبال الأشرار هي مقاومتهم لداود، وحيل إبليس، وكل تهديدات بالإساءة إليه. هذه الحبال يمكن أن تعطل أي إنسان عن جهاده الروحي. ولكن قوة داود اكتسبها من تمسكه بشريعة الله، فهي أقوى من كل حبال الأشرار، بل إنها لا شيء أمام قوة كلمة الله، التي اسند عليها داود، وكان يكررها ويلهج بها كل يوم، فلم تبتعد عن ذهنه، بل كانت في قلبه.
ع (62) : فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ أَقُومُ لأَحْمَدَكَ عَلَى أَحْكَامِ بِرِّكَ.
- انشغل قلب داود بالصلاة طوال اليوم، وعندما نام في الليل لم يستطع أن يترك الصلاة، فقام ليحمد الله، ويشكره على عنايته به، بل لعله لم يدخل إلى فراشه سريعاً، واستمر فترة يصلي حتى وهو على فراشه، فالصلاة قد جذبت قلبه نهاراً وليلاً، والحمد والتسبيح صارا لذته.
- إن كان الليل يرمز إلى الضيقات، فداود أيضاً ينهض منها ليشكر الله الذي يحفظه أثناء الضيقة. وإن كان الليل يرمز للسقوط في الخطية، فداود يتوب عنها، ثم يشكر الله الذي رفعه من الخطية للتوبة.
ع (63) : رَفِيقٌ أَنَا لِكُلِّ الَّذِينَ يَتَّقُونَكَ وَلِحَافِظِي وَصَايَاكَ.
- أحب داود الرب، وعاش في مخافته حتى أنه أحب كل من يخافونه، وارتبط بهم، ورافقهم ليتشجع بهم، ويشجعهم. وهؤلاء الذين يخافون الله الذي ثبتهم في مخافته هو حفظهم لوصاياه.
- الذي يستطيع أن يرافق جميع الذين يتقون الرب هو المسيح، الذي هو رأس الجسد، وكل الذين يخافون الله أعضاء في جسده. فهذه الآية نبوة عن المسيح يقولها داود بلسان المسيح.
ع (64) : رَحْمَتُكَ يَا رَبُّ قَدْ مَلأَتِ الأَرْضَ. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ.
- أدرك داود أن رحمة الله ملأت الأرض كلها، أي غطت كل البشر. فإحسانات الله لكل الناس في الشمس التي تضيء، والهواء الذي يستنشقونه، والأرض التي ثبتها لهم … ولذا تجاوباً مع رحمة الله يطلب من الله أن يعلمه عبادته ليصل إليه ويشكره من كل قلبه.
- رحمة الله ملأت الأرض كلها من خلال الصليب الذي قدم فداءً للبشرية كلها لكل من يؤمن به، حتى تخرج من شرورها، وتحيا له في عبادة مقدسة في كنيسته.
- عندما يتعلم الإنسان فرائض إلهه يصير مثل الله رحيماً على كل من حوله، وليس فقط الأبرار، فيكون نوراً للعالم، ويرون فيه نور المسيح.
ليت قلبك ينفتح بالحب لكل الناس؛ لتعطيهم مما أعطاه الله لك، فتساندهم وتشجعهم، وتخدمهم بكل وسيلة.
القطعة التاسعة (ط)
الخير من خلال التأديب (ع 56-72):
الهدف :
اختبر داود أن يكون نصيبه هو الرب، ولذا فقد قبل كل شيء من يده، حتى التأديب، وشعر أنه خير له من يد الله الصالح، ولم ينزعج من مؤامرة الأشرار، أو تعاظمهم عليه، بل تمسك بكلام الله.
ع (65 ، 66) : خَيْرًا صَنَعْتَ مَعَ عَبْدِكَ يَا رَبُّ حَسَبَ كَلاَمِكَ. ذَوْقًا صَالِحًا وَمَعْرِفَةً عَلِّمْنِي، لأَنِّي بِوَصَايَاكَ آمَنْتُ.
ذوقاً صالحاً : حكماً سليماً وتميزاً صحيحاً.
أدباً : مبادئ سليمة وأخلاق جيدة.
- يشعر داود أن أعمال الله معه كلها للخير، سواء كانت بركات مادية، أوروحية، أو ضيقات تعلمه مبادئ وأخلاق سليمة حسب وعد الله له، فيستطيع أن يميز الحق من الباطل، وتكون له معرفة ومبادئ مستقاه من كلام الله.
- لأن داود آمن بوصايا الله وأحبها شعر أن كلها خير له، فسلك فيها بفرح، وطلب التلمذة عليها وتعلمها طوال حياته، خاصة وأن كلمة ” خيراً ” أصلها اليوناني يعني “عذوبة”، أي أن داود تلذذ بأعمال الله والسلوك بوصاياه.
ع (67) : قَبْلَ أَنْ أُذَلَّلَ أَنَا ضَلَلْتُ، أَمَّا الآنَ فَحَفِظْتُ قَوْلَكَ.
- يعلن داود في شجاعة أنه في بعض الأحيان نسى وانشغل عن كلام الله، فضل عن طريق الحق، وسقط في ذل شديد، ثم أفاق من خلاله، وأسرع إلى العلاج وهو حفظ وصايا الله. فهو إنسان قوي يراجع نفسه، ويتعلم من خطاياه، وهو إيجابي يسرع إلى الحل، وهو حفظ وصايا الله.
ع (68 ، 69) : صَالِحٌ أَنْتَ وَمُحْسِنٌ. عَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ. الْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ لَفَّقُوا عَلَيَّ كَذِبًا، أَمَّا أَنَا فَبِكُلِّ قَلْبِي أَحْفَظُ وَصَايَاكَ.
- قام الأشرار على داود ولفقوا له تهماً كاذبة، وسمح الله بهذا؛ لينتبه داود إلى شروره الداخلية؛ ليتوب عنها، وكما حدث هذا أيضاً مع أيوب، ولكن الجميل في داود وأيوب أنهما اتجها إلى وصايا الله. وشعر داود بصلاح الله وإحسانه، فأقبل على عبادة الله باشتياق وحفظ وصاياه من كل القلب. وهذا المثل جيد لأبناء الله الذين يقودهم التأديب إلى ارتباط أكبر بالله وطلب وصاياه، وليس الغضب، أو التذمر، إذ أنهم يشعرون أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله (رو 8 : 28) ويستمر أولاد الله يتمتعون بعذوبة وحلاوة كلامه التي تخرجهم من الضيقة، وهم في قوة روحية.
ع (70) : سَمِنَ مِثْلَ الشَّحْمِ قَلْبُهُمْ، أَمَّا أَنَا فَبِشَرِيعَتِكَ أَتَلَذَّذُ.
- تمادى الأشرار في شرهم وفى محاربة الأبرار، وظنوا أنه بكثرة خيراتهم المادية -اتي يعبر عنها بالشحم الكثير- في قوة وسلطان، فتمادوا في شرهم. و يقول قد سمن ليس فقط جسدهم، بل قلبهم، أي صار قلبهم غليظاً لا يشعر بالله، ولا بالضعفاء، و صار قاسياً شريراً، يؤذي الآخرين.
- على الجانب الآخر نجد الأبرار – الذين يمثلهم داود – قد اتجهوا إلى شريعة الله وأحبوها، بل تلذذوا بها، فصارت هي حياتهم، ولم ينزعجوا من مضايقات الأشرار؛ لأن الله أعطاهم سلاماً، بل وفرحاً بكلامه.
ع (71 ، 72) : خَيْرٌ لِي أَنِّي تَذَلَّلْتُ لِكَيْ أَتَعَلَّمَ فَرَائِضَكَ. شَرِيعَةُ فَمِكَ خَيْرٌ لِي مِنْ أُلُوفِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ.
- إذ تأكد داود أن تأديب الله كان خيراً عظيماً له، فضل في النهاية أن يحيا بشريعة الله والتي هي حديث شخصي من فم الله إلى قلبه. وكلام الله قادر أن يغنيه أفضل من كل غنى العالم، الذي يمثله الذهب والفضة، وشبع لنفسه أفضل من كل الشهوات المادية البراقة.
علمني يا رب أن أقبل الضيقة مادمت أنت قد سمحت بها، وأثق أنها لخيري. ولكن أطلب فقط أن تسندني خلالها، وتكشف عن عيني لأراك وسط الضيقة، فأتعزى بك عن كل ما احتمله، وأفرح أني معك.
القطعة العاشرة (ى)
عزاء للمتكلين (ع 73-80):
الهدف :
إذا رأى البار خيرات الله من خلال تأديبه خضع له باتكال وتسليم، فازدادت تعزيات الله له، واستمر في توبته، بل وصار قدوة للأبرار، وسار في طريق الكمال.
ع (73) : يَدَاكَ صَنَعَتَانِي وَأَنْشَأَتَانِي. فَهِّمْنِي فَأَتَعَلَّمَ وَصَايَاكَ.
- الله صنعني وأنشأني على صورته ومثاله، ولكن الخطية تشوه صورتي، لذا فأنا محتاج دائماً أن أتعلم وصاياه لتعيدنى إلى صورتي الأولى، وحتى أتعلم وصايا الله أنا محتاج أن أفهم؛ لأن الله خلق لي عقلاً، وعندما أفهم يسهل علي أن أتعلم وصايا الله. هذا الفهم لأعماق الوصية هو من نعمة الروح القدس.
- يداك ترمزان إلى الإبن والروح القدس فالخلقة والصنع قد اشترك فيها الثالوث القدوس، والصنع أيضاً يرمز للخلقة في شخص آدم، والإنشاء يرمز لولادتي الطبيعية من بطن أمي. واليدان ترمزان لقوة الله، فخلقتي كانت عملاً عظيماً يفوق جميع الخلائق، وتم بقوة الله. والصنع أيضاً يرمز لولادتي الجسدية، والإنشاء يرمز لولادتي الثانية في سر المعمودية. والصنع أيضاً يرمز لخلق الإنسان من التراب، والإنشاء يرمز إلى نفخة الحياة التي نفخها الله في آدم.
ع (74) : مُتَّقُوكَ يَرَوْنَنِي فَيَفْرَحُونَ، لأَنِّي انْتَظَرْتُ كَلاَمَكَ.
- الذين يخافون الله عندما يرون داود يحتمل الآلام والضيقات، وينتظر بإيمان خلاص الرب يفرحون لثباته ويثبتون هم أيضاً في الإيمان، ويتعلمون من داود الثبات، وتسليم حياتهم لله، بل يرون أعمال الله معه، وسلامه الداخلي، فيزداد فرحهم، وتعلمهم منه لأن أعمال داود وهو في الضيقة وينتظر الرب- إذ تتم في هدوء ودون اضطراب وفي اتكال على الله- تكون نوراً لمن حوله.
- تظهر هنا شركة المؤمنين مع داود لأن الكل أعضاء في جسد واحد، الكل يحب الله ويخافه، لذا يشعرون بداود المتألم المنتظر الرب. ومحبة هؤلاء المؤمنين الذين يخافون الله تساند داود، وتشجعه.
