الله يخلص من يرضونه
مزمور لداود
“يا رب اسمع صلاتى واصغ إلى تضرعاتى. بأمانتك استجب لى” ع1
مقدمة :
- كاتبه : داود النبى كما يظهر من عنوان المزمور.
- متى كتب ؟ يذكر عنوان هذا المزمور في الترجمة السبعينية، أنه “لداود عندما كان ابنه يطارده” ويقصد به أبشالوم.
- يتشابه هذا المزمور مع المزمور السابق له، ولكن المزمور السابق يركز على ترك الأحباء لداود، أما في هذا المزمور، فيركز على شر الأعداء المحيطين به.
- هذا المزمور هو آخر مزامير التوبة السبعة التى هى (مز6، 32، 38، 51، 102، 130، 143). ويظهر في هذا المزمور بهجة التوبة والاستعداد للأبدية، بالإضافة إلى تذكر إحسانات الله التى تقابلها خطايا الإنسان.
- يناسب هذا المزمور كل مؤمن يمر بضيقة ويسرع إلى التوبة، وينال مراحم الله التى تقوى رجاءه في الحياة الأبدية.
- يعتبر هذا المزمور من المزامير المسيانية؛ لأنه يتكلم عن مشاعر المسيح، وهو مقبل على الصليب، وظلمة القبر.
- يوجد هذا المزمور بالأجبية في صلاة باكر، فيطلب الإنسان مع بداية اليوم معونة الله، ويتذكر إحساناته، ويقدم توبة عن كل خطاياه.
(1) صراخ للخلاص من الأعداء (ع1-6):
ع1، 2: يَا رَبُّ، اسْمَعْ صَلاَتِي، وَأَصْغِ إِلَى تَضَرُّعَاتِي. بِأَمَانَتِكَ اسْتَجِبْ لِي، بِعَدْلِكَ. وَلاَ تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ.
- نلاحظ أن بداية هذا المزمور مثل بداية المزمور السابق، حيث يرفع داود صلواته، وتضرعاته لله؛ لأنه في ضيقة، وقد قام عليه أعداؤه، رغم أنه لم يسئ إلى ابنه أبشالوم، ولذا يطلب أمانة الله ووعوده أن ينقذ المؤمنين به؛ حتى ينقذه من يد أبشالوم الذى يريد قتله. وليس معنى هذا أن داود يثق في كمال بره، وأنه لا يحتمل أن يحاكمه الله، لأنه سيظهر ضعفه وخطاياه، ولكن يقصد أنه لم يخطئ في حق أبشالوم، أو الشعب؛ حتى يقوموا عليه ويقتلوه.
- يطلب داود من الله أن يعامله بعدله وأمانته، ولكنه في نفس الوقت هو خاطئ ولا يحتمل أن يحاكمه الله. والحل هو المسيح المخلص، الذى يكمل فيه العدل الإلهى على الصليب، وبرحمته ينقذ داود وكل مظلوم مؤمن بالله في العهدين القديم والجديد.
- تذكر أوشية الراقدين أن كل إنسان خاطئ ولو كانت حياته يوماً واحداً على الأرض، فهذه الكلمات مأخوذة من هذا المزمور (ع2).
ع3: لأَنَّ الْعَدُوَّ قَدِ اضْطَهَدَ نَفْسِي. سَحَقَ إِلَى الأَرْضِ حَيَاتِي. أَجْلَسَنِي فِي الظُّلُمَاتِ مِثْلَ الْمَوْتَى مُنْذُ الدَّهْرِ.
- يبين قسوة أبشالوم الذى اضطهد أباه، وسحق نفسه بالحزن عندما قام عليه، وجمع الجيش ليقتله، فصار داود كميت في ظلمة القبر، كما حدث لآدم وحواء عندما طُردا من الجنة؛ هذا مافعله الشيطان بهما وهذا هو شعور كل إنسان خاطئ لم يكمل توبته ويرجع إلى الله، أو نظرة التائب لفترة سقوطه قبل أن يتوب.
- لقد احتمل المسيح آلام الصليب والموت من أجلنا، واضطهده الشيطان وكل تابعيه من اليهود الأشرار، وأذلوه بالجلد والبصق، وكل آلام الصليب، حتى مات كميت مرذول، ولكنه قام بعد هذا بقوة لاهوته؛ ليقيمنا فيه.
- إن كان المسيح قد تألم كل هذه الآلام لأجلنا، فلا نضطرب إن حلت بنا ضيقة، وسمح الله للشيطان أن يضطهدنا ويذلنا، ويسقطنا في ظلمة الخطية، ولكن بمعونة الله نقوم من الخطية، ونتوب، ونستعيد حماسنا الروحى.
