دعوة الشعب للتوبة
لإمام المغنين “على الجتية” . لآساف
“رنموا لله قوتنا اهتفوا لإله يعقوب” (ع1)
مقدمة :
- كاتبه : آساف كبير المغنين أيام داود. وقد يكون داود هو الكاتب، وأعطاه لآساف ليغنيه.
- متى قيل ؟
في رؤوس الشهور، وعيد الأبواق، وعيد الفصح، وفي الأعياد عموماً، لأنه يقدم تمجيداً لله.
- يذكر في عنوان هذا المزمور أنه يقال على الجتية، وهي آلة موسيقية مأخوذة من مدينة جت الفلسطينية..
- فكرة المزمور دعوة شعب الله للتوبة عن عصيانه، ليستعيد وضعه كشعب مؤمن بالله، فيمجده.
- هذا المزمور يناسب كل إنسان أن يردده في كل وقت، ليتوب ويستعيد علاقته القوية مع الله، فيعود إلى صلواته القوية، وتسابيحه.
- لا يوجد هذا المزمور بصلاة الأجبية.
(1) تمجيد الله الراعي (ع 1-7)
ع1 : 1- رنموا لله قوتنا اهتفوا لإله يعقوب.
- يدعو المزمور شعب الله للتعبير عن محبته لله القوي، الذي ساند شعبه وخلصهم بقوة عظيمة، وهو القوة الوحيدة للشعب الذي يعتمد عليها. فلا يستند على أسلحة، أو قوته البشرية، أو علاقته بأمم محيطة به قوية، كل هذا لا شيء أمام قوة الله. فهذا الترنيم يعلن إيمان الشعب، ويثبته فيه، بل يعطيهم فرح، ولذة، وعشرة مع الله.
- من كثرة الترنيم لله امتلأت قلوب الشعب فرحاً، فناداهم المزمور أن يهتفوا، لأن الهتاف هو أصوات عالية تبين تعلق القلب بالله، وهم يرنمون لإله يعقوب، لأن يعقوب اتكل على الله، فلم يستطع عيسو أن يؤذيه، بل على العكس تعانق الأخوان في حب (تك 33 : 4). فالشعب يهتف لله إلهه القوي الذي يحميه، ويحفظه.
ع2: 2- ارفعوا نغمة و هاتوا دفا عودا حلوا مع رباب.
دفاً : إطار خشبي يشد عليه جلد رقيق، وعلى جوانب الإطار توجد صنوج صغيرة لتعطي أصواتاً قوية لضبط الإيقاع. وللعزف عليه يضرب باليد على الجلد المشدود، ويسمى حالياً “الرق”.
عوداً : هو آله موسيقية وترية معروفة حتى الآن بنفس الاسم، عبارة عن صندوق خشبي تشد عليه عدد من الأوتار.
رباب : جمع ربابة، وهي آلة وترية، يشد عليها اثنى عشر وتراً ويعزف عليها بالأصابع، أو بريشة مثل العود.
ينادى المزمور الشعب المسبح ليرنم لله بنغمات عالية، تصاحبها الآلات الموسيقية مثل العود، والدف والرباب للتعبير عن الفرح، وتسبيح الله ناصره على أعدائه، خاصة وأن الشعب كان قد اعتاد الترنيم بالآلات الموسيقية منذ خروجه من أرض مصر، عندما قادت مريم الشعب في تسبيحه وتمجيده.
ع (3، 4): 3- انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا. 4- لأن هذا فريضة لإسرائيل حكم لإله يعقوب.
البوق : آلة موسيقية تشبه قرن الحيوان له فتحة ضيقة من ناحية، ومتسعة من الطرف الآخر، وينفخ فيه للعزف.
ينادى أيضاً المزمور الشعب لاستخدام الأبواق، وكان الكهنة هم الذين ينفخون في الأبواق، فالنفخ في البوق عمل كهنوتي، لأن البوق يرمز لكلمة الله. وتستخدم الأبواق في رأس الشهر، عند ظهور الهلال، وفي عيد الأبواق الذي هو رأس الشهر السابع، وهو بداية السنة. ويدعو الناس للتوبة والبدء الجديد، كما يذكرهم بقوة الله التي نصرتهم على أعدائهم، فهو يملأ قلوب الشعب حماساً لبدء حياة روحية قوية مع الله. والنفخ في الأبواق أمر إلهي، وفريضة يتممها شعب الله في رأس كل شهر لتجديد مشاعر التوبة والرجاء والقوة. والكنيسة تقيم صلوات وقداسات في رأس السنة، لتدعو شعبها للتوبة والرجاء.
ع 5 : 5- جعله شهادة في يوسف عند خروجه على أرض مصر سمعت لسانا لم أعرفه.