ع (75) : قَدْ عَلِمْتُ يَا رَبُّ أَنَّ أَحْكَامَكَ عَدْلٌ، وَبِالْحَقِّ أَذْلَلْتَنِي.
- إذ خضع داود للضيقة والتأديب، وانتظر خلاص الله، كشف الله له عن عينيه، ووهبه نعمة العلم بمقاصد الله، ففهم أن الله عادل وليس قاسياً في تأديبه له، وأنه يستحق هذا الذل لأجل خطاياه وتقصيراته. فالله عادل، بل هو الحق ولا يمكن أن يخطئ، وشعر أنه محتاج لهذا الذل حتى يتخلص من ضعفاته، ويزداد تمسكه بالله. وهنا يظهر مدى خضوع داود واتكاله وتسليمه وقبوله تأديب الله، ولذا استنارت عيناه وفهم الحق.
ع (76 ، 77) : فَلْتَصِرْ رَحْمَتُكَ لِتَعْزِيَتِي، حَسَبَ قَوْلِكَ لِعَبْدِكَ. لِتَأْتِنِي مَرَاحِمُكَ فَأَحْيَا، لأَنَّ شَرِيعَتَكَ هِيَ لَذَّتِي.
- بعد أن خضع داود لعدل الله وتأديبه وذله يطلب بدالة البنين رحمة الله، فهي المعزي والمساند الوحيد له، بل هي سر حياته حتى يستطيع أن يجتاز الآلام والتجارب. ولذا يتمسك بوصايا الله، فتسنده، بل تصير لذة له. وهكذا برحمة الله تتحول الضيقة إلى لذة وفرح.
- هذه المراحم التي يطلبها داود يستند فيها على وعود الله وأقواله له، بل هو ينتظر بركات من أقوال الله ووعوده، بركات تفوق العقل في الأبدية.
- تكمل رحمة الله المعزية في تجسد المسيح وفدائه، ويعطي مراحمه في كنيسته بالروح القدس.
ع (78 – 80) : لِيَخْزَ الْمُتَكَبِّرُونَ لأَنَّهُمْ زُورًا افْتَرَوْا عَلَيَّ. أَمَّا أَنَا فَأُنَاجِي بِوَصَايَاكَ. لِيَرْجعْ إِلَيَّ مُتَّقُوكَ وَعَارِفُو شَهَادَاتِكَ. لِيَكُنْ قَلْبِي كَامِلاً فِي فَرَائِضِكَ لِكَيْلاَ أَخْزَى.
- قام المتكبرون وهم الشياطين وكل من يتبعهم من الأشرار، وأساءوا إلى داود البار باتهامات باطلة، وشهادات زور. أما هو فلم ينزعج من إساءاتهم، بل ظل ثابتاً في إيمانه، وأكثر من هذا انشغل بمناجاة الله وتسبيحه، مستخدماً في مناجاته وصايا الله وكلماته. فانشغاله بالله أعطاه سلاماً، أما الأشرار فكانوا في اضطراب لأجل صنعهم الشر، وبالتالي إذ رأوا فرحة ومساندة الله له صاروا في خزي، لعلهم يتوبون، فالخزي ينبههم وينخسهم، فيشعرون ببطلان شرهم أمام قوة الله، ويرجعون إليه.
- يطلب داود من أجل الأتقياء الأبرار الذين ابتعدوا عنه عندما سقط في الزنا والقتل، ولكن إذ رأوه ثابتاً في إيمانه أثناء تأديب الله له، يرجعون إليه ويتشددون معه ويشجعونه، ويتشجعون في طريق الله؛ لأنهم رأوا عمل الله العجيب ومساندته لداود الخاضع للضيقة.
- يطلب أمراً ثالثاً بعد أن طلب من أجل أعدائه والذين يتقون الله، فطلب لنفسه أن يصير كاملاً، أي يتنقى من كل خطية باستمراره في التوبة، ويزداد تمسكه بفرائض الله، أي عبادته. هكذا يكون في فخر وقوة بعيداً عن كل خزي، فيواصل نموه الروحي.
قدر ما تقبل الضيقات يكشف لك الله عن أسراره، ويساندك، ويعمل فيك بقوة، فتختبر الله أكثر من أي وقت آخر، وتصير دون أن تشعر نوراً لكل من يراك.
القطعة الحادية عشر (ك)
انتظار الخلاص (ع 81-88):
الهدف :
بعد اختبار تعزية الله لأولاده المتكلين عليه، ثبتوا فى الإيمان، وبالتالي أصبح من الطبيعي أن ينتظر أولاد الله خلاصه، حتى لو احتملوا ضيقات كثيرة من الأشرار، فالله يسندهم بشهاداته.
ع (81 ، 82) : تَاقَتْ نَفْسِي إِلَى خَلاَصِكَ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ. كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى قَوْلِكَ، فَأَقُولُ: “مَتَى تُعَزِّينِي؟”.
كلت : تعبت.
- يشعر داود أنه في ضيقة ومتألم جداً، ولكن رجاءه وإيمانه الثابت في انتظار خلاص الله. ويظهر من هذه الآية ثبات داود في انتظار الرب؛ حتى أن عينيه قد كلتا، ولم يتزعزع عن انتظار الرب، بالإضافة إلى ثقته في خلاص الهه وأنه قادر أن يعزيه ويريحه، فأشواقه شديدة وثباته عظيم.
- لعل هذه الآيات هي مشاعر الأنبياء والأتقياء، ورجال الله في العهد القديم في انتظارهم المسيا المنتظر. وهو أيضاً شعور أولاد الله في العهد الجديد الذين ينتظرون مجئ المسيح الثاني، مثل بولس الرسول (في 1 : 23). وهي صرخة كل إنسان يمر بضيقة.
ع (83) : لأَنِّي قَدْ صِرْتُ كَزِقّ فِي الدُّخَانِ، أَمَّا فَرَائِضُكَ فَلَمْ أَنْسَهَا.
زق : وعاء من الجلد “قربة” يحفظ فيه الماء أو اللبن، أو الخمر، أو أي سائل.
- كانوا قديماً يعلقون الزق في أعلى الخيمة وداخلها السائل المحفوظ، وكانوا يوقدون الحطب والنار داخل الخيمة، فتمتلئ دخاناً ويحيط بالزق، فيجعل لونه أسوداً، والحرارة تعرض الجلد للتلف. فداود يشبه نفسه بزق في دخان، أي يكاد يتلف وينشق وتنساب منه السوائل التي بداخله، ولكنه مع هذا مازال ثابتاً متمسكاً بوصايا الله، منتظراً خلاصه.
- يفهم من هذا أن داود له مدة طويلة منتظراً خلاص الله، وحياته تعرضت للتلف؛ حتى كاد ييأس، لكنه لم يفقد رجاءه، وظل منتظراً خلاص الرب.
ع (84) : كَمْ هِيَ أَيَّامُ عَبْدِكَ؟ مَتَى تُجْرِي حُكْمًا عَلَى مُضْطَهِدِيَّ؟
- من شدة ضيق داود يسأل الله كم هي أيام عبدك، أي أنت تعرف أن عمري محدود، وسينتهي، ألن ترفع الضيقة عني قبل انقضاء عمري؟ وأنت تعرف أن ضيقي هذا ناتج من حروب الشياطين، والأشرار الذين يتبعونهم، فمتى تخلصني من شرورهم؟ متى تحكم ببراءتي، وتعطيني راحة وخلاصاً، وتعلن أن البر هو الحق الذي تطلبه، وأنك ترفض الشر.
- هذا هو شعور كل المتضايقين في العهدين القديم والجديد، وهو أيضاً شعور النفوس التي تحت المذبح في سفر الرؤيا التي تطالب الله بالانتقام من الأعداء الشياطين وإعلان برهم (رؤ 6 : 9 )
ع (85) : الْمُتَكَبِّرُونَ قَدْ كَرَوْا لِي حَفَائِرَ. ذلِكَ لَيْسَ حَسَبَ شَرِيعَتِكَ.
كروا لي حفائر : حفروا لي حفر
- المتكبرون هم الشياطين، وكل الأشرار الذين يتبعونهم. هؤلاء يقومون على الأبرار مثل داود، ويدبرون لهم مكايد؛ ليسقطوهم في فخاخهم، كما يحفر الصياد حفر لاصطياد وحوش، أي أن الشياطين تدبر حيل خبيثة لخداع أولاد الله. وهذا الشرط بالطبع ضد شريعة الله.
- هذه المكايد وضعها اليهود للمسيح، فحاولوا اصطياده بكلمة مرات كثيرة، بل حاولوا قتله عدة مرات. كل هذا أظهر أنهم أبناء إبليس، ويسلكون ضد وصايا الله.
ع (86 ، 87) : كُلُّ وَصَايَاكَ أَمَانَةٌ. زُورًا يَضْطَهِدُونَنِي. أَعِنِّي. لَوْلاَ قَلِيلٌ لأَفْنَوْنِي مِنَ الأَرْضِ. أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَتْرُكْ وَصَايَاكَ.
زوراً يضطهدونني : اتهامات ظالمة باطلة
- على الجانب الآخر نجد الأبرار يسلكون بوصايا الله بكل أمانة، ولا يتأثرون بشر الأشرار، واتهاماتهم الزور، ولكن يطلبون فقط معونة الله لتساندهم وتكشف حيل إبليس، وتنصرهم على الشياطين.
- هذا ما فعله المسيح إذ خدم بكل أمانة، وعلم الجموع، وشفى المرضى، وعندما صلبوه احتمل العذابات ومات، ولكن قام من الأموات بقوة لاهوته.
- عددا (85 ، 86) تبين حروب إبليس التي تقابل كل مؤمن في حياته الروحية، ولكن عندما يسلك بأمانة في وصايا الله يسنده، ويعينه، فينتصر على كل الشر.
ع (88) : حَسَبَ رَحْمَتِكَ أَحْيِنِي، فَأَحْفَظَ شَهَادَاتِ فَمِكَ.
- يختم داود هذا الجزء بكلمات معزية، إذ يطلب مراحم الله الكثيرة الغير محدودة، التي هي رجاءه في الحياة، وبها يستطيع أن يحيا وسط التجارب والضيقات، بل يتمتع بعشرة الله ويفرح. بالإضافة إلى هذا، إذ يحيا مع الله يشفق على الأشرار، ويعلم أن الخطية ضعف، فلا يتضايق منهم، بل يصلي لأجلهم.
- إذ يختبر داود مراحم الله وعنايته، ليس فقط يحب الله، بل أيضاً يحفظ شهادات فمه التي هي وصاياه، وشريعته. وهي أيضاً تعاليم المسيح المذكورة في الكتاب المقدس. فالمسيح بتجسده هو فم الله، وأكثر من هذا هي كل كلمات الكتاب المقدس. وفم الله أيضاً هو كرازة الرسل والكهنة وكل الخدام.
لا تنزعج من إساءات من حولك، بل على العكس اطلب معونة الله، وتمسك بوصاياه، وأسرار الكنيسة، فتتقوى، ويمتلئ قلبك سلاماً، بل تستطيع أن تحب من يسئ إليك، وتصلي لأجله.
