انسحاق ورجاء وتوبة
يحتل هذا الإصحاح مكانة كبيرة في طقس الكنيسة إذ يقرأ في يوم من أهم أيامها وهو يوم الجمعة العظيمة يقرأ في بداية الساعة الثانية عشر تذكاراً لدفن المسيح بعد موته على الصليب؛ لأن هذا الإصحاح رمز للمسيح المسحوق بالآلام لأجلنا نحن الخطاة. فكلماته إن كانت تنطبق على شعب الله ولكن إرميا يكتبها للإنسان المتكلم، فهو ينسحق ويتألم من أجل شعبه رمزاً للمسيح المتألم والفادي لشعبه المؤمنين به.
(1) انسحاق شعب الله (ع1- 20):
1- أنا هو الرجل الذي رأى مذلة بقضيب سخطه. 2- قادني و سيرني في الظلام و لا نور.
3- حقا إنه يعود و يرد علي يده اليوم كله. 4- أبلى لحمي و جلدي كسر عظامي. 5- بنى علي وأحاطني بعلقم و مشقة. 6- أسكنني في ظلمات كموتى القدم. 7- سيج علي فلا أستطيع الخروج. ثقل سلسلتي. 8- أيضا حين أصرخ و أستغيث يصد صلاتي. 9- سيج طرقي بحجارة منحوتة قلب سبلي. 10- هو لي دب كامن أسد في مخابئ. 11- ميل طرقي و مزقني. جعلني خرابا. 12- مد قوسه و نصبني كغرض للسهم. 13- أدخل في كليتي نبال جعبته. 14- صرت ضحكة لكل شعبي وأغنية لهم اليوم كله. 15- أشبعني مرائر و أرواني أفسنتينا. 16- و جرش بالحصى أسناني. كبسني بالرماد. 17- و قد أبعدت عن السلام نفسي. نسيت الخير. 18- و قلت بادت ثقتي و رجائي من الرب. 19- ذكر مذلتي و تيهاني أفسنتين و علقم. 20- ذكرا تذكر نفسي و تنحني في.
ع1: قضيب : عصا.
يشعر إرميا بآلام شعبه فينسحق معهم ولأجلهم مع أنه لم يخطئ أخطاءهم ولكن كخادم أمين بروح الأبوة يشعر بآلامهم كأنها فيه، فخراب أورشليم وذلها قد أتى عليه ويشعر أن الله هو المؤدب له ولشعبه بسبب الخطية مستخدماً قضيبه الذي هو بابل لتعلن غضبه الشديد على شعبه المتمادي في الخطية.
ع2: عندما ضربت أورشليم فقدت مساكنها ومصابيحها وارتفع غبار التدمير فجعل الجو مظلماً وكئيباً كل هذا بسبب خطاياهم التي يرمز إليها بالظلام فقد بدأوا بالسير في ظلمة الخطية وفقدوا أنوار مدينتهم كل هذا تعبير عن فقدانهم النور أي عدم رؤيتهم لله فإذا بدا الشعب بالسير في الخطية أكمل الله تسييرهم في الظلام أي تأديبهم بتخريب بابل لهم.
ع 3 : يد الله المؤدبة هي بابل التي لم تضربهم مدة بل مدد كثيرة ويقصد باليوم كله أي فترة كبيرة شهور وسنين وذلك لقساوة قلب شعب الله إذ لا يعودون إلى الله بالتوبة إلا بتأديبات كثيرة وشديدة.
افهم مقاصد الله عندما تأتيك ضيقة وراجع نفسك وتب عن خطاياك لتحمي نفسك من ضيقات أخرى مقبلة وحتى ترجع إلى أحضانه فتتمتع بأبوته ومحبته. إنه يؤدبك لأنه يحبك فلا يتركك تهلك بسبب خطاياك بل يؤدبك باللين والشدة فلا تتذمر بل أشكره على محبته وارجع إليه.
ع 4 : يشعر إرميا كنائب عن شعبه أن ضربات العدو كانت كثيرة حتى أن لحمه امتلأ من الكدمات والجراحات الكثيرة فصار منظره بالياً، وتكسير عظامه معناها الدخول إلى أعماقه والإساءة إلى مشاعره الداخلية لأن العظام مختفية باللحم. وهو يرمز للمسيح المعلق على الصليب ودمه ينزف وآثار الجلدات على ظهره وأساء إليه الكل حتى أحباءه حين تركوه وخانه تلميذه وليس المقصود كسر العظام بالمعنى الفعلي فالمسيح لم يُكسر له عظم ولكن المعنى مجازي إذ هذه الأحداث حدثت مع أورشليم وإرميا ينسبها لنفسه بسبب مشاعر أبوته لهم وإحساسه بهم.
