زنى السامرة وأورشليم وعقابهما
(1) السامرة الزانية (ع1-10):
1- وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ قَائِلاً: 2- «يَا ابْنَ آدَمَ، كَانَ امْرَأَتَانِ ابْنَتَا أُمٍّ وَاحِدَةٍ، 3- وَزَنَتَا بِمِصْرَ. فِي صِبَاهُمَا زَنَتَا. هُنَاكَ دُغْدِغَتْ ثُدِيُّهُمَا، وَهُنَاكَ تَزَغْزَغَتْ تَرَائِبُ عُذْرَتِهِمَا.
4- وَاسْمُهُمَا: أُهُولَةُ الْكَبِيرَةُ، وَأُهُولِيبَةُ أُخْتُهَا. وَكَانَتَا لِي، وَوَلَدَتَا بَنِينَ وَبَنَاتٍ. وَاسْمَاهُمَا: السَّامِرَةُ «أُهُولَةُ»، وَأُورُشَلِيمُ «أُهُولِيبَةُ». 5- وَزَنَتْ أُهُولَةُ مِنْ تَحْتِي وَعَشِقَتْ مُحِبِّيهَا، أَشُّورَ الأَبْطَالَ
6- اللاَّبِسِينَ الأَسْمَانْجُونِيَّ وُلاَةً وَشِحَنًا، كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ، فُرْسَانٌ رَاكِبُونَ الْخَيْلَ. 7- فَدَفَعَتْ لَهُمْ عُقْرَهَا لِمُخْتَارِي بَنِي أَشُّورَ كُلِّهِمْ، وَتَنَجَّسَتْ بِكُلِّ مَنْ عَشِقَتْهُمْ بِكُلِّ أَصْنَامِهِمْ. 8- وَلَمْ تَتْرُكْ زِنَاهَا مِنْ مِصْرَ أَيْضًا، لأَنَّهُمْ ضَاجَعُوهَا فِي صِبَاهَا، وَزَغْزَغُوا تَرَائِبَ عِذْرَتِهَا وَسَكَبُوا عَلَيْهَا زِنَاهُمْ.
9- لِذلِكَ سَلَّمْتُهَا لِيَدِ عُشَّاقِهَا، لِيَدِ بَنِي أَشُّورَ الَّذِينَ عَشِقَتْهُمْ. 10- هُمْ كَشَفُوا عَوْرَتَهَا. أَخَذُوا بَنِيهَا وَبَنَاتِهَا، وَذَبَحُوهَا بِالسَّيْفِ، فَصَارَتْ عِبْرَةً لِلنِّسَاءِ. وَأَجْرَوْا عَلَيْهَا حُكْمًا.
ع1، 2: يظهر الله في هذا الإصحاح خيانة شعبه له بالزنى، أى الالتصاق بالآلهة الغريبة، وتركه هو الإله الحى. وقد تكرر الكلام عن زنى شعبه في الأصحاحات (16، 20) من هذا السفر وهذه هى المرة الثالثة، التى يتكلم فيها الله عن زنى شعبه. ويوضح الله هنا أن شعبه بقسميه، إسرائيل ويهوذا، أى السامرة وأورشليم عاصمتا المملكة الشمالية والجنوبية. ويقول أنهما امرأتان أختان بنتا امرأة واحدة، أى أن شعب الله كان واحداً، وانقسم إلى مملكتين في عهد رحبعام إبن سليمان.
ع3: دغدغت : لمس الزناة وجسوا ثدييهما.
تزغزغت : داعبوا ثدييها.
ترائب : أعلى الثديين.
عذرتهما : عذراويتهما وبكوريتهما كفتاتين غير متزوجتين.
يخبرنا حزقيال أن شعب الله قد زنى في مصر، أى عبد الأصنام وترك الله. وأكد ذلك، ليس فقط في هذه الآية، بل أيضاً في ص(20: 7، 8).
فكانت بداية تكوين شعب الله وتزايده في مصر، ويشبهه بأنه فتاة صغيرة، لم تعرف رجلاً، ولكنها ارتبطت بعبادة الأوثان المصرية، فزنت وهى فتاة، ولمسوا ثدييها وهى عذراء فتدنست. كان هذان الشعبان؛ السامرة وأورشليم يشكلان شعباً واحداً هو هذه العذراء التى تدنست بأصنام مصر، بدليل أنهم في البرية عبدوا العجل الذهبى، أى عادوا إلى عبادة الأصنام التى مارسوها في مصر.
تعود الخطية منذ الصغر يضعف الإنسان، فكن حريصاً وتباعد عن مصادر الخطية، خاصة التى عرفتها، أو مارستها منذ زمن، وثق أن الله قادر أن يجدد حياتك ويغفر خطاياك ويبعدك عن كل شر.
ع4: أهولة : كلمة عبرية تعنى خيمتها.
أهوليبة : كلمة عبرية تعنى خيمتى فيها.
يتكلم الله عن المرأتان، ويقصد بهما السامرة وأورشليم، فيعلن أنهما أنجبتا نسلاً كثيراً، أى تزايد الشعبان على مر السنين، ببركة الله. والأخت الكبرى؛ لأن فيها عشرة أسباط، يدعوها أهولة أى خيمتها، لأن فيها عبادة منفصلة عنه، أى عبادة الأوثان، فينسبها إليها، وهذه العبادة هى التى بدأها يربعام ابن نباط، أول ملوك مملكة إسرائيل. أما الأخت الصغرى، ويقصد بها أورشليم، أى مملكة يهوذا، ففيها سبطان فقط هما يهوذا وبنيامين، فيدعوها أهوليبة أى خيمتى فيها؛ لأن هيكل الله في أورشليم.