القطعة الثانية عشر (ل)
كلمة الله ثابتة سماوية لا نهائية (ع 89-96):
الهدف :
بعد انتظار خلاص الله واحتمال مكايد الأشرار، يتمتع المؤمن بوصايا الله السماوية، والتي تصلح لكل جيل، ويطلبها ويرددها، ويفهمها، ويختبر اتساعها.
ع (89) : إِلَى الأَبَدِ يَا رَبُّ كَلِمَتُكَ مُثَبَّتَةٌ فِي السَّمَاوَاتِ.
- إذ رأى داود مكايد الأشرار واضطرابهم ورفضهم كلام الله، نظر إلى السماء حيث الثبات. فالله ثابت، ومخلوقاته مثل السماء ثابتة، وكلامه أيضاً ثابت، يتمسك به كل الخلائق السماوية، أي الملائكة. وعلى قدر ما يتمسك الإنسان بوصايا الله يحتفظ بسلامه، وثباته، ويصير سماوياً، ومهياً لسكنى الملكوت. وعلى العكس، فبرفض الأشرار كلام الله يكونون مضطربين، ويتباعدون عن الله ويسرعون، إلى نهايتهم المحتومة، وهي العذاب الأبدي.
- المسيح هو كلمة الله الثابت في السموات منذ الأزل وإلى الأبد، وتجسد في ملء الزمان ليفدينا، ولكنه أعد لنا مكاناً سماوياً، وينتظرنا لنرتفع إليه بعد حياتنا على الأرض، ونثبت فيه إلى الأبد.
- كلام الله ووعوده وإن كان يبدو بعيداً كبعد السموات عن الأرض، ولكنه ثابت لا يمكن أن يتغير كما أعلن المسيح (مر 13 : 31)، ولابد أن يتحقق ولو بعد حين. وانتظار وعود الله يرفع قلب الإنسان إلى السماء، فيسمو عن كل الشهوات الأرضية، ويحيا سماوياً نقياً أمام الله.
ع (90 ، 91) : إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ أَمَانَتُكَ. أَسَّسْتَ الأَرْضَ فَثَبَتَتْ. عَلَى أَحْكَامِكَ ثَبَتَتِ الْيَوْمَ، لأَنَّ الْكُلَّ عَبِيدُكَ.
- الله الثابت ثبت أيضاً خلائقه، ليس فقط السموات، بل الأرض أيضاً بكل ظروفها من نهار وليل والفصول الأربعة. فكل الخلائق؛ سواء الشمس، أو الهواء، أو الأرض كلها عبيد لله، أي خاضعة له. وبالتالي يكون كلام الله ووعوده ثابتة.
- إن كانت أمانة الله ثابتة من دور إلى دور، فيقصد ثباته في عنايته ووصاياه لشعب اليهود قديماً، ثم الدور الثاني، أو الجيل الثاني و هو كنيسة العهد الجديد، فوعوده ووصاياه للكنيسة ثابتة، وتظل أحكامه وكلامه ثابتة إلى الأبد في الأبدية.
ع (92 ، 93) : لَوْ لَمْ تَكُنْ شَرِيعَتُكَ لَذَّتِي، لَهَلَكْتُ حِينَئِذٍ فِي مَذَلَّتِي. إِلَى الدَّهْرِ لاَ أَنْسَى وَصَايَاكَ، لأَنَّكَ بِهَا أَحْيَيْتَنِي.
- يتذكر داود النبي أنه كان ساقطاً في الخطية التي سببت له الذل، ولكن عندما رجع إلى الله وأخذ يتلو كلامه تلذذ به؛ لأنه غفر له خطاياه، بل ومتعه بعشرته. فلهذا فهو يعد الله ألا ينسى كلامه إلى الدهر، أي طوال عمره؛ لأن كلام الله هو سر حياته.
- إن كان الشيطان يريد إسقاط المؤمن في الخطية، فالحماية من حروبه فى تكرار وصايا الله وترديدها، والتلذذ بها، بهذا يحيا مع الله، ويكون محصناً فيه، وبالتالي لا يترك وصايا الله طوال العمر؛ حتى أيضاً في الآبدية يظل يتمتع أيضاً بكلام الله، بل هناك تتجلى حلاوة كلام الله أكثر فأكثر.
ع (94، 95) : لَكَ أَنَا فَخَلِّصْنِي، لأَنِّي طَلَبْتُ وَصَايَاكَ. إِيَّايَ انْتَظَرَ الأَشْرَارُ لِيُهْلِكُونِي. بِشَهَادَاتِكَ أَفْطُنُ.
أفطن : افهم.
- إذ تلذذ داود بكلام الله، وأخذ يتلو فيه دائماً سلم حياته لله، فقال له” لك أنا فخلصني” لأني طلبت وصاياك، وأظل أطلبها طوال حياتي. ولهذا تعمل النعمة الإلهية فيه بقوة، وتحفظه وتحميه، مهما أحاط به الأشرار، وحاولوا إهلاكه، ولكنه تمسك بفهم وترديد شهادات الله ووصاياه.
ع (96) : لِكُلِّ كَمَال رَأَيْتُ حَدًّا، أَمَّا وَصِيَّتُكَ فَوَاسِعَةٌ جِدًّا.
- كل شيء يبدو قوياً أو كاملاً في العالم له نهاية، فداود رأى جليات الجبار الذي لا يستطيع أحد أن يقف أمامه يسقط بحصى من مقلاع، وأبشالوم قائد الجيش العظيم يموت معلقاً بشعره في شجرة. أما وصايا الله فليس لها نهاية، بل هي كنز كلما يقرأه يجد فيه معاني وأفكار جديدة، وليس هذا فقط أيام داود، بل حتى اليوم، فالإمبراطوريات تسقط، وكل قوة في العالم تنهار، أما كلام الله فغنى، ولا يستطيع أحد أن يدرك كل أعماقه. وكل كمالات العالم، أي الماديات التي يراها داود تامة وكاملة فهي أيضاً محدودة، أما كلمة الله فواسعة وليس لها حدود، لأنها مرتبطة بشخصه الإلهي غير المحدود.
- إن كلمة الله ومعرفته، وعقله هو الإبن المتجسد في ملء الزمان، المسيح إلهنا، وهو غير محدود، أما كل كلام العالم، وكل شيء عظيم له حدود، والمسيح إلهنا فوق كل قوة في العالم، ويدوم إلى الأبد.
عندما تقرأ الكتاب المقدس كل يوم اطلب من الله أن يكشف لك عن أسراره فتفهم معاني جديدة مشبعة لنفسك؛ لتحيا بها، وهكذا تسمع صوت الله كرسالة شخصية لك كل يوم. وليتك تحفظ الآية التي أعجبتك لترددها دائماً.
القطعة الثالثة عشر (م)
حلاوة كلمة الله (ع 97-104):
الهدف :
عندما أدرك داود ثبات كلمة الله وسموها،واتساعها أحبها جداً وتعلمها وتمسك بها؛ حتى أنه أبغض كل شر وكذب.
ع (97) : كَمْ أَحْبَبْتُ شَرِيعَتَكَ! الْيَوْمَ كُلَّهُ هِيَ لَهَجِي.
- تذوق داود حلاوة كلمة الله فأحبها جداً؛ حتى صار يرددها طوال اليوم، بل طوال عمره فزاد حبه لها، وحفظها، أي طبقها في حياته، فاختبر أعماق جديدة فيها، و تمتع تمتعاً لا يعبر عنه.
ع (98) : وَصِيَّتُكَ جَعَلَتْنِي أَحْكَمَ مِنْ أَعْدَائِي، لأَنَّهَا إِلَى الدَّهْرِ هِيَ لِي.
- إذ تمسك داود بكلمة الله، اقتنى فهماً ومعرفة أكثر من أعدائه الشياطين، فاستطاع أن يكتشف حيلهم، ويبتعد عنها، فزاد تمسكه بكلمة الله، وشعر أنها له، أي حياته، بل هو أيضاً ملك لها، فعاش بها وزاد تأثيرها عليه.
- هذه الآية نبوة عن المسيحيين، فيستطيع كل مؤمن في العهد الجديد أن يفهم ويعرف الله أكثر من اليهود الذين صلبوا المسيح، واضطهدوا الرسل والمسيحيين، لأن المؤمن في العهد الجديد ينال فهماً بالروح القدس للوصية أكثر عمقاً وكمالاً من اليهود.
ع (99 ، 100) : أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ مُعَلِّمِيَّ تَعَقَّلْتُ، لأَنَّ شَهَادَاتِكَ هِيَ لَهَجِي. أَكْثَرَ مِنَ الشُّيُوخِ فَطِنْتُ، لأَنِّي حَفِظْتُ وَصَايَاكَ.
فطنت : فهمت
- تعلم داود على يد معلمين، واستفاد من الشيوخ، ولكن في نفس الوقت ارتبط بكلام الله، وحفظه، وحاول أن يحيا به، وكان يردده ويتمتع بالتأمل فيه، فأعطاه الله فهماً وحكمة إضافية؛ حتى صار يفهم أكثر ممن تعلم منهم ومن الشيوخ، أي وهبه الله وهو صغير حكمة الشيوخ؛ لأنه تعلق بكلام الله.
- قابل داود معلمين وشيوخ يعرفون معلومات كثيرة من العالم، وليسوا معلمين للشريعة وكلام الله، فاستفاد منهم، ولكن تعلم أكثر، ونال حكمة عظيمة من حفظ ودراسة وتأمل كلام الله.
- تنطبق هاتان الآيتان على المسيح الذي فهم أكثر من المعلمين وشيوخ اليهود؛ لأنه هو كلمة الله، وهو مصدر الحكمة منذ الأزل، وهي لهجه، ويحفظها بالطبع لأنه هو نفسه كلمة الله، وقد ظهرت حكمة المسيح عندما جلس في الهيكل بين المعلمين واندهش كل سامعيه من حكمته (لو 2 : 46 ، 47).
- المؤمنون في العهد الجديد عندما عرفوا المسيح كلمة الله، وحفظوا كلامه، لهجوا بها فنالوا حكمة أكثر من كل معلمي اليهود وشيوخهم الذين تعلموا منهم. فتعاليم المسيح بالطبع هي التعاليم الكاملة، أما تعاليم المعلمين وشيوخ اليهود فكانت عن الناموس الذي يرمز ويؤدي للمسيح. فالرسل كانوا أكثر حداثة من شيوخ اليهود في معرفة الله، ولكن وهبهم الروح القدس حكمة وفهم لكلام الله أكثر من شيوخ اليهود.
ع (101 ، 102) : مِنْ كُلِّ طَرِيقِ شَرّ مَنَعْتُ رِجْلَيَّ، لِكَيْ أَحْفَظَ كَلاَمَكَ. عَنْ أَحْكَامِكَ لَمْ أَمِلْ، لأَنَّكَ أَنْتَ عَلَّمْتَنِي.
- ارتباط داود بكلام الله ساعده أن يبتعد عن الشر، بل وأحب كلام الله لدرجة أنه اهتم أن يحفظه، ليس فقط بذهنه، بل يحيا به. ومهما كانت محاولات الشيطان أن يبعده عن وصايا الله، لم يتركها أو يبتعد عنها؛ لأن الله علمه من خلال الوصية أنها هي الحياة، ولا حياة بدونها.