ع4-6: أَعْيَتْ فِيَّ رُوحِي. تَحَيَّرَ فِي دَاخِلِي قَلْبِي. تَذَكَّرْتُ أَيَّامَ الْقِدَمِ. لَهِجْتُ بِكُلِّ أَعْمَالِكَ. بِصَنَائِعِ يَدَيْكَ أَتَأَمَّلُ. بَسَطْتُ إِلَيْكَ يَدَيَّ، نَفْسِي نَحْوَكَ كَأَرْضٍ يَابِسَةٍ. سِلاَهْ.
أعيت : تعبت.
- شعر داود بثقل التجربة عليه؛ حتى تحير في إيجاد مخرج للخلاص، وهنا رجع إلى نفسه، وتذكر أعمال الله معه، وأعماله مع شعبه الذى خلصه من عبودية مصر، وأخرجه وعاله في البرية، وأدخله أرض كنعان التى تفيض لبناً وعسلاً، فشكر الله وطلب إليه أن ينقذه، بل أعلن له احتياجه الشديد، وقال إن نفسه صارت مثل أرض يابسة محتاجة للماء الإلهى ليرويها؛ كل هذا قاله وهو باسط يديه في الصلاة.
- ظهرت هنا أهمية معرفة أعمال الله، وتذكرها في كل حين، وخاصة في الضيقة، فهى التى أعادت إلى داود سلامه، وثبتت إيمانه، وأعطته صلاة حارة أنقذته من أعدائه.
- بسط اليدين لا يعنى فقط الصلاة، بل أيضاً إظهار احتياجه لله ليروى عطشه، وكذلك يعنى إخلاء المشيئة، بالإضافة إلى التوبة وإعلان العجز الكامل عن إيجاد حل.
- هذه الآيات تنطبق على المسيح الذى تعبت روحه كإنسان، وتحير قلبه من كثرة الضغوط والآلام، فكيف يصير الذى بلا خطية خطية لأجلنا، وعبر عن آلام الصليب المقبلة عليه، وهو في بستان جثيمانى بقوله إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس، وبسط يديه في صلاة حارة، ونفسه في ضيق كأرض ناشفة، ولكنه احتمل كل هذا لأجل فدائنا.
- تنتهى هذه الفقرة بكلمة سلاه، وهى وقفة موسيقية للتأمل في أعمال الله والصلاة إليه؛ لينقذنا ويشبعنا ويقوينا.
عندما تواجه أية ضيقة تذكر ما احتمله المسيح لأجلك، وأنك بقبول الضيقة تشارك المسيح آلامه، وتذكر أعمال الله في الكتاب المقدس ليزداد إيمانك وتحتفظ بسلامك.
(2) رجاء في الله المخلص (ع7-12):
ع7: أَسْرِعْ أَجِبْنِي يَا رَبُّ. فَنِيَتْ رُوحِي. لاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنِّي، فَأُشْبِهَ الْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ.
الجب : حفرة عميقة وترمز للهاوية والجحيم.
- ينادى داود الله الذى هو رجاؤه الوحيد، ويطلب منه أن يسرع لنجدته، ويستجيب لطلبته؛ لأن الضيقة شديدة، ولا يحتملها، وكادت روحه تفنى في داخله من كثرة التهديدات، وشدة الحزن. وطلبه من الله الإسراع يعنى احتياجه الشديد، وثقته في الله منقذه.
- يطلب أيضاً من الله أن ينظر إليه بوجهه المنير؛ لأنه إن لم ينظر إليه سيشبه الذين يهبطون في الجب ويموتون. بل يرمز أيضاً الجب للعذاب الأبدى، وهذا يعنى إعلان داود تعلقه ورجائه في رعاية الله له. فهو يعتبر عشرته لله هى الحياة، وإن فقد هذه العشرة يموت.
ع8: أَسْمِعْنِي رَحْمَتَكَ فِي الْغَدَاةِ، لأَنِّي عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ. عَرِّفْنِي الطَّرِيقَ الَّتِي أَسْلُكُ فِيهَا، لأَنِّي إِلَيْكَ رَفَعْتُ نَفْسِي.
الغداة : الصباح الباكر.
- يترجى داود من الله أن يفيض عليه بمراحمه، ويا ليت هذا يكون سريعاً، أى في الصباح الباكر. وقد انقضى وقت الظلمة وهو وقت الضيق الذى يشبهه بظلمة الليل، فيشتاق إلى نور الصباح. وذلك لأنه اتكل على الله، فرجاءه ثابت وقوى في الله.
- يطلب داود أيضاً من الله أن يعرفه طريق الخلاص من ضيقته، ويعلن لله أنه قد رفع نفسه إليه، فيطلبه هو وحده، ولا يعتمد على الأرضيات، أو أى إنسان.
- الطريق الذى نحتاجه هو المسيح، وإذا اتكلنا عليه، ورفعنا قلوبنا نحو السماء، وتركنا شهوات الأرض يسهل علينا أن نسلك في الإيمان المستقيم بالمسيح إلهنا.