ومن ناحية أخرى ترمز الخيام لغربة العالم، فشعب الله، بمملكتيه إسرائيل ويهوذا، المفروض أن يعيشوا غرباء عن العالم، متعلقين بالله في السماء.
ويعلن الله أن هاتين الأختين كانتا لله، أى هما شعبه الذى اختاره من بين الأمم؛ ليعبدوه ويعيشوا معه، ولكنهما لم يستمرا معه، فلم يعودا له، إذ ارتبطا بعبادة الأوثان وأهملا عبادته.
ع5: يوضح الله زنى المملكة الشمالية إسرائيل، التى عاصمتها السامرة ودعاها أهولة، بأنها انبهرت بمملكة أشور، التى سيطرت على العالم وقتذاك، فعبدت آلهتها، واستعانت بها في حروبها، وبهذا تركت إيمانها واتكالها على عريسها الإله الوحيد. فكان المفروض أن تظل مملكة إسرائيل في أحضان الله، منشغلة بحبه، ولكنها تركته وتعلقت بالآلهة الوثنية.
ع6: شحناً : حكاماً.
إنبهار أهولة بالأشوريين كان بأسباب هى :
- كانت لهم ملابس فاخرة، ملفتة للنظر من الأسمانجونى، أى اللون السماوى، أى انبهرت بمظهرهم وغناهم.
- انبهرت أيضاً بمراكزهم، إذ وجدتهم ولاة وحكام على البلاد التى استولت عليها آشور، فشعرت بقوتهم وسلطانهم.
- شعرت بقوتهم الحربية، التى اكتسحت العالم، ويعبر عنها الله هنا بأنهم كلهم راكبين الخيول، وهى تمثل القوة الحربية وقتذاك.
- شعرت فيهم بحيوية الشباب والقوة، فاشتهتهم وتعلق قلبها بهم. كل هذه الأسباب جعلت مملكة إسرائيل تتعلق بآلهة أشور، وتقيم لها معابد، وتتعبد لها. وهذا يبين أنها تنبهر بالمظاهر، وكل ما هو جديد، فتنسى الله قوتها الحقيقية وتنشغل عن عبادته.
لا تجرى وراء إبهارات العالم، فهى سطحية ومزيفة وشهوتها تخرجك عن محبة الله. فلا تبيع مسيحك بسهولة من أجل أمور عالمية زائلة، خاصة وأنك تكتشف مع الوقت أنك تسقط في خطايا كثيرة، وتبتعد عن الله وتفقد سلامك.
ع7: عقرها : مهرها، أو الثمن الذى يقدم للزانية.
من كثرة تعلق أهولة بأشور بدلاً من أن تأخذ منهم أجرة زناها مثل باقى الزوانى، على العكس دفعت لهم الثمن؛ ليقبلوا أن يزنوا معها، فدفعت الذهب والفضة؛ لتحالف آشور وتجعلها ترضى عليها، ثم عبدت آلهة آشور الوثنية، وبهذا تنجست بالشر.
ع8: يوضح الله سبب انزلاق أهولة في الزنى، أنها تعودته منذ صباها، عندما كانت فتاة صغيرة، أى عندما كان شعب الله صغيراً في مصر، وتزايد هناك، وأثناء ذلك ارتبطت أهولة بأصنام مصر، وتركت عبادة الأوثان تشغل قلبها وفكرها، وقدمت عبادة لها، والآن تستعيد هذا الشر بعبادة أوثان آشور. ويشبه زنى أهولة بأنها فتاة صغيرة أهملت طهارتها، وارتبطت بعبادة الأوثان، التى يشبهها برجل يزنى معها، ويلمس جسدها، ويحتضنها. ولعل أهولة، أى إسرائيل استعادت أيضاً عبادة آلهة مصر الوثنية، بالإضافة إلى الآلهة الآشورية.
ع9، 10: من أجل تمادى مملكة إسرائيل في عبادة أوثان آشور، سمح الله لآشور أن تهاجمها وتسبى بنيها، فدمروها، أى ذبحوها، وشتتوا بنيها في أرجاء المملكة الأشورية، وأتوا بالأمم، وأسكنوهم فيها، وجعلوا حكاماً عليها من قبلهم. فصارت بهذا عبرة لمن يترك إلهه، ويلتصق بالآلهة الغريبة، بدلاً من أن تكون نوراً للعالم بعبادتها لله.
(2) أورشليم الزانية (ع11-21):
11- «فَلَمَّا رَأَتْ أُخْتُهَا أُهُولِيبَةُ ذلِكَ أَفْسَدَتْ فِي عِشْقِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا، وَفِي زِنَاهَا أَكْثَرَ مِنْ زِنَا أُخْتِهَا. 12- عَشِقَتْ بَنِي أَشُّورَ الْوُلاَةَ وَالشِّحَنَ الأَبْطَالَ اللاَّبِسِينَ أَفْخَرَ لِبَاسٍ، فُرْسَانًا رَاكِبِينَ الْخَيْلَ كُلُّهُمْ شُبَّانُ شَهْوَةٍ. 13- فَرَأَيْتُ أَنَّهَا قَدْ تَنَجَّسَتْ، وَلِكِلْتَيْهِمَا طَرِيقٌ وَاحِدَةٌ. 14- وَزَادَتْ زِنَاهَا. وَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى رِجَال مُصَوَّرِينَ عَلَى الْحَائِطِ، صُوَرُ الْكَلْدَانِيِّينَ مُصَوَّرَةًٍ بِمُغْرَةٍ، 15- مُنَطَّقِينَ بِمَنَاطِقَ عَلَى أَحْقَائِهِمْ، عَمَائِمُهُمْ مَسْدُولَةٌ عَلَى رُؤُوسِهِمْ. كُلُّهُمْ فِي الْمَنْظَرِ رُؤَسَاءُ مَرْكَبَاتٍ شِبْهُ بَنِي بَابِلَ الْكَلْدَانِيِّينَ أَرْضُ مِيلاَدِهِمْ، 16- عَشِقَتْهُمْ عِنْدَ لَمْحِ عَيْنَيْهَا إِيَّاهُمْ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ رُسُلاً إِلَى أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ. 17- فَأَتَاهَا بَنُو بَابِلَ فِي مَضْجَعِ الْحُبِّ وَنَجَّسُوهَا بِزِنَاهُمْ، فَتَنَجَّسَتْ بِهِمْ، وجَفَتْهُمْ نَفْسُهَا. 18- وَكَشَفَتْ زِنَاهَا وَكَشَفَتْ عَوْرَتَهَا، فَجَفَتْهَا نَفْسِي، كَمَا جَفَتْ نَفْسِي أُخْتَهَا.