- يظهر في هاتين الآيتين أهمية الجهاد الروحي في منع داود رجليه عن السلوك في الشر، وعدم الحيدان عن طريق وصايا الله، فوهبته النعمة هذا الميل الروحي، بل وعلمته أن يحيا بها.
ع (103) : مَا أَحْلَى قَوْلَكَ لِحَنَكِي! أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ لِفَمِي.
- بعد أن ابتعد داود عن طرق الشر، وانشغل بكلمة الله اكتشف حلاوتها في فمه، أحلى من كل حلاوة في العالم، والتي عبر عنها بالعسل، أي أنه تذوق أعماق جديدة من حلاوة كلام الله، فزاد تمسكه به. وهكذا يظهر داود أن كلام الله هو طعام روحي يشبع النفس كما أن الطعام الجسدي يشبع الجسد.
ع (104) : مِنْ وَصَايَاكَ أَتَفَطَّنُ، لِذلِكَ أَبْغَضْتُ كُلَّ طَرِيقِ كَذِبٍ.
- باستمرار تذوق داود لحلاوة كلام الله اكتسب حكمة ” تفطن ” جعلته يبتعد عن كل شيء، أي أن التعمق في فهم كلمة الله، يبعد الإنسان تلقائياً عن طرق الشر، والعكس صحيح؛ من يتهاون في حفظ كلام الله يسقط بسهولة في الشر. فالحكمة التي ينالها الإنسان من حفظ كلام الله تفوق كل معرفة، أو خبرة أو ذكاء في العالم.
لا تكتف بقراءة الكتاب المقدس كل يوم، بل ليتك تتأمل في كلام الله، وتصلى حتى يكشف لك الله عن حلاوة كلامه، فتشبع به، بل يتحول كلام الله إلى حياة جديدة تشعر بحلاوتها وسموها عن أعمال العالم.
القطعة الرابعة عشر (ن)
الاستنارة الروحية (ع 105-112):
الهدف :
بعد التمتع بحلاوة كلمة الله اختبر داود الاستنارة الروحية من خلال كلام الله، فتمسك بها، وتعهد أن يحيا بها، فصارت بهجة قلبه وأنقذته من فخاخ الأشرار.
ع (105) : سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي.
- أحب داود كلام الله، وتذوق حلاوته، فانفتح قلبه له، وحينئذ أنار له الله بكلمته طريق الحياة المملوء بفخاخ الشياطين وظلمة الخطية، فسار فيه بخطى واسعة وسلام، مميزاً الخير، ورافضاً الشر.
- المسيح كلمة الله هو نور العالم الذي ينير لنا الطريق، بل هو الطريق الذي نسلك فيه مطمئنين، متمسكين بوصاياه، وفرحين بعشرته، فلا نضل أبداً.
ع (106) : حَلَفْتُ فَأَبِرُّهُ، أَنْ أَحْفَظَ أَحْكَامَ بِرِّكَ.
أبره : أوفى ما تعهدت به
- كان القسم باسم الله في العهد القديم مسموحاً به؛ حتى يثبت المؤمنون في الله، ولا يحلفوا بالآلهة الغريبة، ولذا حلف داود هنا وتعهد أن يحفظ كلام الله ليحيا به، فيسير في طريق البر؛ لأنه لا سبيل للبر والصلاح إلا بحفظ كلام الله. وجيد لداود ولكل مؤمن في العهد الجديد أن يجدد عهوده كل يوم لله ليحفظ كلامه، ويسلك بالبر من خلال كلمات الكتاب المقدس، ولو يردد آية واحدة طوال اليوم.
ع (107) : تَذَلَّلْتُ إِلَى الْغَايَةِ. يَا رَبُّ، أَحْيِنِي حَسَبَ كَلاَمِكَ.
- يعبر داود عن الضيقات التي مرَّ بها فدفعته أن يتذلل باتضاع، طالباً معونة الله القادر أن يخرجه من الضيقة – التي تكاد تقتله – بالحياة التي يهبها له من خلال كلامه.
- تذلل داود يعبر عن توبته أمام الله عن خطاياه، طالباً الغفران والحياة الجديدة التي ينالها بحسب وعود الله وكلامه المحيي.
ع (108) : ارْتَضِ بِمَنْدُوبَاتِ فَمِي يَا رَبُّ، وَأَحْكَامَكَ عَلِّمْنِي.
مندوبات : هي ما يتعهد به الإنسان بإيفائه لله، مثل النذور، أو الصلوات
- بعد أن شبع داود بكلام الله، وتعلق قلبه به، يترجى الله أن يتنازل ويرضى، ويقبل تعهدات فمه، أي وعوده له التي يقدمها كمحبة له، بالإضافة إلى ما تأمره به وصايا الله. فقد أحب الله لدرجة أنه يريد التعبير بكل وسيلة له عن محبته، سواء بالصلوات، أو بالسهر، أو بالعطاء.
- شعر داود أن كل الحب الذي تحرك داخله هو من حفظه كلام الله، لذا يطلب باشتياق من الله أن يعلمه أحكامه، أي يعلمه أموراً جديدة من أحكامه ووصاياه؛ ليدخل إلى العمق، ويتمتع أكثر، وأكثر.
ع (109) : نَفْسِي دَائِمًا فِي كَفِّي، أَمَّا شَرِيعَتُكَ فَلَمْ أَنْسَهَا.
- تعرض داود للموت عدة مرات على يد شاول وأبشالوم، فكان متوقعاً الموت في أية لحظة، ولذا سلم حياته لله، وقال “نفسي دائماً في كفي“. ولم يحاربه اليأس، بل على العكس عاش لله، وتعلق بوصاياه ولم ينسها أبداً، فهو مثال رائع للإيجابية وسط الضيقات، أي أن الضيقات دفعته للتعلق بالله ووصاياه، وتسليم حياته كلها له، فاختبر قوة الله والاتكال عليه.
ع (110) : الأَشْرَارُ وَضَعُوا لِي فَخًّا، أَمَّا وَصَايَاكَ فَلَمْ أَضِلَّ عَنْهَا.
- الشياطين وكل من يتبعهم من أشرار يحاولون إسقاط الأبرار في مكايد وفخاخ، ولكن طالما الأبرار متمسكون بوصايا الله، فهي تنير لهم الطريق؛ حتى لا يسقطوا في هذه الفخاخ وترشدهم في كل شيء، فيزداد تمسكهم بالوصية ولا يضلوا عنها.
ع (111 ، 112) : وَرِثْتُ شَهَادَاتِكَ إِلَى الدَّهْرِ، لأَنَّهَا هِيَ بَهْجَةُ قَلْبِي. عَطَفْتُ قَلْبِي لأَصْنَعَ فَرَائِضَكَ إِلَى الدَّهْرِ إِلَى النِّهَايَةِ.
عطفت قلبي : وجهت وجعلت قلبي يميل
- إن كان اليهود تمسكوا بميراث أرض كنعان؛ لأنها من الله، فداود شعر بالأولى أن ميراثه الحقيقي هو شهادات الله ووصاياه، فهي التي يحيا بها طوال حياته، بل يظل يتأمل فيها إلى الأبد، خاصة وأنها تعطيه فرح يدوم معه إلى الأبد. من أجل هذا تعلق بالوصية، وجذبت قلبه إليها، فمال إلى تنفيذها طوال حياته، وكانت عيناه على الملكوت، كما تقول الترجمة السبعينية ” من أجل المكافأة “. واهتم بفرائض الله، أي عبادته طوال العمر.
عندما تسقط في خطية، أو تحتار في أمر ما، فأسرع إلى قراءة الكتاب المقدس لينير لك الطريق، ويقودك للتوبة، وفعل البر، بل يحدد لك ويرشدك في كل خطواتك.
القطعة الخامسة عشر (س)
مساندة الله (ع 113-120):
الهدف :
بعد أن اختبر داود الاستنارة الروحية من خلال وصايا الله، طلب مساندته؛ ليبتعد عن الأشرار، ويتمسك بعبادته، ويعيش في مخافته.
ع (113) : الْمُتَقَلِّبِينَ أَبْغَضْتُ، وَشَرِيعَتَكَ أَحْبَبْتُ.
- تضايق داود ممن يتقلبون بين الخير والشر، وأبغض شرورهم، وزادت محبته لوصايا الله. وكلما أحب وصايا الله تضايق وتباعد عن الشر، وكل من يصنعونه؛ حتى لا يشترك معهم في أفعالهم، وتباعد عن الاضطراب الذي يحيون فيه؛ لأنه تذوق الاستقرار والسلام الذي يناله من خلال حفظ وصايا الله.
ع (114 ، 115) : سِتْرِي وَمِجَنِّي أَنْتَ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ. انْصَرِفُوا عَنِّي أَيُّهَا الأَشْرَارُ، فَأَحْفَظَ وَصَايَا إِلهِي.
مجني : المجن هو الترس الكبير. والترس هو آلة دفاعية عبارة عن قطعة خشبية لها عروة من الخلف يدخل فيها الجندي يده ويحركها أمام وجهه وجسده؛ ليحمي نفسه من سهام الأعداء
- يشعر داود أمام الأشرار المتقلبين حوله أن سلوكهم وأفكارهم تعطله عن الله، فيهرب منهم بالصلاة، حيث يستتر بالله، ويحتمي به، وفي صلاته ينتظر كلام الله الذي يشبعه ويحيمه، ويستر عليه. وعندما يبتعد عنه الأشرار تكون له فرصة هادئة لحفظ وصايا الله، والتأمل فيها، والتمتع بترديدها.
- يطلب من الله أن يبعد عنه الأشرار؛ أي أفكاره الشريرة، ويستتر ويحتمي بترديد كلام الله، والتلذذ بالتأمل فيه
ع (116 ، 117) : اعْضُدْنِي حَسَبَ قَوْلِكَ فَأَحْيَا، وَلاَ تُخْزِنِي مِنْ رَجَائِي. أَسْنِدْنِي فَأَخْلُصَ، وَأُرَاعِيَ فَرَائِضَكَ دَائِمًا.
أعضدني : أعني وساعدني
- يشعر داود أن أفكار الشر، وتصرفات الأشرار تكاد تميته، ولكن رجاءه هو في معونة الله بحسب وعده له، فيحيا. وبمساندة الله له ينال الخلاص، ويعبر عن محبته للبر في تمسكه بالعبادة المقدسة.
- يظهر هنا عمل النعمة المساند للجهاد، فداود يعتمد على نعمة الله التي تدفعه في جهاده الروحي، ويشجعه أيضاً نظره للأبدية، أي الحياة الجديدة، حيث ينال الخلاص الكامل.
ع (118 ، 119) : احْتَقَرْتَ كُلَّ الضَّالِّينَ عَنْ فَرَائِضِكَ، لأَنَّ مَكْرَهُمْ بَاطِلٌ. كَزَغَل عَزَلْتَ كُلَّ أَشْرَارِ الأَرْضِ، لِذلِكَ أَحْبَبْتُ شَهَادَاتِكَ.