- جعل الله العيد، ويقصد جميع الأعياد الدينية، والتي تستخدم فيها الأبواق، والتذكارات الروحية شهادة وسط شعبه، تعلن إيمانهم بالله، وعبادتهم له. وقد اختار اسم يوسف رمزاً لكل شعب الله؛ لأن يوسف كان سبب إدخال إخوته في أرض مصر، وإكرامهم، ولكن المصريين استعبدوهم، وأذلوهم بعد هذا، وهكذا عاش بنو إسرائيل عبيداً بين المصريين الذين لهم لغة لا يعرفها شعب الله، ولكن كان عزاؤهم هو معرفتهم لله، ومعرفة الله لهم، تجلى هذا في الأعياد والمواسم الدينية، وكل عبادة كانوا يقدمونها لله.
- يوسف يرمز للمسيح، فالمسيح يشهد من خلال يوسف في أرض مصر لعمل الله؛ لأن يوسف بيع عبداً، واحتمل الآلام لمدة ثلاثة عشر عاماً، ثم ارتفع إلى عرش مصر، والمسيح تجسد، وأخذ صورة عبد صائراً في شبه الناس، واحتمل الآلام، وأطاع حتى الموت موت الصليب، ثم قام بمجد عظيم، قاهراً كل قوات الظلمة، وقيد الشيطان، فيوسف شهد بالحب والتسامح لإخوته، كما سامح المسيح البشرية، ومات عنها وفداها على الصليب. وسمعت البشرية لساناً جديداً لم تعرفه هو الحب المبذول على الصليب، الحب بلا مقابل، وعطاء حتى الموت حتى تتغير البشرية، وتتجدد في المسيح.
ع6: 6- أبعدت من الحمل كتفه يداه تحولتا عن السل.
السل: هي السلة وجمعها السلال التي يوضع فيها الخضروات أو الفاكهة، أو التراب، أو الرمل…
تحدثنا هذه الآية عن عمل الله مع شعبه في مصر، إذ حررهم من السخرة التي سخرهم بها المصريون، فكانوا يحملون أحمالاً ثقيلة على أكتافهم لبناء المدن، ولم يعودوا يحملون السلال المملوءة بالطين اللازم لعمل الطوب، فخرجوا إلى برية سيناء وعاشوا في حرية. وهكذا أيضاً حررنا المسيح من عبودية الخطية، وأثقالها، ونتائجها بفدائه لنا على الصليب
ع(7) : 7- في الضيق دعوت فنجيتك أستجبتك في ستر الرعد جربتك على ماء مريبة سلاه.
- يذكر الله شعبه أنه عندما تضايق لما طارده فرعون، وكل جيشه، وانحسر بين جيش فرعون والبحر الأحمر، صرخ إلى الله فنجاه من أيدي المصريين، إذ أجاز ريحاً شرقية في البحر الأحمر، وشق البحر، وعبر بنو إسرائيل، عندما ضرب موسى البحر (خر 14 : 21)، ووصلوا إلى برية سيناء، أما فرعون وكل جيشه فقد غرق في البحر الأحمر، فاستجابة الله لصلوات شعبه كانت قوية، وفوق تخيل البشر. فعمل الله كان مستتراً وراء صوت العاصفة، أو الرعد الذي شق البحر الأحمر فهذا عمل معجزي لله أنقذ به شعبه من الموت، وحرره من عبودية مصر، فخاف الله وعبده موسى.
- ولكن بعد عبور البحر الأحمر عال الله بنى إسرائيل الله في برية سيناء بالماء والمن والسلوى، وحفظهم من الأعداء، ورغم هذا شكوا فيه، وجربوه عند ماء مريبة، وتذمروا عليه، فغضب الله عليهم، وحرم موسى وهارون من دخول أرض كنعان. فالله يعاقبهم على ضعف إيمانهم رغم معجزاته الكثيرة معهم.
- تنتهي هذه الآية بكلمة سلاه وهى وقفة موسيقية للتأمل في قوة الله وعنايته ومحبته لأولاده.
انظر إلى عناية الله بك طوال حياتك، واشكره، وسبحه حتى يمتلئ قلبك فرحاً، وتفيض عليك مراحم الله أكثر وأكثر.
(2) عصيان وفقدان النعمة (ع8-16):
ع(8) : 8- إسمع يا شعبي فأحذرك يا إسرائيل إن سمعت لي.
ينادي الله شعبه الذي جربه وشك فيه في مريبة ويقول لهم “يا شعبي”؛ ليذكرهم أنهم أولاده، وهو راعيهم وأبوهم السماوي. وقد أسماهم “إسرائيل” لأنهم يطيعونه ويسمعون كلامه. ولكن إن عصوه ورفضوا طاعته يفقدون بنوته ورعاية الله لهم. فهو يتكلم هنا بحسم ويحذرهم، حتى لا ينحرفوا عنه إلى عبادة الأوثان، وكل ما يتصل بها من شهوات شريرة.
ع(9 ، 10) : 9- لا يكن فيك إله غريب و لا تسجد لإله أجنبي. 10- أنا الرب إلهك الذي أصعدك من ارض مصر افغر فاك فأملاه.