19- وَأَكْثَرَتْ زِنَاهَا بِذِكْرِهَا أَيَّامَ صِبَاهَا الَّتِي فِيهَا زَنَتْ بِأَرْضِ مِصْرَ. 20- وَعَشِقَتْ مَعْشُوقِيهِمِ الَّذِينَ لَحْمُهُمْ كَلَحْمِ الْحَمِيرِ وَمَنِيُّهُمْ كَمَنِيِّ الْخَيْلِ. 21- وَافْتَقَدْتِ رَذِيلَةَ صِبَاكِ بِزَغْزَغَةِ الْمِصْرِيِّينَ تَرَائِبَكِ لأَجْلِ ثَدْيِ صِبَاكِ.
ع11: يتكلم الله بحزن على شعبه في مملكة يهوذا ومدينة أورشليم، التى دعاها أهوليبة أنها لم تتعظ مما حدث لأختها أهولة، بل سارت في عبادة الأوثان مثل اختها، بل وأكثر منها. فقد بدأت حسناً في أيام بعض الملوك، مثل آسا وحزقيا، ولكنها فسدت بعبادة الأوثان، خاصة في أيام منسى ابن حزقيا، ففاقت السامرة في عبادة الأوثان. فقد كانت أورشليم أفضل في علاقتها بالله من السامرة؛ لذلك سبيت السامرة أولاً، وأعطى الله فرصة لأورشليم عندما نصرها على سنحاريب أيام حزقيا (2أى32: 22). ولكنها للأسف فسدت أيضاً أكثر من السامرة، فعاقبها بالسبى أيضاً.
ع12: تعلقت أورشليم أيضاً بأشور مثل أختها أهولة، من أجل قوة أشور ومركزها وسلطانها ونشاطها. فقد أرسلت إلى أشور أيام آحاز، ودفعت الفضة والذهب، وأعلنت خضوعها لها وعبدت أوثانها، وطلبت من أشور مساعدتها وحمايتها من آرام ومملكة إسرائيل، فمملكة يهوذا هى التى طلبت من أشور، ولم تطلب أشور منها شيئاً، فهى التى تسعى إلى الزنى.
ع13: وهكذا تنجست أهوليبة بعبادة الأوثان، مثل أختها أهولة.
ع14: مغرة : أكسيد الحديد ولونه أصفر، أو أحمر بنى يستخدم في الطلاء.
يتعجب الله أن مدينته أورشليم تعلقت بأشور بمجرد رؤيتها صور الكلدانيين، الذين هم الآشوريين مرسومة على الحوائط، سواء رآها شعب الله في البلاد المحيطة التى انتصر عليها الأشوريون، أو عندما سمعوا عن عظمة الأشوريين من أفواه التجار، ورسمها بعض الفنانين على الحوائط في أورشليم، فانبهروا بها. وكانت مرسومة بالمغرة بشكل جميل، فتعلقوا بها واشتاقوا للتحالف مع الأشوريين، وعبدوا أوثانهم، وبهذا زادوا في زناهم عن السامرة؛ لأنهم سعوا بأنفسهم إلى أشور.
ع15: مسدولة : مرتخية.
رأى شعب الله في يهوذا رسوم الأشوريين، سواء في المناطق التى يلبسونها من وسطهم فما أسفل، وعمائمهم التى على رؤوسهم، بمنظر جذاب، يظهر عظمتهم كرؤساء في الحرب يركبون مركباتهم، مثل البابليين العظماء أيضاً في مظهرهم، فتعلقوا بهم وسعوا نحوهم.
ع16: عندما رأتهم مرسومين على الحوائط، أرسلت إليهم برغبتها الشخصية، ولم يجبرها أحد على ذلك؛ لتتحالف معهم وتعبد أوثانهم.
ع17: جفتهم : كرهتهم.
انتهز الآشوريون الفرصة وتحالفوا مع أورشليم وزنوا معها، أى استغلوا رغبتها فى الالتصاق بهم، فدفعوها لعبادة أوثانهم واستغلوها، فتضايقت منهم وكرهتهم، ولكنها أصبحت ضعيفة وذليلة تحت أيديهم؛ لأنها لم ترجع إلى الله قوتها. وهذه هى النتيجة الطبيعية للزنى أن يتضايق الزانى من زناه ويحتقر نفسه ومن يزنى معهم.
لا تنجذب إلى الشهوات الشريرة، فإن مظهرها جذاب وطعمها حلو كالعسل ولكن داخلها السم المميت. ابتعد عن كل مصادر الخطية؛ لتحيا في نقاوة وتتمتع بعشرة الله.
ع18: عندما خضعت أورشليم للأشوريين كشفت مقدساتهم، أى هيكلها المقدس، وقشرت الذهب، وأخذت الفضة والذهب من خزائن بيت الرب وأعطتها لآشور، وفى كبرياء كشفت أورشليم خزائنها، كما في أيام حزقيا للبابليين، فغضب الله عليها وكرهها من أجل كثرة زناها، وتعلقها بالعالم واتكالها عليه وليس على الله.