الزغل : هو الشوائب التي يفصلها الصانع عن المعادن
- لكيما يحيا داود مع الله احتقر أفكار وسلوك الضالين عن الله، الذين ضلوا بسبب تمسكهم بأفكار شريرة باطلة، وظنوا أنها تعطي سعادة، مع أنها كلها ماديات زائلة. فهو لا يحتقر الضالين في حد ذاتهم، ولكن يحتقر الضلال والفكر الشرير، ويعتبر سلوك الأشرار كزغل، أي شوائب بلا قيمة، فيتباعد عنهم، ويلتصق بكلام الله. وهكذا يبتعد عن المعاشرات الردية ؛ حتى لا تفسد حياته (1كو 15 : 33)
ع (120) : قَدِ اقْشَعَرَّ لَحْمِي مِنْ رُعْبِكَ، وَمِنْ أَحْكَامِكَ جَزِعْتُ.
جزعت : خفت
- إذ رأي داود الأشرار والشرور المحيطة به، تذكر دينونة الله، فصار جسده في قشعريرة، وارتعب، وتذكر أن الله سيدينه بكلامه إن اختلط بالأشرار، وبالتالي هرب من كل شر، وتمسك بأحكام الله التي تعطيه سلاماً وطمأنينة.
حاسب نفسك في نهاية كل يوم، وتذكر أعمال الله ورعايته طوال يومك لتشكره. ومن ناحية أخرى تذكر خطاياك التي فعلتها أمام الله المهوب العادل لتتوب عنها، وتطلب مراحمه، وتعده أن تحيا حياة نقية بمعونته.
القطعة السادسة عشر (ع)
الثبات وحفظ الوصية (ع 121-128):
الهدف :
بعد اختبار البار لمساندة الله يطلب منه أن يحميه من الأشرار، ويرحمه، ويعرفه كلامه، فيحبه ويحيا به في الطريق المستقيم.
ع (121) : أَجْرَيْتُ حُكْمًا وَعَدْلاً. لاَ تُسْلِمْنِي إِلَى ظَالِمِيَّ.
- سار داود الملك في طريق الله، وثبت العدل في مملكته وفي أحكامه، من أجل مخافته لله، كما انتهت القطعة السابقة. ويتضرع إلى الله هنا أن يحيمه، ولا يترك الأشرار الظالمين يسيئون إليه، ويظلمونه، بل يعامله الله بالعدل لأن الله عادل ورحيم.
- داود هنا لا يتكبر عندما يقول قد أجريت العدل، بل يتوسل إلى الله العادل الذي يفهمه ليحميه من الظالمين، خاصة وأنه حاول تطبيق وصايا الله وعدله، فيطلب مراحم الله.
ع (122) : كُنْ ضَامِنَ عَبْدِكَ لِلْخَيْرِ، لِكَيْلاَ يَظْلِمَنِي الْمُسْتَكْبِرُونَ.
- يطلب داود من الله باتضاع أن يشمله برعايته، فيضمن له الخير برحمته، حتى لا يظلمه الشياطين وتابعيهم الأشرار الظالمين. فهو يشعر بضعفه أمام قوة الأشرار ولا ضمان له إلا حماية الله.
- هذه الآية نبوة عن المسيح الفادي الذي يقدم لنا الخلاص ويضمن لنا الخير، ويخلصنا من أيدي الشياطين المتكبرين.
ع (123) : كَلَّتْ عَيْنَايَ اشْتِيَاقًا إِلَى خَلاَصِكَ وَإِلَى كَلِمَةِ بِرِّكَ.
كلَّت : تعبت
- داود ينتظر خلاص الله، ويرفع صلوات مستمرة، بل وتنسكب عيناه في دموع كثيرة؛ حتى كلت عيناه، ولكنه لم ييأس، وظل منتظراً كلام الله الذي يساعده على حياة البر، فهو مشتاق إلى الله، ولا يستطيع أن يحيا بدون كلامه.
- رفع داود عينيه بروح النبوة، منتظراً الخلاص الذي يتممه المسيح في ملء الزمان على الصليب، ويرى الكلمة البار القدوس يفدي البشرية، فيفرح قلوب كل من انتظروه في العهد القديم، وكذلك المؤمنين به في العهد الجديد.
ع (124 ، 125) : اصْنَعْ مَعَ عَبْدِكَ حَسَبَ رَحْمَتِكَ، وَفَرَائِضَكَ عَلِّمْنِي. عَبْدُكَ أَنَا. فَهِّمْنِي فَأَعْرِفَ شَهَادَاتِكَ.
- باتضاع يطلب داود عناية الله ورعايته له بحسب رحمة الله، وليس حسب استحقاقه؛ إذ يشعر أنه لا يستحق شيئاً لأجل كثرة خطاياه. وهو مشتاق أن ينال فهماً روحياً؛ ليتمسك بعبادة الله التي هي فرائضه، وكذا شهاداته التي هي كلامه.
- على قدر ما يطلب الإنسان من الله أن يعطيه فهماً تنسكب عليه مراحم الله وحكمته. فالله يعطي لأولاده بحسب إحساسهم بالاحتياج إليه، وإيمانهم به، ومحبتهم له الظاهرة في صلوات كثيرة.
ع (126) : إِنَّهُ وَقْتُ عَمَل لِلرَّبِّ. قَدْ نَقَضُوا شَرِيعَتَكَ.
- شعر داود بابتعاد الناس عن شريعة الله وناموسه، إذ انغمسوا في خطايا كثيرة. فغار غيرة الله، وشعر أنه ينبغي أن يُعمل بكل سرعة وقوة لإعلان اسم الله وإعادة النفوس إليه، أي ضرورة الخدمة والتبشير باسم الله؛ لإعادة أولاده إليه.
- يقول داود هذه الآية بروح النبوة عن المسيح، أي أن المسيح يقول في ملء الزمان أنه وقت يُعمل فيه للرب، أي يقدم نفسه على الصليب بعد أن كرز، وعمل معجزات كثيرة؛ لجذب النفوس البعيدة التي تركت شريعة الله.
ع (127 ، 128) : لأَجْلِ ذلِكَ أَحْبَبْتُ وَصَايَاكَ أَكْثَرَ مِنَ الذَّهَبِ وَالإِبْرِيزِ. لأَجْلِ ذلِكَ حَسِبْتُ كُلَّ وَصَايَاكَ فِي كُلِّ شَيْءٍ مُسْتَقِيمَةً. كُلَّ طَرِيقِ كَذِبٍ أَبْغَضْتُ.
الإبريز : الذهب الخالص
- أحب داود وصايا الله، فعمل بها، وجعلت حياته مستقيمة، وأبعدته عن طرق الكذب والشر. فأبغض الطرق الشريرة المنحرفة، وازداد كل يوم تمسكاً بوصايا الله لأنها مستقيمة، وتقوم وتصحح حياته كلما عاش بها.
- عندما أحب داود وصايا الله ساعده هذا على تطبيقها، خاصة وأنه أحبها أكثر من الذهب الذي تعمل منه أثمن الأصنام. فعبادة الله فوق جميع العبادات والآلهة. وأيضاً وصايا الله أفضل من كل شهوات العالم و مادياته حتى الثمين منها، مثل الذهب.
اليوم يوم مقبول والساعة ساعة خلاص، فليتك تقوم؛ لتحيا في وصايا الله، فتختبرها، وتتمتع بها، فتستطيع حينئذ أن تعلمها لمن حولك لأنهم ابتعدوا عن الله وكلامه وانغمسوا في شهوات العالم، وفي حاجة شديدة أن يروا صورة حية لأولاد الله الذين يعيشون بكلامه.
القطعة السابعة عشر (ف)
آثار عجيبة (ع 129-136):
الهدف :
الثبات في كلمة الله دفع البار للدخول في أعماق الوصية، فاكتشف أثارها المتنوعة في الاستنارة، والابتعاد عن الخطية، وحفظ الوصية، والحزن على الخطاة
ع (129) : عَجِيبَةٌ هِيَ شَهَادَاتُكَ، لِذلِكَ حَفِظَتْهَا نَفْسِي.
- يشعر داود أن كلمات الله عجيبة؛ لأنها تدور حول فكرة واحدة رغم اختلاف زمن كتابتها، وهذه الفكرة هي المسيح المخلص العجيب في أعماله، كما ذكر أشعياء (أش 9 : 6). وكلما قرأناها وتأملنا فيها نجد أعماقاً جديدة : لأن الله غير محدود وأعماق كلامه لا نهاية له.
- شهادات الله هي أيضاً أعماله في الخليقة كلها التي تحدث بمجده، والتأمل فيها يظهر لنا عظمة الله ومحبته. ولذا حفظها داود، ليس في فكره فقط، بل في نفسه، أي بفكره ومشاعره، فعاشت في داخله وأثرت على أعماله وكل حياته.
ع (130) : فَتْحُ كَلاَمِكَ يُنِيرُ، يُعَقِّلُ الْجُهَّالَ.
- شعر داود أنه مبتدئ في معرفته لكلام الله. وأنه فتح ذهنه ليفهم كلام الله، فاستنار به. ورأى بروح النبوة أن المسيح سيأتي في ملء الزمان، وهو كلمة الله، ويعطي الخلاص للبشرية، فيظهر أعماقاً جديدة لكلمة الله، بل وتزداد الإعلانات الإلهية عن كلمة الله في الأبدية. وكلما قرأ الإنسان كلام الله يعطيه بركة وفهماً جديداً بحسب احتياجه واشتياقه لمعرفة الله.
- الذي يستنير هم الجهال، أو البسطاء، أو الأطفال، أي الذين يشعرون بجهلهم وضعفهم، فيهبهم الله معرفته، أما المتكبرون فلا يعرفون شيئاً، ويعيشون في سطحية وفلسفة لا تجدي، إذ لا يدخلون في أعماق كلمة الله ولا حتى يفهمونها، بل هم أسرى لعقولهم، وغير خاضعين لله؛ حتى يعطيهم فهماً.
ع (131) : فَغَرْتُ فَمِي وَلَهَثْتُ، لأَنِّي إِلَى وَصَايَاكَ اشْتَقْتُ.
فغرت : فتحت
لهثت : أخرجت لساني من شدة العطش والتعب.
- باتضاع شديد يعلن داود عطشه لماء الحياة الذي هو كلمة الله، فيقول إني فتحت فمي، وأظهرت عطشي لكلمة الله، واحتياجي للهواء الذي أتنفسه الذي هو روح الله؛ أي أن كلام الله هو الماء والهواء والحياة التي يشتاق إليها داود. ويعلن عجزه عن الحصول عليها بنفسه؛ لذا يفتح فمه ليعطيه الله.
- هذه الآية يعلنها الكاهن يوم سيامته، ويرددها بحسب الترجمة السبعينية “فتحت فمي واجتذبت لي روحاً” ويفتح فمه، فينفخ في فمه الآب البطريرك، أو الأسقف ليقبل الروح القدس، وينال نعمة خاصة لممارسة سر الكهنوت بكل مسئولياته. فالكاهن يعلن احتياجه للروح القدس وكلمة الله، التي يشتاق إليها مثل داود.