إفغر : افتح
ينهى الله أولاده عن عبادة الأوثان، وكل الآلهة الغريبة؛ لأنهم يؤمنون بالله إلههم الواحد القادر أن يشبعهم بفيض كثير، إن فتحوا أفواههم وطلبوا منه أن يعولهم. فهذا يبين احتياجهم وإيمانهم. وهو هنا يؤكد الوصية الأولى من الوصايا العشر (خر 20) التي ينساها الشعب أحياناً، كما فعل أباؤهم إذ عبدوا الأوثان، وتركوا الله. وهذا يحدث حتى يومنا هذا عندما يعتمد الإنسان على قوى وشهوات العالم، ولا يتكل على الله، فهو بهذا يعبد آلهة أخرى وينسى الله.
ع11: 11- فلم يسمع شعبي لصوتي و إسرائيل لم يرض بي.
- يتكلم الله بحزن عن بنى شعبه الذين رفضوا أن يسمعوا وصاياه، وساروا وراء أفكارهم وأفكار العالم الشريرة، فابتعدوا عن الله، مع أن لهم اسم أنهم شعب الله، وهم في الحقيقة يرفضونه، فهم بهذا لا يعجبهم الله، ولا يرضون به، ويفضلون عليه العالم وشهواته. فهذا جحود، وقسوة قلب سقط، ويسقط فيها أولاد الله حتى اليوم.
- حدث هذا الرفض من شعب الله له عندما تجسد المسيح، وكرز بين اليهود بني جنسه، ورفضوه، وصلبوه.
ع12: 12- فسلمتهم إلى قساوة قلوبهم ليسلكوا في مؤامرات أنفسهم.
- إذ رأى الله إصرار الشعب على الشر، وقساوة قلبه، أى تكبره ورفضه سماع صوت الله، تخلى عنهم، وتركهم يذوقون نتيجة قساوة القلب، والمؤامرات الشريرة التي يدبرونها، لعلهم إذا تألموا من نتائجها يتوبون، وإن تمادوا في الشر مثل فرعون يهلكون في البحر الأحمر. والله لا يقسي قلب أحد، بل يتركه لقساوة قلبه.
- ترك الله اليهود لقساوة قلوبهم ومؤامراتهم الشريرة، ولأنهم قالوا ليس لنا ملك إلا قيصر، وصلبوا المسيح، أرسل قيصر تيطس القائد الروماني الذي دمر أورشليم وقتل اليهود عام 70م.
ع13، 14 : 13- لو سمع لي شعبي و سلك إسرائيل في طرقي. 14- سريعا كنت أخضع أعداءهم و على مضايقيهم كنت أرد يدي.
يوضح الله أن سبب معاناة شعبه هي رفضهم سماع كلامه، والسلوك في طرقه، أي وصاياه. لكن لو خضع الشعب لله، لتدخل ونصرهم على أعدائهم سريعاً، ورد على رؤوسهم تعديهم على شعبه. فالله يبين هنا :
- اهتمامه بحرية الإنسان فهي ضرورية لخلاصه..
- أهمية الجهاد الإنساني “سمع، سلك” لنوال نعمة الله والنصرة.
- تأكيد الحقيقة المعروفة بأن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد (غل 6 : 7). فإن سمع الإنسان وسلك في وصايا الله ينتصر على أعدائه، وإن لم يسمع ويعمل تناله ضيقات كثيرة، فلا يلوم الله بل يلوم نفسه إن أتت عليه الضيقة.
ع 15 : 15- مبغضو الرب يتذللون له و يكون وقتهم الى الدهر.
- الأشرار الذين يبغضون الله، ويرفضون طاعته إذا سمح الله لهم بضيقات، وتذللوا فيها ولكنهم أصروا على قساوة قلوبهم، فإنهم يلقون في العذاب الأبدي، أي يحيون ويكون كل وقتهم في العذاب، وإذا تظاهروا بالتذلل ليخدعوا الله، فبالطبع الله لا يُخدع ويجازيهم عن شرهم بالعذاب الأبدي.
- هذه الآية يمكن تفسيرها تفسيراً آخر، وهي أن مبغضى الرب إذا تذللوا في توبة، ورجعوا إلى الله، فإن وقتهم، وحياتهم إلى الأبد تكون مع الله في السعادة الأبدية.
ع 16 : 16- و كان أطعمه من شحم الحنطة و من الصخرة كنت أشبعك عسلا
الحنطة : القمح
- يواصل الله كلامه عن أولاده إن أطاعوا وصاياه، يفيض عليهم بركاته، فيعطيهم القمح بوفرة، ويكون مشبعاً لهم، ويعبر عن ذلك بقوله “دسم”. وكذلك يرويهم بالماء من الصخرة، ولعطشهم يشعرون بحلاوة الماء كأنه عسل، أي أن الله يعول شعبه بغني وفيض كثير.
- الحنطة والصخرة هي المسيح، وهو يعطينا جسده، ودمه الذي هو شحم الحنطة، وأقواله المروية لنفوسنا وحلوة مثل العسل.
? تمسك بوصايا الله بدقة مع بداية يومك؛ ليقود حياتك في الطريق المستقيم، ويشبعك، ويملأ قلبك سلاماً، فتحيا في فرح كل أيام حياتك.