ع19: وتذكرت أورشليم أوثان مصر التى عبدتها في بداية حياتها عندما كانت شعباً واحداً مع باقى الأسباط، وبدأت تقيم مذابح لهذه الآلهة المصرية وتتعبد لها، أى تمادت في زناها وشرها، ليست مع آلهة أشور وبابل، بل أيضاً مع آلهة مصر.
ومع أنها كرهت عبادة أوثان أشور، كما تذكر ذلك في (ع17)، لكنها لم تعد لله، بل للأسف عادت إلى أوثان مصر، فهى مصرة على الخطية والابتعاد عن الله بكل نوع.
ع20: منيهم : السائل المنوى.
تعلقت أورشليم ليس فقط بالأشوريين والمصريين، بل بمعشوقهم، أى أوثانهم، وصارت بهذا مثل الحيوانات كالحمار والحصان. وأيضاً كان في عبادة بعض الآلهة الوثنية يكرمون الآلهة بالزنى في هذه المعابد. وكذلك قد يكون انحطاط أورشليم لدرجة أنها قبلت الزنى فعلاً ليس فقط مع البشر، بل أيضاً مع الحيوانات مثل الحمار والحصان، وهذا منتهى الانحطاط أن تترك الطهارة وتنغمس في الزنى لهذه الدرجة.
ع21: يخاطب الله أورشليم معاتباً وموبخاً أنها بعبادتها للأوثان أظهرت أشواقها لعبادة أصنام مصر. ويشبهها بإمرأة تزنى وتشتاق للزنا الذى بدأته وهى فتاة، عندما كانت في مصر وتركت الأصنام تلعب بقلبها وتلمس ثدييها، أى أن أورشليم ليس فقط تعبد الأوثان، بل قلبها متعلق بها، ومعتبرة أن هذه هى حياتها التى بدأتها منذ زمن طويل، عندما كانت في مصر، متناسية بهذا إلهها الحقيقى، الذى أخرجها من أرض مصر، ورعاها في البرية، وأعطاها أرض الميعاد، ومازال يحفظها حتى الآن.
(3) عقاب أورشليم (ع22-35) :
22- «لأَجْلِ ذلِكَ يَا أُهُولِيبَةُ، هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُهَيِّجُ عَلَيْكِ عُشَّاقَكِ الَّذِينَ جَفَتْهُمْ نَفْسُكِ، وَآتِي بِهِمْ عَلَيْكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ: 23- بَنِي بَابِلَ وَكُلَّ الْكَلْدَانِيِّينَ، فَقُودَ وَشُوعَ وَقُوعَ، وَمَعَهُمْ كُلُّ بَنِي أَشُّورَ، شُبَّانُ شَهْوَةٍ، وُلاَةٌ وَشِحَنٌ كُلُّهُمْ رُؤَسَاءُ مَرْكَبَاتٍ وَشُهَرَاءُ. كُلُّهُمْ رَاكِبُونَ الْخَيْلَ. 24- فَيَأْتُونَ عَلَيْكِ بِأَسْلِحَةٍ مَرْكَبَاتٍ وَعَجَلاَتٍ، وَبِجَمَاعَةِ شُعُوبٍ يُقِيمُونَ عَلَيْكِ التُّرْسَ وَالْمِجَنَّ وَالْخُوذَةَ مِنْ حَوْلِكِ، وَأُسَلِّمُ لَهُمُ الْحُكْمَ فَيَحْكُمُونَ عَلَيْكِ بِأَحْكَامِهِمْ. 25- وَأَجْعَلُ غَيْرَتِي عَلَيْكِ فَيُعَامِلُونَكِ بِالسَّخَطِ. يَقْطَعُونَ أَنْفَكِ وَأُذُنَيْكِ، وَبَقِيَّتُكِ تَسْقُطُ بِالسَّيْفِ. يَأْخُذُونَ بَنِيكِ وَبَنَاتِكِ، وَتُؤْكَلُ بَقِيَّتُكِ بِالنَّارِ. 26- وَيَنْزِعُونَ عَنْكِ ثِيَابَكِ، وَيَأْخُذُونَ أَدَوَاتِ زِينَتِكِ. 27- وَأُبَطِّلُ رَذِيلَتَكِ عَنْكِ وَزِنَاكِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، فَلاَ تَرْفَعِينَ عَيْنَيْكِ إِلَيْهِمْ وَلاَ تَذْكُرِينَ مِصْرَ بَعْدُ. 28- لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هأَنَذَا أُسَلِّمُكِ لِيَدِ الَّذِينَ أَبْغَضْتِهِمْ، لِيَدِ الَّذِينَ جَفَتْهُمْ نَفْسُكِ. 29- فَيُعَامِلُونَكِ بِالْبُغْضَاءِ وَيَأْخُذُونَ كُلَّ تَعَبِكِ، وَيَتْرُكُونَكِ عُرْيَانَةً وَعَارِيَةً، فَتَنْكَشِفُ عَوْرَةُ زِنَاكِ وَرَذِيلَتُكِ وَزِنَاكِ. 30- أَفْعَلُ بِكِ هذَا لأَنَّكِ زَنَيْتِ وَرَاءَ الأُمَمِ، لأَنَّكِ تَنَجَّسْتِ بِأَصْنَامِهِمْ. 31- فِي طَرِيقِ أُخْتِكِ سَلَكْتِ فَأَدْفَعُ كَأْسَهَا لِيَدِكِ. 32- هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنَّكِ تَشْرَبِينَ كَأْسَ أُخْتِكِ الْعَمِيقَةَ الْكَبِيرَةَ. تَكُونِينَ لِلضَّحِكِ وَلِلاسْتِهْزَاءِ. تَسَعُ كَثِيرًا. 33- تَمْتَلِئِينَ سُكْرًا وَحُزْنًا، كَأْسَ التَّحَيُّرِ وَالْخَرَابِ، كَأْسَ أُخْتِكِ السَّامِرَةِ. 34- فَتَشْرَبِينَهَا وَتَمْتَصِّينَهَا وَتَقْضَمِينَ شُقَفَهَا وَتَجْتَثِّينَ ثَدْيَيْكِ، لأَنِّي تَكَلَّمْتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. 35- لِذلِكَ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: مِنْ أَجْلِ أَنَّكِ نَسِيتِنِي وَطَرَحْتِنِي وَرَاءَ ظَهْرِكِ، فَتَحْمِلِي أَيْضًا رَذِيلَتَكِ وَزِنَاكِ».