ع (132) : الْتَفِتْ إِلَيَّ وَارْحَمْنِي، كَحَقِّ مُحِبِّي اسْمِكَ.
- يواصل داود إعلان ضعفه واحتياجه لله، فيطلب منه أن يلتفت إليه؛ لأن مجرد التفات الله يعطيه كل البركات. هذا الالتفات هو بحسب رحمة الله وليس حسب استحقاقه داود، وهذا يؤكد اتضاع داود.
- الله يرحم محبي اسمه وهم التائبين عن خطاياهم والسالكين بالبر، وداود يعلن توبته، ويحاول السلوك بالبر؛ لذا يترجى الله أن يرحمه. وعندما يقول “بحق محبي اسمك” لا يقصد أن هذا حقه، ويطالب الله به كأنه يداين الله، ولكنه يقصد التعبير عن احتياجه – كمحب لله –لغفرانه ومساندته؛ ليحيا في البر والفضيلة.
ع (133) : ثَبِّتْ خُطُوَاتِي فِي كَلِمَتِكَ، وَلاَ يَتَسَلَّطْ عَلَيَّ إِثْمٌ.
- يطلب أيضاً داود من الله أن يثبته في قراءة كلامه، والتأمل فيه، وترديده، وتحويله إلى سلوك؛ لأنه بهذا الثبات لا يتسلط عليه الشر، حتى وإن حاربته خطية، أو سقط فيها، يسرع إلى التوبة ليحيا بكلام الله، أي أن كلام الله يحميه من الخطية، وكلما ثبت فيه ارتفع عن الشر.
ع (134) : افْدِنِي مِنْ ظُلْمِ الإِنْسَانِ، فَأَحْفَظَ وَصَايَاكَ.
- يطلب داود من الله أن يفديه، و ينقذه من ظلم الإنسان، أي من يعادونه، ويحاولون قتله، مثل شاول ورجاله؛ حتى يستطيع أن يذهب إلى هيكل الله ويقترب إليه، وهذا يساعده على حفظ وصاياه. وهو بهذا لا يتذمر على الضيقة، ولكن يطلب فرصة أوسع لحفظ وصايا الله، والله قادر داخل الضيقة أن يعطيه سلاماً، وقوة ليحفظ وصاياه ولا يتعطل بسبب الضيقة، أو يسقط في خطايا متنوعة، بل ليثبت في وصايا الله.
- نظر داود بروح النبوة، فرأى المسيح المخلص الفادي، القادر أن يخلصه من ظلم الأشرار الذين يستتر وراءهم إبليس، أي يخلصه من الشياطين الظالمين، فيتيح له هذا فرصة لحفظ وصايا الله.
ع (135) : أَضِئْ بِوَجْهِكَ عَلَى عَبْدِكَ، وَعَلِّمْنِي فَرَائِضَكَ.
- يترجى داود الله أن يضئ عليه بوجهه، أي ينظر إليه، والله هو مصدر النور، فيستنير داود، وحينئذ يتعلم من الله أحكامه.
- يعلن داود أنه عبد الله، أي تابع له، فهذا يؤكد اتضاعه، ومحبته لله، وأن أية استنارة ينالها داود ليست منه، بل من الله. وحينئذ يهتم ويرعى من حوله، فيعطيهم مما أعطاه له الله، أي يعطي هذه الاستنارة وتعليم كلام الله باتضاع.
- يشتاق داود إلى وجه الله – أي المسيح المتجسد في ملء الزمان – الذي يضئ عليه، وعلى كل المؤمنين في العهد القديم والجديد، فيتعلم الكل أحكامه.
ع (136) : جَدَاوِلُ مِيَاهٍ جَرَتْ مِنْ عَيْنَيَّ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا شَرِيعَتَكَ.
جداول مياه : جمع جدول وهو النهر الصغير
- عندما استضاء داود بوجه الله تحرك إحساسه بالبعيدين عن الله، الذين لم يحفظوا وصاياه، وانغمسوا في شرورهم، فصلى لأجلهم، وبكى عليهم كثيراً. ويعبر عن كثرة بكائه بتشبيه أنه جرت من عينيه مياه كثيرة كأنها جداول مياه. وبهذا يستدر مراحم الله على نفسه، وعلى البعيدين ليرحمهم، ويجتذبهم إليه.
انظر إلى الله بصلوات كثيرة، حينئذ ينفتح قلبك لتشعر بمعاناة البعيدين عن الله، وتصلي لأجلهم كل يوم في صلاتك، وثق أن صلاتك غالية جداً عنده، فيتحنن على العالم كله – لأجل صلاتك – مهما كان ضعفك.
القطعة الثامنة عشر (ص)
العدل والحق (ع 137-144):
الهدف :
بعد اختبار داود أعماق كلمة الله اجتذبت قلبه أيضاً بالحق والعدل الذي فيها، خاصة وسط ظلم البشر بعضهم لبعض، فامتلأ قلبه غيرة، وأحب الوصايا مع شعوره بضعفه، وحاجته أن يتعلم حقوقه، واحتمل الضيقات، لكن ظل متمسكاً بوصايا الله.
ع (137 ، 138) : بَارٌّ أَنْتَ يَا رَبُّ، وَأَحْكَامُكَ مُسْتَقِيمَةٌ. عَدْلاً أَمَرْتَ بِشَهَادَاتِكَ، وَحَقًّا إِلَى الْغَايَةِ.
- الله هو البار القدوس، وكلامه مستقيم وعادل وحق. فهو نور وسط ظلمة أفكار البشر وأعمالهم الردية، فالمقياس الذي نرجع إليه هو كلام الله مصدر العدل والحق والقضاء.
- يصف الأشرار كلام الله بأنه صعب ولا يمكن تنفيذه، بل يقولون أن أحكام الله غير عادلة؛ لأنه يسمح بالظلم المنتشر في العالم، مع أن كلام الله يحمل كل العدل والحق اللذين لا يستريح الإنسان إلا فيهما. فكل من يؤمن بالله ويتوب عن خطاياه يستنير، فيكتشف أن الله هو مصدر العدل والاستقامة.
ع (139) : أَهْلَكَتْنِي غَيْرَتِي، لأَنَّ أَعْدَائِي نَسُوا كَلاَمَكَ.
- أحب داود كلام الله، وتمنى أن يحفظه كل البشر، ويتمتعوا به. ولكن تضايق جداً لأن الأشرار أعداءه أهملوا كلام الله، وساروا في الشر. فامتلأ قلبه غيرة حسنة على هذه النفوس التي تضيع، ولا تتمتع بالصلاة في بيت الله، ومن كثرة حماسه ثقلت الغيرة الروحية عليه، حتى كادت تهلكه، أي تأثر جداً بسبب ابتعاد الأشرار عن عبادة الله في بيته.
- هذه الآية كررها المسيح عندما كان في الهيكل ورأى الباعة وانشغال الناس بالبيع والشراء واهمالهم للصلاة، فطرد الباعة ووبخ الشعب (يو 2 : 17).
ع (140) : كَلِمَتُكَ مُمَحَّصَةٌ جِدًّا، وَعَبْدُكَ أَحَبَّهَا.
ممحص : خالي من الشوائب، أي نقي
- كلام الأشرار باطل وكذب، وهم يتهمون الله بالظلم، والحقيقة يعلنها داود أن كلام الله نقي، فهو الكلام الوحيد في العالم النقي بل ومصدر النقاوة.
- أحب داود كلام الله النقي الذي يحفظه فيتنقي قلبه. وعندما يكتب نقاوة القلب يستطيع أن يعاين الله، ويتمتع بعشرته.
ع (141) : صَغِيرٌ أَنَا وَحَقِيرٌ، أَمَّا وَصَايَاكَ فَلَمْ أَنْسَهَا.
- داود كان الأصغر في إخوته، فهو باتضاع يشعر أنه صغير وحقير، ولذا تمسك بوصايا الله فلم ينسها، وبهذا صار أعظم ملوك إسرائيل، وقلبه مثل قلب الله. فالاتضاع يجعل الإنسان متمسكاً بوصايا الله.
- هذه الآية نبوة عن الأمم الذين سيؤمنون بالمسيح، فيشعرون أنهم صغار ومحتقرون وقوتهم هي فى التمسك بوصايا الله، فتفوقوا على اليهود الذين رفضوا الإيمان بالمسيح.
ع (142) : عَدْلُكَ عَدْلٌ إِلَى الدَّهْرِ، وَشَرِيعَتُكَ حَقٌّ.
- يشهد داود أن الله عادل وكلامه مصدر العدل وهو الحق نفسه. وبالتالي فهو مرجع المؤمنين في كل أفكارهم وكلامهم وسلوكهم.
- المسيح هو كلمة الله، أي الحق، ومصدر العدل، وهو يظل إلى الأبد ينير بنوره للمؤمنين به ، فينموا في معرفة الحق.
ع (143) : ضِيْقٌ وَشِدَّةٌ أَصَابَانِي، أَمَّا وَصَايَاكَ فَهِيَ لَذَّاتِي.
- في تمسك داود بوصايا الله، قابل ضيقات وشهوات بسبب الأشرار المحيطين به، وظروف الحياة الصعبة. ولكن تمسكه بوصايا الله جعله يختبر لذة عشرة الله، فنسى آلامه، وصار في فرح، فزاد تمسكه بكلام الله.
ع (144) : عَادِلَةٌ شَهَادَاتُكَ إِلَى الدَّهْرِ. فَهِّمْنِي فَأَحْيَا.
- يختم داود هذه القطعة بإعلان أن شهادات الله وكلامه عادلة، وثابتة إلى الدهر، أي إلى الأبد. فهي المصدر الدائم للعدل، لذا يترجى الله أن يعطيه فهماً لها؛ حتى يحيا معه. فحياة الأبرار هي في معرفة وفهم كلام الله، فيحيون باستقامة ونقاوة في هذا العالم، ثم في الدهر الآتي.
ليتك تراجع حياتك على ضوء كلام الله الذي تقرأه كل يوم، فهو مصدر العدل والحق و بهذا تكتشف استقامة أعمالك وكلامك، وتصحح كل انحراف، فتنال رضا الله، بل يهبك معرفته كل يوم.
القطعة التاسعة عشر (ق)
الاشتياق لكلمة الله (ع 145-152):
الهدف :
لأن كلام الله هو العدل والحق، لذا اشتاق البار إليه، وحفظه، وإذ تغذى به ارتفعت صلواته إلى الله.
ع (145، 146) : صَرَخْتُ مِنْ كُلِّ قَلْبِي. اسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ. فَرَائِضَكَ أَحْفَظُ. دَعَوْتُكَ. خَلِّصْنِي، فَأَحْفَظَ شَهَادَاتِكَ.
أحب داود الصلاة؛ حتى صارت عميقة جداً بدليل :
- تحولت لصراخ، أي تمسك بالله بشدة.
- من كل القلب، وليس فقط من الشفاه، أو الذهن، بل بكل مشاعره.
- أدت الصلاة إلى تمسكه بالعبادة، أي الفرائض، وحفظها، فتمتع بالعبادة الفردية والعبادة الجماعية.
- الاستمرار في الصلاة والدعاء إلى الله.