ع9: أَنْقِذْنِي مِنْ أَعْدَائِي يَا رَبُّ. إِلَيْكَ الْتَجَأْتُ.
إذ هدد الأعداء داود التجأ إلى الله ليتحصن فيه، وطلب منه أن ينقذه من هذه التهديدات، فهو يعانى من شر الأشرار، ولكنه يؤمن أن الله حصن حصين. وإن كان داود قد هرب من الله بسقوطه في الخطية، فالآن إذ تاب يلتجئ إليه، فيحميه الله من أعدائه.
ع10: عَلِّمْنِي أَنْ أَعْمَلَ رِضَاكَ، لأَنَّكَ أَنْتَ إِلهِي. رُوحُكَ الصَّالِحُ يَهْدِينِي فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ.
- يعلن داود تبعيته وإيمانه بالله، إذ يقول إلهى، فهو تابع له وهو أيضاً يطلب رضاه ومشيئته، ويترجى أن يعلمه الله كيف يرضيه ويصنع مشيئته؛ لأن كلمة الرضا بالعبرية تعنى أيضاً المشيئة. وتعلم كيف يرضى الإنسان الله يحتاج إلى تدريب ووقت. ومعنى هذا أن داود مستعد أن يتدرب ويتعب حتى يرضى الله إلهه. وهذا يبين محبته الحقيقية لله، وثقته أيضاً في نعمة الله التى ستعلمه.
- يصف روح الله القدوس بالصلاح وهذا يؤكد إيمانه بألوهية الروح القدس، وهذا ضد بدعة مقدونيوس التى ظهرت في القرن الرابع، وتم حرمه في مجمع القسطنطينية عام 381م.
- يطلب من روح الله أن يهديه ويرشده ليصل إلى أرض مستوية، أى أرض مستقيمة ليس فيها اعوجاج، والمقصود حياة ثابتة في الله، وسلوك مستقيم بوصاياه، وأرض مستوية خالية من المخاطر، أى حياة مطمئنة بين يدى الله. وبعدما تكمل حياة داود على الأرض يترجى الأرض الكاملة في الإستقامة والمستوية بالحقيقة، وهى الأرض الجديدة، أى ملكوت السموات.
ع11، 12: مِنْ أَجْلِ اسْمِكَ يَا رَبُّ تُحْيِينِي. بِعَدْلِكَ تُخْرِجُ مِنَ الضِّيقْ نَفْسِي، وَبِرَحْمَتِكَ تَسْتَأْصِلُ أَعْدَائِي، وَتُبِيدُ كُلَّ مُضَايِقِي نَفْسِي، لأَنِّي أَنَا عَبْدُكَ.
- يختم داود المزمور، ويطلب من الله أن يخرجه من الضيقة التى يعانى منها، ويهبه الحياة؛ لأنه يكاد يموت من ضغط الضيقة عليه. ورجاؤه في الحياة مبنى على إيمانه بالله واسمه القدوس القادر على أن يهبه الحياة، وهو يرتفع فوق كل الآلهة الوثنية المعروفة في العهد القديم؛ لأن الله وحده معطى الحياة بروحه القدوس.
- يتعلق داود بعدل الله الذى وعد أن يكافئ الأبرار ويعاقب الأشرار، فداود يطلب عدل الله ووعوده أن يخلصه من ضيقته؛ لأنه يؤمن به، ويسعى في طريق البر.
- تتجلى رحمة الله الممتزجة بعدله، أى رحمته على أولاده السالكين بوصاياه، مثل داود في استئصال أعدائه، وإبادة مضايقى نفسه؛ لأن داود خاضع لله ولوصاياه، ويعلن لله أنه عبده. فعدل الله يبيد الأشرار كعقاب لهم، وفى نفس الوقت فهو رحمة للأبرار تثبتهم في الإيمان، وتنميهم في كل عمل صالح.
- في المسيح تلتقى الرحمة والعدل وتكمل، فهاتين الآيتين نبوة عن المسيح، الذى قيد الشيطان بصليبه، وفى نفس الوقت أعطى خلاصاً للمؤمنين به.
- نعمة الله للأبرار تظهر في رحمة الله التى تستأصل وتبيد الأشرار، ولكن تستلزم من الإنسان أن يعلن خضوعه لله ولوصاياه، فيقول أنه عبد لله. فالنعمة مع الجهاد الروحى يهب الإنسان الخلاص.
- رحمة الله الكاملة، وعدله الكامل يظهران في الأبدية باستئصال الأعداء والمضايقين للأبرار، أى يلقى الشيطان وكل تابعيه في العذاب الأبدى، ويهب أولاده الأبرار الفرح الدائم في ملكوت السموات.
ليكن لك رجاء ثابت في الله مهما قامت عليك الضيقات، ِأو جرحت حتى في بيت أحبائك، فهو قادر أن ينقذك ويحفظك ويعزى قلبك ويرفع عنك كل آلامك.