ع22: يبدأ الله يعاقب أورشليم التى يدعوها أهوليبة ويكون عقابه شديداً؛ لأنه يسمح لمن تعلقت بهم، أى الكلدانيين وهم البابليين، ثم كرهتهم، أن يقدموا عليها، ويهاجموها من كل ناحية؛ ليدمرونها، وهذا ما حدث في السبى البابلى.
ع23: فقود : قبيلة آرامية تسكن في السهل الشرقى، شرق نهر دجلة، قرب مصبه (إر50: 21).
شوع : اسم قبيلة تسكن في شرق بابل وكانت في حرب دائم مع الأشوريين.
قوع : قبيلة تسكن شرق نهر دجلة.
شهراء : مشهورين.
يعدد الله عشاق أورشليم، أى التى تعلقت بأوثانهم، والذين هجموا عليها، وكلهم من منطقة واحدة هى قريبة من بابل، ويتميزون كلهم بالحيوية والقوة الحربية والعظمة.
ع24: الترس والمجن : ما يدافع به الجندى عن نفسه لصد السهام.
الخوذة : ما يلبس على الرأس والجبهة وهو معدنى؛ لحماية الرأس.
يعدد الله أسلحة المهاجمين لأورشليم، فهى مركبات حربية، وأعداد ضخمة من الجنود، يحملون أسلحة الدفاع عن أنفسهم، مثل الترس والمجن والخوذة، وأقوياء يسيطرون على أورشليم ويحتلونها، فبدلاً من أن يحكم الله عليها بالعقاب بنفسه، ترك البابليون يسيطرون عليها ويذلونها ويتحكمون فيها، أى أن بابل هى الأداة التى في يد الله؛ لإذلال شعبه.
ع25: غيرة الله كعريس كانت قديماً تحمى عروسه أورشليم، أما الآن فهو يعاقبها، فتكون غيرته ضدها، فيقطع أنفها، أى كبرياءها وقدرتها على التمييز؛ لأن الأنف يرمز للملك، والرئيس، والقدرة على الشم، أى التمييز.
ويقطع أيضاً أذنيها، أى قدرتها على السمع والتعلم، فتضل؛ لأنها لم تطع الله ووصاياه. والأذن أيضاً ترمز للكهنة والمشيرين، الذين يسمعون صوت الله ويرشدون الشعب، فهؤلاء يوجدون ويضلون الشعب، بل أكثر من هذا يظهر الأنبياء الكذبة؛ ليعلموا تعاليم غريبة؛ ليزيدوا الضلال. ويقتل البابليون الكثيرين من الشعب، ويسبون عدداً كبيراً منهم إلى بابل وإلى بلاد الإمبراطورية البابلية، وكذلك تحرق النار الكثيرين؛ لأن أورشليم تهاونت وقدمت بنيها ذبائح بشرية تحرق إرضاء للآلهة الوثنية، مثل مولك؛ لذلك يؤدبهم الله بالحرق بنار البابليين.
والبنين والبنات يرمزون للمواهب والقدرات، فسبيها معناه سيطرة الشيطان عليها، أى يفقد الإنسان قدراته عندما يبتعد عن الله.
ع26: تتعرى أورشليم من جمالها، فيقشرون الذهب من هيكل الله، بل يأخذون أيضاً الفضة والنحاس وكل شئ جميل في الهيكل وفى أورشليم، فتصير أورشليم قبيحة المنظر من أجل شرورها، أى فى عار وذل أمام جميع الأمم.
ع27: تضطر أورشليم في هذه الضيقة العظيمة أن تترك عبادة الأوثان وكل الشهوات الشريرة؛ لأن الأصنام لم تنفعها في ساعة الضيقة ولا كل ممتلكاتها؛ فترفض الآلهة المصرية التى بلا قيمة ولا تعود تطلبها، بعد التأكد من أنها لا شئ وهذه هى فائدة الضيقة، التى يريدها الله، أن يكره الخاطئ خطاياه، وهذا ما يقصده الله من التجارب.
تأمل نتائج خطاياك لتتوب وترفض لذة الخطية، مهما بدت جذابة؛ لأن عاقبتها عار وحزن.
ع28، 29: عندما يتخلى الله عن أورشليم، يترك أعداءها البابليين يهجمون عليها، وهم أقوى منها، كما أن الشيطان أقوى من الإنسان، وهؤلاء الأعداء بعدما تعلقت بهم أورشليم كرهتهم؛ لأن نتيجة الخطية ضيق وذل، فهؤلاء الأعداء يحملون كراهية لأورشليم وليس حباً، فيستغلونها، ويأخذون محاصيلها ومقتنياتها من الذهب والفضة، وكل شئ نفيس فيها، وتصبح خربة خالية وعارية من كل زينة، بل قبيحة المنظر بعد تدميرها. بهذا تظهر نتيجة الزنى الروحى، أى عبادة الأوثان وترك الله وهذه النتيجة هى الذل وفقدان كل عظمة، فتصبح المدينة عارية وتسلب مقدساتها، أى هيكل الله، فتظهر عورتها، بالإضافة إلى جثث القتلى والتخريب، فيظهر ضعفها ونجاستها. ويشبهها بامرأة تلذذت بالزنى فتعاقب بأن تلقى عريانة وتظهر عورتها بكل ما تحمل من نجاسة وعار، فلا يطيق أحد النظر إليها.