- الاتكال على الله وطلب الخلاص منه وحده؛ لينقذه من ضيقاته.
- طلب الخلاص من الله ليرتفع فوق كل خطية واهتمام أرضي، ولم يطلب طلبات مادية، أو شهوات زائلة.
- حفظ شهادات الله وكلامه وتمسك بها.
ع (147 ، 148) : تَقَدَّمْتُ فِي الصُّبْحِ وَصَرَخْتُ. كَلاَمَكَ انْتَظَرْتُ. تَقَدَّمَتْ عَيْنَايَ الْهُزُعَ، لِكَيْ أَلْهَجَ بِأَقْوَالِكَ.
الهزع : جمع هزيع وهو قسم من الليل. واليهود يقسمون الليل إلى ثلاثة هزع كل منها إلى 4 ساعات أما الرومان فيقسمونه إلى أربعة أقسام كل منها ثلاثة ساعات.
- ازدادت أشواق داود إلى الله؛ حتى أنه قام منذ الصباح ليصلي، منتظراً أن يعرفه الله بكلامه؛ ليحيا به.
- استمر ازدياد أشواق داود إلى الصلاة؛ حتى أنه لم يطق أن ينام طول الليل دون أن يصلي، فقبل أن يعلن حارس الليل عن بدء الهزيع، كان داود يستيقظ، ويفتح عينيه، ويقف للصلاة، ويردد كلام الله ويلهج به. وهذا يبين مدى تعلق داود بالصلاة وكلام الله ليلاً ونهاراً.
ع (149) : صَوْتِيَ اسْتَمِعْ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. يَا رَبُّ، حَسَبَ أَحْكَامِكَ أَحْيِنِي.
- يطلب داود في صلواته لله أن يهبه الحياة معه، ولكن بحسب مشيئة الله ورحمته وأحكامه، فلا يطلب داود مشيئته، أو آية طلبات، ولكن يسلم حياته لله في طمأنينة، إذ يتفرغ قلبه للصلاة وتسبيح الله.
ع (150) : اقْتَرَبَ التَّابِعُونَ الرَّذِيلَةَ. عَنْ شَرِيعَتِكَ بَعُدُوا.
- يصف داود الأشرار الذين يضطهدونه، ويطاردونه بأنهم يقتربون من تابعي الرذيلة والشر؛ لأن الأشرار الذين يطاردونه يحبون الشر وكل من يفعله، وبالتالي بسلوكهم هذا يبتعدون عن شريعة الله؛ لأنه ليس شركة للنور مع الظلمة، وتوضح الترجمة السبعينية معنى هذه الآية فتقول “اقترب بالإثم الذين يطردونني، وعن ناموسك ابتعدوا”.
ع (151) : قَرِيبٌ أَنْتَ يَا رَبُّ، وَكُلُّ وَصَايَاكَ حَقٌّ.
- الذين يطاردون داود يضايقونه، وهو ثابت في وصايا الله، ويشجعه الله بإشعاره بأنه قريب منه، فيطمئن ويتعزى قلبه، ويتأكد أن وصايا الله هي الحق، فيزداد تمسكه بها، ولا ينزعج من الأشرار المطاردين له. وبهذا اختبر داود أنه كلما اقترب من الله يبتعد عن الشر، أما مطاردوه فعلى العكس يقتربون من الشر، ويبتعدون عن الله. داود يستنير ويعرف أن وصايا الله حق، أما مطاردوه فقد انشغلوا بالشر، وعاشوا فيه وأصبح هو حياتهم.
ع (152) : مُنْذُ زَمَانٍ عَرَفْتُ مِنْ شَهَادَاتِكَ أَنَّكَ إِلَى الدَّهْرِ أَسَّسْتَهَا.
- عرف داود وتأكد أن كلام الله قد أسسه منذ الدهر، أي منذ الأزل، فإن كان الله أزلي فكلامه أيضاً أزلي، وبالتالي ثابت حتى اليوم وإلى الأبد، فيستطيع داود أن يسند حياته عليه، ويحيا به قوياً مستقراً.
- كلام الله الأزلي هو المسيح الموجود منذ البدء، والذي تجسد في ملء الزمان. وهو الطريق والحق والحياة، والإيمان به يعطي ثباتاً، وقوة وحياة أبدية.
اعلم أن الله قريب منك جداً؛ حتى لا تقلق إذا أحاطت بك الضيقات أو الخطايا، فاصرخ إلى الله وهو حتماً يستجيب لك وينقذك؛ بل يعزي قلبك أيضاً وسط الضيقة.
القطعة العشرون (ر)
الحياة بكلمة الله (ع 153-160):
الهدف :
بعد إظهار داود أشواقه للوجود مع الله، واقتراب الله إليه ليعزيه، أعلن حاجته لحكمة الله، وحزنه على الأشرار لابتعادهم عن وصاياه، وطلب الحياة بكلمة الله فهو الحق والعدل.
ع (153) : اُنْظُرْ إِلَى ذُلِّي وَأَنْقِذْنِي، لأَنِّي لَمْ أَنْسَ شَرِيعَتَكَ.
- قابل داود ضيقات ومطاردات من الأعداء حتى أنه صار في ذل شديد، ولكن إيمانه بالله لم يهتز، فطلب منه أن ينقذه. والتذلل أمام الله، والاتضاع هو أقصر طريق لقلب الله لنوال مراحمه.
- رأى داود بعين النبوة المسيح المخلص، ورأى نفسه عضواً في جسده، فيشبه المسيح رأس الجسد في اتضاعه، وهو يحتمل الآلام حتى الصليب، فتقدم باتضاع نحو الصليب؛ لينال الرحمة الإلهية.
ع (154) : أَحْسِنْ دَعْوَايَ وَفُكَّنِي. حَسَبَ كَلِمَتِكَ أَحْيِنِي.
- يتقدم داود بدعواه إلى الله الحاكم العادل بعد أن حكم البشر بالشر عليه. لكنه يستأنف ويرفع دعواه إلى المحكمة العليا الإلهية، ويطلب من الله أن يفكه، ويحرره من مضايقات أعدائه، متمسكاً بوعد الله في كلامه أن يوضع وينجي المتضعين. وها هو في اتضاع وذل يطلب رحمته بحسب وعوده.
ع (155) : الْخَلاَصُ بَعِيدٌ عَنِ الأَشْرَارِ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَمِسُوا فَرَائِضَكَ.
- رغم أن الله يطلب خلاص الكل، والمسيح المخلص مات لفداء جميع الخطاة، لكن بعض الخطاة يرفضون التوبة، ويبتعدون عن وصايا الله، وبالتالي يشعرون أن الله بعيد عنهم، إذ هم أبعدوه. وهذا بالطبع يثير حزن داود عليهم لأنهم سيهلكون.
ع (156) : كَثِيرَةٌ هِيَ مَرَاحِمُكَ يَا رَبُّ. حَسَبَ أَحْكَامِكَ أَحْيِنِي.
- إن كان الخطاة قد رفضوا التوبة وكلام الله، وبالتالي فقدوا مراحمه وخلاصه. فإن داود – على العكس – اقترب من الله؛ ليتمتع بمراحمه الكثيرة، ويحيا بكلامه. فعلى قدر ما يقترب الإنسان من الله، ويطلب مراحمه ينال الحياة في الله ويتمتع بكلمته المحيية.
ع (157) : كَثِيرُونَ مُضْطَهِدِيَّ وَمُضَايِقِيَّ. أَمَّا شَهَادَاتُكَ فَلَمْ أَمِلْ عَنْهَا.
- لم يكتفِ الخطاة بالابتعاد عن الله، ولكن لابتعادهم عنه امتلأوا شراً فأساءوا إلى الأبرار دون سبب واضطهدوهم، وضايقوهم. ولكن تمسك الأبرار بمنقذهم وهو شهادات الله التي عاشوا بها، ولم ينحرفوا، أو يميلوا عنها.
ع (158) : رَأَيْتُ الْغَادِرِينَ وَمَقَتُّ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا كَلِمَتَكَ.
مقت : كرهت بشدة
- إذ تمسك داود بكلام الله لم ينزعج من اضطهادات الأشرار، بل وأكثر من هذا أشفق عليهم؛ لأنه كره طرقهم الشريرة، وتمنى أن يتوبوا، وأن يعودوا إلى كلمة الله ويحفظوها فيخلصوا. فسبب سقوطهم في الشر والغدر هو ابتعادهم عن كلام الله.
ع (159) : انْظُرْ أَنِّي أَحْبَبْتُ وَصَايَاكَ. يَا رَبُّ، حَسَبَ رَحْمَتِكَ أَحْيِنِي.
- يتقدم داود بدالة إلى الله، ويطلب منه أن ينظر إليه ؛ ليرى كيف أحب داود وصاياه، وظهرت في كلامه وأعماله. وبدالة البنوة يطلب من الله أن يهبه الحياة برحمته، وليس باستحقاقه. فهو متضع ولا يحاول إظهار بره بتمسكه بوصايا الله، ولكن لاحتياجه تمسك بالوصايا، طالباً الرحمة الإلهية والحياة مع الله.
ع (160) : رَأْسُ كَلاَمِكَ حَقٌّ، وَإِلَى الدَّهْرِ كُلُّ أَحْكَامِ عَدْلِكَ.
- يختم داود هذه القطعة بإعلان أن كلام الله الحق موجود منذ البدء، وهو رأس وبداءة كل شئ لأنه أزلي، وإلى الدهر؛ أي إلى الأبد أحكام الله العادلة تسود وتقود العالم، ويتمتع بها المؤمنون في الملكوت. فكلمة الله، أي المسيح هو البداية والنهاية، ولذا فالتمسك بالمسيح المخلص، وكلامه المحيي يعطي الحياة والفرح، والتمتع بعشرة الله.
اقرأ كلمة الله كل يوم، فهي المقياس التي تزن بها كل أفكارك وكلامك وأعمالك، وتفرز بها الصحيح من الخاطئ من أفكار العالم، فتسلك بطمأنينة وسلام وفرح.
القطعة الحادية والعشرون (ش)
سلام وفرح (ع 161-168):
الهدف :
إن الحياة بكلمة الله دفعت داود للتمسك بها، فصارت بهجة قلبه، وأحبها جداً، فتمتع بالسلام الداخلي، وترجى خلاص الله وحفظ شهاداته وعمل بها.
ع (161) : رُؤَسَاءُ اضْطَهَدُونِي بِلاَ سَبَبٍ، وَمِنْ كَلاَمِكَ جَزِعَ قَلْبِي.
جزع : خاف
- يقصد داود بالرؤساء شاول وعبيده، الذين قاموا عليه، وطاردوه، وحاولوا قتله دون أن يسئ إليهم، أو يقاومهم، أو يطلب أن يأخذ مكانهم، بل على العكس كان خاضعاً لكل الأوامر، ومعاوناً في قتل جليات، ومحاربة الفلسطينين الأعداء؛ لذا فهو متعجب لهذا الاضطهاد، خاصة وأن الرئيس متوقع منه الرعاية لشعبه، فكيف يتحول إلى عدو ومضطهد ؟!