ع30: يؤكد الله أن هذا التأديب والعقاب الذى سيحل بأورشليم، بسبب زناها مع الأمم، أى عبادتها للأوثان، وليس لأى سبب آخر، مثل قوة بابل.
ع31: ويوضح هنا اشتراك أورشليم مع السامرة في نفس الخطأ وعبادة الأوثان؛ لذلك تعاقب أورشليم مثل السامرة بنفس كأس الغضب الإلهى وهو السبى، بكل ما يشمل من عقاب.
ع32: يوضح الله أن كأس الغضب الذى سيحل بأورشليم هو كأس غضبه على السامرة. وهذه الكأس كبيرة وتسع كثيراً من التأديبات الإلهية، التى ستحل على أورشليم وما حولها، فتصير سبب ضحك واستهزاء وشماته الأمم المحيطة بها، فقد انحطت أورشليم، التى كانت في قوة وعظمة.
كان الله يود ألا يصب كأس غضبه على السامرة، وبالأكثر على أورشليم؛ لأن هيكله فيها وكان المفروض أن يساعدهم على الالتصاق به والاتكال عليه، ولا يخونوه ويتركوا وصاياه ويعبدوا الأوثان ولكنه اضطر في النهاية أن يصب كأس غضبه على السامرة، وهو كأس كبير يصبه، ويصب نفس الكأس أيضاً على أورشليم.
ع33: يبين الله أن تأديبه لأورشليم سيجعلها تفقد كيانها وتوازنها، وتصير مثل السكارى، وتصبح في حزن شديد وحيرة، فلا تعرف ماذا تفعل بعد أن تخربت وقتل أبناؤها، وأخذ البعض في السبى؛ مثلما حدث مع مملكة إسرائيل.
ع34: تقضمين : تقرضين، أو تكسرينها بأسنانك.
شقفها : قطع من الفخار المصنوع منها الكأس.
تجتثين : تستأصلين.
يوضح الله مدى صعوبة العقاب الذى سيحل بأورشليم، ويعبر عن غضبه كما قلنا بكأس كبيرة عميقة متسعة مصنوعة من الفخار، فعندما يصب غضبه عليها لا تترك أورشليم شيئاً من هذا الغضب، بل تمتص كل ما بقى في الكأس، بل وتكسر الكأس بأسنانها لتلحس كل ما تعلق بأجزائه، وتأكل هذه الشقف، أى أنها تنال كل الغضب الإلهى حتى النهاية. وبقبولها هذا الغضب تكره وترفض كل شهواتها القديمة لعبادة الأوثان، وكل شهوة ردية، ويمثل ذلك باستئصاله ثدييها، أى كل شهوتها، وكل ممارسات الزنى، فترفض كل ما يتعلق بعبادة الأوثان، وتعلقها بالأمم، وترجع إلى الله بكل قلبها، وهذه هى التوبة الحقيقية التى يهدف إليها الله من هذه التأديبات.
ع35: في النهاية يؤكد الله أن سبب كل هذا التأديب، نسيان أورشليم له، فلابد أن تحتمل نتيجة زناها الروحى، أى هذا العقاب.
من هذا نفهم ما يلى :
- لذة الخطية مؤقتة وتخلف وراءها ضيق وندم.
- من تتعلق به النفس وتزنى معه هو أول من يعاديها ويذلها، مثل قصة أمنون ابن داود مع أخته ثامار (2صم13: 15).
- الله ينادى شعبه كثيراً للتوبة بطول أناة ولكنه يرفض الله.
- الله يضطر في النهاية لتأديب شعبه ليتوب فيخلص.
- الله يستخدم شر الإنسان ليتذوق مرارة الخطية وينال عقاب من نفس الخطية، حتى يكرهها، مثلما جعل أشور وبابل هى التى تذل شعبه؛ ليكرهوا عبادة الآلهة الغريبة.
(4) شرور السامرة ويهوذا وعقابهما (ع36-49) :
36- وَقَالَ الرَّبُّ لِي: «يَا ابْنَ آدَمَ، أَتَحْكُمُ عَلَى أُهُولَةَ وَأُهُولِيبَةَ؟ بَلْ أَخْبِرْهُمَا بِرَجَاسَاتِهِمَا،
37- لأَنَّهُمَا قَدْ زَنَتَا وَفِي أَيْدِيهِمَا دَمٌ، وَزَنَتَا بِأَصْنَامِهِمَا وَأَيْضًا أَجَازَتَا بَنِيهِمَا الَّذِينَ وَلَدَتَاهُمْ لِي النَّارَ أَكْلاً لَهَا. 38- وَفَعَلَتَا أَيْضًا بِي هذَا: نَجَّسَتَا مَقْدِسِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَدَنَّسَتَا سُبُوتِي. 39- وَلَمَّا ذَبَحَتَا بَنِيهِمَا لأَصْنَامِهِمَا، أَتَتَا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إِلَى مَقْدِسِي لِتُنَجِّسَاهُ. فَهُوَذَا هكَذَا فَعَلَتَا فِي وَسْطِ بَيْتِي.
40- بَلْ أَرْسَلْتُمَا إِلَى رِجَال آتِينَ مِنْ بَعِيدٍ. الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَسُولٌ فَهُوَذَا جَاءُوا. هُمُ الَّذِينَ لأَجْلِهِمِ اسْتَحْمَمْتِ وَكَحَّلْتِ عَيْنَيْكِ وَتَحَلَّيْتِ بِالْحُلِيِّ، 41- وَجَلَسْتِ عَلَى سَرِيرٍ فَاخِرٍ أَمَامَهُ مَائِدَةٌ مُنَضَّضَةٌ، وَوَضَعْتِ عَلَيْهَا بَخُورِي وَزَيْتِي. 42- وَصَوْتُ جُمْهُورٍ مُتَرَفِّهِينَ مَعَهَا، مَعَ أُنَاسٍ مِنْ رَعَاعِ الْخَلْقِ. أُتِيَ بِسَكَارَى مِنَ الْبَرِّيَّةِ، الَّذِينَ جَعَلُوا أَسْوِرَةً عَلَى أَيْدِيهِمَا وَتَاجَ جَمَال عَلَى رُؤُوسِهِمَا. 43- فَقُلْتُ عَنِ الْبَالِيَةِ فِي الزِّنَا: آلآنَ يَزْنُونَ زِنًا مَعَهَا وَهِيَ. 44- فَدَخَلُوا عَلَيْهَا كَمَا يُدْخَلُ عَلَى امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ. هكَذَا دَخَلُوا عَلَى أُهُولَةَ وَعَلَى أُهُولِيبَةَ الْمَرْأَتَيْنِ الزَّانِيَتَيْنِ. 45- وَالرِّجَالُ الصِّدِّيقُونَ هُمْ يَحْكُمُونَ عَلَيْهِمَا حُكْمَ زَانِيَةٍ وَحُكْمَ سَفَّاكَةِ الدَّمِ، لأَنَّهُمَا زَانِيَتَانِ وَفِي أَيْدِيهِمَا دَمٌ. 46- لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: إِنِّي أُصْعِدُ عَلَيْهِمَا جَمَاعَةً وَأُسَلِّمُهُمَا لِلْجَوْرِ وَالنَّهْبِ. 47- وَتَرْجُمُهُمَا الْجَمَاعَةُ بِالْحِجَارَةِ، وَيُقَطِّعُونَهُمَا بِسُيُوفِهِمْ، وَيَذْبَحُونَ أَبْنَاءَهُمَا وَبَنَاتِهِمَا، وَيُحْرِقُونَ بُيُوتَهُمَا بِالنَّارِ. 48- فَأُبَطِّلُ الرَّذِيلَةَ مِنَ الأَرْضِ، فَتَتَأَدَّبُ جَمِيعُ النِّسَاءِ وَلاَ يَفْعَلْنَ مِثْلَ رَذِيلَتِكُمَا. 49- وَيَرُدُّونَ عَلَيْكُمَا رَذِيلَتَكُمَا، فَتَحْمِلاَنِ خَطَايَا أَصْنَامِكُمَا، وَتَعْلَمَانِ أَنِّي أَنَا السَّيِّدُ الرَّبُّ».
ع36: قبل أن يبين عقاب السامرة ويهوذا ويقول لحزقيال لا تحاول أن تدافع عنهما، بل إخبرهما بشرورهما؛ لعل الباقين فيهما يتوبون، فقد اضطررت لتأديبهما بسبب قائمة خطاياهما، وقصدى من هذا أن البقية تتعظ وتتوب.
ع37: يشير الله إلى ثلاث خطايا كبيرة سقطتا فيهما هاتان المملكتان وهى :
- الزنا الروحى بعبادة الآلهة الغريبة وتركى أنا الإله الحى.
- الظلم لأقرب الناس إليهما، فلم تكتفيا بقتل الأبرياء؛ إرضاء للظالمين، بل أيضاً قتل أبنائهما بتقديمهم محرقات للإله مولك إله بنى عمون، الذى عبدتاه.
- اغتصاب وسرقة ما ليس لهما، فتقديمهما بنيهما للآلهة الوثنية هو سرقة ما لله؛ لأن هؤلاء البنين هم أبناء الله، فكيف يأخذونهم من الله ويقدمونهم للآلهة الوثنية سواء قدموهم محرقات، أو إجازاتهم في النار فقط، أى احترق جزء من أجسادهم عند لمس النحاس المحمى بالنار لتمثال الإله علامة لتكريسهم للآلهة ونوال بركاتها.
تذكر أن أبناءك هم عطية من الله ينبغى أن تربيهم، كأبناء للملكوت، فتربطهم بالكنيسة منذ طفولتهم. وتذكر أيضاً أن كل أعضائك وحواسك هى ملك لله، فتستخدمها فيما يرضى الله.
ع38: يضيف الله هنا خطيتين في قائمة خطايا هاتين المملكتين هما :
- تنجيس مقادس الله، أى هيكله، بكسر الشريعة، وعمل ممارساتها حسبما يرون. بالإضافة إلى خطية أفظع وهى وضع الأصنام في هيكل الله.
- تدنيس سبوت الله، فقد كان ينبغى التفرغ في هذا اليوم لعبادة الله، أما هما فقد استخدمتا السبوت لأعمالهما التجارية، وكل عمل مادى، وتركوا عبادة الله.
ونلاحظ هنا تفنن وانشغال الشعب بإرضاء الآلهة الوثنية، لدرجة تقديم الأبناء محرقات لها، وفى نفس الوقت إهمال عبادة الله، أى أن قلوبهم قد انشغلت بالشر تماماً.
ع39: الغريب أن شعب الله خلط بين عبادة الأوثان، وعبادة الله، فبعد تقديم العبادة للآلهة الوثنية، بما فيها من عمل الفظائع مثل حرق البنين، كانوا يدخلون إلى هيكل الله ويقدمون العبادة له، دون الشعور بأى خطأ. فكيف يدخلون بنجاستهم إلى هيكل الله؛ فهذه استهانة كبيرة وقساوة قلب ورفض للتوبة.