- لم يخف داود من اضطهاد الرؤساء ؛ لأنه كان يخاف الله وكلامه، ويسعى لتنفيذ شريعته. والذي يخاف من الله يتقوى قلبه، فلا يخاف من أحد مهما كان مركزه، إذ يثق في حماية الله ورعايته، ويرتفع عن الشهوات الأرضية. وهكذا لم يخف كل أولاد الله في العهدين القديم والجديد سواء من الأنبياء ورجال الله، أو الرسل والشهداء وكل القديسين.
ع (162) : أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنِيمَةً وَافِرَةً.
- إن مخافة الله جعلت داود يتمسك بكلام الله، فيختبر حلاوته، ويبتهج جداً بهجة لم يستطع أن يعبر عنها إلا بتشبيه أنه قد حصل على غنيمة وافرة. فمخافة الله لا تمنع فرح الإنسان، بل على العكس فإنها تطرد الخوف من الناس، وتولد الفرح، وتعلق القلب بالحب الإلهي. أما من يهمل مخافة الله، فلا يستطيع أن يتمتع بمحبته، ولا يفرح بكلامه، كما قال داود نفسه في المزامير “ليفرح قلبي عند خوفه من اسمك بحسب الترجمة السبعينية” (مز 86 : 11).
ع (163) : أَبْغَضْتُ الْكَذِبَ وَكَرِهْتُهُ، أَمَّا شَرِيعَتُكَ فَأَحْبَبْتُهَا.
- النتيجة الطبيعية لمخافة الله أن يحب الإنسان وصاياه، وإذا أحب الإنسان كلام الله فإنه يكره الخطية، والالتواء، مثل الكذب، وهذا يبعده عن عن السقوط في الكذب. وكلما تباعد الإنسان عن الشر ازداد حبه لكلام الله. وأيضاً كلما أحب كلام الله ابتعد عن الشر.
ع (164) : سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي النَّهَارِ سَبَّحْتُكَ عَلَى أَحْكَامِ عَدْلِكَ.
- إن كانت مخافة الله تدفع إلى محبة الوصية، ومحبة الوصية تبعد الإنسان عن الخطية، فعندما يبتعد عن الشر يزداد تعلقه بالله، بل يستنير، ويكتشف عظمة رعاية الله له، فيسبحه على أحكامه العادلة، وكيف أن الله حفظه من حروب الشياطين، واضطهاد الرؤساء؟ ويزداد هذا التسبيح حتى يملأ اليوم كله، كما عبر داود عن هذا وقال “سبع مرات سبحتك” ورقم سبعة عدد كامل، أي يقصد اليوم كله نهاراً وليلاً.
- قد أخذت الكنيسة نظام صلواتها في الأجبيه من هذه الآية، فتصلي سبع صلوات، كما رتبها القديس باسيليوس في القرن الرابع، بعد تعلمه، وتلمذته من الآباء الرهبان في براري مصر.
ع (165) : سَلاَمَةٌ جَزِيلَةٌ لِمُحِبِّي شَرِيعَتِكَ، وَلَيْسَ لَهُمْ مَعْثَرَةٌ.
جزيلة : كثيرة ووافرة
- نتيجة مخافة الله ومحبة وصاياه، والصلوات، والتسابيح الكثيرة ينال الإنسان في النهاية أعظم نعمة وهي السلام الداخلي، ويكون كثيراً بشرط أن يبتعد الإنسان عن العثرة في كلام الله، والمقصود الشك، فيؤمن بكلام الله، ويستطيع بالتالي أن يحيا به، فيتمتع بالسلام، الذي يثبت داخله، مهما قابلته اضطرابات من الخارج.
- إن محبة الشريعة لا تهب الإنسان فقط سلاماً داخلياً، بل أيضاً تبعده عن العثرات، أي الخطايا إذ تشغله بالله، وترفعه للسمائيات، فيتباعد عن الشر ولا يعثر به.
ع (166 – 168) : رَجَوْتُ خَلاَصَكَ يَا رَبُّ، وَوَصَايَاكَ عَمِلْتُ. حَفِظَتْ نَفْسِي شَهَادَاتِكَ، وَأُحِبُّهَا جِدًّا. حَفِظْتُ وَصَايَاكَ وَشَهَادَاتِكَ، لأَنَّ كُلَّ طُرُقِي أَمَامَكَ.
- العمل بوصايا الله جعل داود يختبر محبته لله، فيترجى خلاصه، ولا يستطيع أن ينال الإنسان خلاص الله ونعمته ما لم يجاهد ويحفظ وصاياه، فالنعمة تعمل مع المجاهدين الذين يتمسكون بالله، فتسندهم، وتحركهم، وتشبعهم.
- إذا حفظ الإنسان وصايا الله فإنه بالتأمل فيها يحبها. وإذا أحبها وتعلق قلبه بها يتحرك لتنفيذها، فيختبر أعماقاً جديدة فيها.
- داود يترجى خلاص الله الذي ينقذه من أعدائه، ومطارديه، ولكن بعين النبوة يترجى أيضاً خلاص المسيح في ملء الزمان، وحينئذ يتقدم بأشواق نحو السماء، فيرجى الخلاص الكامل في الأبدية.
حاول عندما تقرأ كلام الله كل يوم أن تحفظ آية واحدة، أو تتأمل فيها فهذا يحرك مشاعرك نحو الله، وتحب كلامه، فتتأهل لتنفيذ وصاياه، وتختبر عمل نعمته فيك، وتتذوق حلاوة كلامه والوجود معه.
القطعة الثانية والعشرون (ت)
طلب الخلاص (ع 169-176):
الهدف :
السلام والفرح الذي تذوقه داود دفعه إلى الصلاة، معتمداً على وعد الله الذي يريد أن يقرب أولاده إليه. فطلب أن يكون أمام الله ويسبحه ويغني له، ويطلب خلاصه والحياة معه، ولا يتركه يضل بسبب خطاياه لأنه يحب وصاياه.
ع (169 ، 170) : لِيَبْلُغْ صُرَاخِي إِلَيْكَ يَا رَبُّ. حَسَبَ كَلاَمِكَ فَهِّمْنِي. لِتَدْخُلْ طِلْبَتِي إِلَى حَضْرَتِكَ. كَكَلِمَتِكَ نَجِّنِي.
- في هذه القطعة الأخيرة من المزمور يقترب داود من الله؛ لأنه أحبه، وأحب وصاياه جداً. ولكن عندما اقترب شعر بعدم استحقاقه لهذا الاقتراب، ولكنه أحب الله، فتوسل إليه أن يبلغ ويصل صراخه إليه، وتدخل أيضاً طلباته أمامه ، إذ شعر بضعفه وخطاياه التي تعطله عن المثول في حضرة الله.
- طلب من الله أن يفهمه كيف يقف أمامه ويهبه الحياة الجديدة فيه، وينجيه من خطاياه، ومن كل شيء محيط به؛ لأنه في سرور عظيم لوجوده في حضرة الله، ولا يريد أن يتركه أبداً.
ع (171 ، 172) : تُنَبِّعُ شَفَتَايَ تَسْبِيحًا إِذَا عَلَّمْتَنِي فَرَائِضَكَ. يُغَنِّي لِسَانِي بِأَقْوَالِكَ، لأَنَّ كُلَّ وَصَايَاكَ عَدْلٌ.
- عندما وجد داود نفسه قريباً من الله، وفي حضرته فاضت شفتاه بتسبيح الله كنبع خرجت منه مياه كثيرة. ولأن الله علمه فرائضه، وعبادته التي اختبر فيها عشرة الله، فازدادت تسابيحه وأغانيه الروحية مبتهجاً بحضرة الله.
- إن داود في فرح بسبب عدل الله الذي أنعم عليه بالوجود معه، وعوضه عن الضيقات المحيطة به بتمتع لا يعبر عنه
ع (173 ، 174) : لِتَكُنْ يَدُكَ لِمَعُونَتِي، لأَنَّنِي اخْتَرْتُ وَصَايَاكَ. اشْتَقْتُ إِلَى خَلاَصِكَ يَا رَبُّ، وَشَرِيعَتُكَ هِيَ لَذَّتِي.
- اختار داود شريعة الله ليحيا بها، وهذا الاختيار عكس اختيار أعدائه، الذين اختاروا الشر ولذا يطلب معونة الله لينفذ وصاياه، ويثبت فيها مهما كانت مقاومة الأعداء. وعندما اختبر وصايا الله ومعونته اشتاق أن يخلص من خطاياه، وحروب إبليس، ومقاومة الأعداء؛ ليتفرغ لكلمة الله، ويتلذذ بالتأمل فيها. فهذه هي الحياة الحقيقية لداود فى الوجود مع الله، والتمتع بوصاياه.
- إن يد الله التي يطلبها داود لمعونته هي نبوة عن المسيح الفادي، وهو مشتاق لخلاصه الذي يتممه على الصليب في ملء الزمان، فيهبه هو وكل المؤمنين التلذذ بالوجود في الفردوس معه. لقد انجذب قلب داود إلى الله، فعبر الزمان ورأى المسيح، بل ارتفع إلى الفردوس والملكوت.
ع (175) : لِتَحْيَ نَفْسِي وَتُسَبِّحَكَ، وَأَحْكَامُكَ لِتُعِنِّي.
- تعلق قلب داود بالله، وتسبيح اسمه القدوس، فطلب منه أن يهبه الحياة الروحية، أي الوجود الدائم معه؛ ليستمر في تسبيحه نهاراً، وليلاً. وطلب أيضاً من الله أن يعينه بأحكامه ووصاياه؛ حتى لا يسقط في خطية، أو هم من هذا العالم، أو ينشغل بأي شكل عن الله؛ لأن الحياة أصبحت في نظر داود هي الوجود في صلاة وتسبيح دائم معه، بل هو مشتاق إلى التسبيح الدائم في ملكوت السموات.
ع (176) : ضَلَلْتُ، كَشَاةٍ ضَالَّةٍ. اطْلُبْ عَبْدَكَ، لأَنِّي لَمْ أَنْسَ وَصَايَاكَ.
شاة : بهيمة ولكن المقصود هنا خروف.
- بعد أن ارتفع داود جداً، وتمتع لم ينسَ ضعفه، وعدم استحقاقه، وتعرضه للسقوط في أية خطية، وتذكر خطاياه السابقة، فنادى الله معينه وقال له لقد ضللت بخطاياي مثل شاة، وليس لي معين سواك يا رب، ولا أستطيع أن أعود إليك لضعفي، فاطلبني أنت وأنقذني، وليس لي دالة أمامك إلا أني أحببت وصاياك، وأرددها، وأسعى لأحيا بها. فأنا رغم ضعفي وخطاياي أحبك، وأحب وصاياك، وأتمنى أن أظل في حضرتك أسبحك كل أيام حياتي وإلى الأبد.
ما أجمل الوجود مع الله، فلا تحرم نفسك من التأمل والتسبيح كل يوم. إعطي وقتاً كافياً للصلاة؛ حتى تتذوق حلاوة عشرة الله، وترتفع إلى السماء وأنت على الأرض، ويتعلق قلبك بالأبدية فتحيا لها.