ع40: من فظاعة خطية هاتين المملكتين أنهما سعتا إلى الخطية بنفسيهما، فهما اللتان أرسلتا إلى آشور وبابل تطلبان التحالف معهما وحمايتهما. فهما في هذا مثل زانيتين ترسلان إلى الرجال الغرباء، تتطلبان أن يأتوا إليهما ليزنوا معهما، واستعدت هاتان الزانيتان للزنى بالاستحمام والتزين، فقد غسلت الزانية جسدها، ونسيت أن تغسل قلبها من الشر، وكحلت عينيها بالكحل، ففقدت بصيرتها لرؤية الله، وتحلت بالحلى المادية؛ لتفقد كل فضيلة. والخلاصة أن شعب الله تعلق بشعوب العالم وأوثانهم وتركه، فتدنس واستحق كل عقاب.
ع41: منضضة : مرتبة ومهيأة.
يبين الله مدى اهتمام شعبه بعبادة الأوثان، مثل زانية هيأت سرير فاخر لتتم زناها، هكذا شعبه اهتم بكل طقوس واحتفالات وعبادة الأوثان، وقدموا لها البخور والزيت على مائدة مهيأة في المعابد الوثنية التى أقاموها في جوانب أورشليم، وفى المرتفعات وتحت الأشجار، مع أن هذا البخور والزيت كان المفروض أن يقدم لله في هيكله، ولكن انحراف الإنسان يجعله يقدم كل إمكانياته للشر. ويؤكد الله أنه “بخورى وزيتى”، أى سرقوا ما يقدم لى، وقدموه للآلهة الوثنية؛ ليغيظونى.
وقد يقصد بالسرير الفاخر، المعاهدات التى قطعها شعب الله مع البلاد القوية المحيطة، مثل آشور وآرام وبابل، فاستراح كأنه على سرير فاخر، مع أنه لا توجد راحة إلا في الاتكال على الله، وليس الزنى الروحى.
ع42: مترفهين : متنعمين وفرحين.
رعاع : أدنياء القوم.
الخلق : البشر.
إذ عمل شعب الله معاهدات مع الشعوب القوية، فرح جمهور الشعب الذى يضم الرعاع، وهم من يسهل قيادتهم في أى اتجاه. فأوهمهم الرؤساء أنهم بهذا التحالف في قوة كبيرة. وحضر إليهم أمميون من الشعوب المحيطة، مثل العرب وبنى عمون وموآب، وهم يشاركونهم أفراحهم مترنحين كالسكارى من تعلقهم بعبادة الأوثان، وهكذا اشترك الكل في احتفالات وثنية، واتكال على قوى العالم، وتركوا الإله الحقيقى، بأن قدمت الأمم المحيطة هدايا لملك يهوذا، كما قدم البابليون هدايا لحزقيا، يرمز إليها هنا بالأساور والتاج المعطى للزانية أورشليم.
ع43: البالية : القديمة والمزمنة في الزنى.
وهى : أى وهى تزنى معهم.
لما رأى الله هذه المعاهدات، قال عن شعبه الذى زنى من وراءه روحياً منذ سنين طويلة، أنه يزنى مع الأمم المحيطة، أى يتعلق بهم ويعبد آلهتهم الغريبة.
ع44: دخلت الأمم على شعب الله في السامرة ويهوذا بسهولة، بل وترحيب من شعب الله، كما ترحب الزانية بزبائنها، أى عبد شعب الله الأوثان بسهولة دون أية مقاومة، بل فرحوا بهذه الآلهة الغريبة.
ع45: يعطى الله الرجاء في وجود بقية صالحة في شعبه، هم الرجال الصديقين، الذين رفضوا الاشتراك في عبادة الأوثان والاتكال على الأمم. فتقوى هؤلاء الرجال تدين وتحكم على شعب الله الزانى، لأنهم لم يثبتوا مثلهم في عبادة الله والاتكال عليه.
ع46: الجور : الظلم لشعبه في السامرة وأورشليم.
يبدأ هنا الله في إعلان عقابه لشعبه على كل الخطايا السابق ذكرها، فيسمح للأمم من آشور وبابل بالهجوم عليهما وتدميرهما وسلب ممتلكاتها، وإجراء كل ظلم فيهما، فكما ظلمتا الله والأبرياء هكذا تظلمان من خلال السبى.
ع47: يستكمل الله تفاصيل العقاب الذى يتم على شعبه بواسطة الأمم فيما يلى :
- تدمير أورشليم والسامرة ويشبه ذلك بالرجم بالحجارة.
- قتل الكثيرين من شعبيهما بالسيف.
- لم تشفق أعين أشور وبابل على البنين مهما كانوا صغاراً، فذبحوهم أمام أعين أبائهم وأمهاتهم.
- حرق أورشليم، أى هيكل الله وقصور العظماء بالنار.
ع48: بهذا التأديب الإلهى يخاف شعب الله ويشعرون بأن الآلهة الوثنية بلا قيمة وأن التحالف مع الأمم لا يفيد شيئاً، فيتوبون ويبتعدون عن خطاياهم ويرجعون إلى الله بالتوبة، وبهذا يبطل الله الخطية من شعبه، بل يكونوا قدوة للأمم المحيطة؛ لتخاف الله وتؤمن به، وهذا ما حدث في ملء الزمان عندما آمنت الأمم بالمسيح.
ع49: عندما يتم السبى بكل الذل الذى فيه، تنال المملكتان عقاب خطاياهما ويتأكدان من صحة كلام الله، الذى تنبأ به، فيرجعا إليه بالتوبة.
عندما ترى نتيجة الخطية وعقابها في حياتك لا تيأس، بل ليكن هذا دافعاً لك للتوبة والرجوع إلى الله؛ لأنه مستعد أن يسامحك عن كل شئ ويبدأ معك بدءاً جديداً.