ع 5 : علقم : نبات شديد المرارة
مشقة : أي شقاء وألم شديد
يصوّر حصار بابل لأورشليم والمتاريس والأبراج التي بنوها عليها وحواليها بمرارة وشقاء إذ حرموا سكان أورشليم حتى كادوا يموتون.
ع 6 : يشبه الظلام الذي أصبحت فيه أورشليم المدمرة كأنه ظلام القبر إذ انتشرت جثث أبنائها في الشوارع والجرحى في بقايا البيوت المتهدمة وهذه هي النتيجة الطبيعية للخطية أي الموت وظلمة القبر.
ع 7 : سيج : أقام سوراً.
حاصرت بابل أورشليم فمنعت أهلها من الخروج حتى كادوا يموتون جوعاً وصارت بهذا كالمسجون المقيد بسلاسل لا يستطيع الحركة.
هكذا من تهاون مع الخطية يفقد حريته وتسيطر عليه وتذله.
ع 8 : شعر إرميا بضيق شعبه الذي صرخ إلى الله عند الهجوم البابلي عليه ولكن الله رفض صلاته. وذلك لأن الصلاة لم تكن صلاة توبة حقيقية بل مجرد ضيق من هجوم بابل مما سبب ضيقاً شديداً لشعب الله وهذا هو التأديب الذي أراده الله ليرجعوا عن خطاياهم.
ع : 9 : حجارة منحوتة : حجارة مجهزة للبناء لا يوجد بينها ثغرات أو منفذ للهرب.
قلب : سد
يشرح ما عملته بابل مع أورشليم حين بنت حول أسوارها المتاريس بحجارة منحوته حتى أن الشعب إن هرب من المدينة من شدة الجوع تحاصره المتاريس وتسد طريقه فتقبض عليه جيوش بابل.
الخطيئة تمنع الإنسان وتسد طريقه عن البر والحياة مع الله.
ع 10 : من المعروف عن حيوان الدب أنه يختبئ في هدوء ليهجم على فريسته وكذلك الأسد فهنا يشبه بابل بالدب والأسد المحاصر لأورشليم ليهجم عليها ويدمرها. بل أنه يرى الله هو الذي يهاجمه تأديباً له.
احترس من أن تجعل الله عدواً لك وارجع إليه بالتوبة وأطع وصاياه.
ع 11 : ميل طرقي : جعلها معوجة وتُضل من يسير فيها.
من أجل كثرة خطايا شعب الله سمح الله أن تكون طرق شعبه معوجة تؤدي إلى هلاكه وتدمير مدنه فقد تحالف ملكهم صدقيا مع مصر وفي نفس الوقت نافق ملك بابل وتظاهر بالخضوع له فغضب ملك بابل من ريائه وهجم عليه وحطمه.
عندما يتمرد الإنسان على الله يتخلى عنه ويسلمه إلى ذهن مرفوض فيسير في طرق معوجة تهلكه فإن أخطأت فارجع إلى الله ولا تتمادى في شرك.
ع 12 : يظهر مدى قسوة الهجوم البابلي على أورشليم كمن ربط إنساناً وأقامه أمامه ثم صوب سهامه نحوه لتخترق جسده وتهلكه.
الله إما أن يجعلك غرضاً لسهامه أو غرضاً لبركاته وخيراته هذا حسب تبعيتك له بحفظ وصاياه أو تحديك له بعمل الخطية.
ع 13 : نبال : سهام .
جعبته : حقيبة جلدية تحفظ فيها السهام.
يصور عمق الجروح التي أصابت شعب الله من بابل بسهام اخترقت شعبه حتى العمق ليخلصه من كل شر دفين داخله، والكلى ضرورية للحياة فالله يريد أن يفقدهم حياتهم الشريرة الماضية ليحيوا معه من جديد في نقاوة.
ع 14 : كل شعبي : يقصد كل شعوب المنطقة المحيطة ببني إسرائيل.
من أجل خراب أورشليم شمت بها جيرانها واستهرأوا بها. والمقصود باليوم كله أي استمرار الاستهزاء.
ع 15 : مرائر : جمع مر والمقصود ضيقات كثيرة.
أفسنتينا : نبات مر وسام.
الدمار الذي حل بأورشليم هو ضيق عظيم يشبهه بشخص أكل كثيراً حتى شبع أي امتلأت أورشليم من الضيق بل وسرت السموم في جسدها فمات الكثير من أبنائها.
ع 16 : جرش : كسر
كبسني : غطاني
يشبه إرميا أورشليم برجل أجبره الله أن يأكل الحصى فتكسرت أسنانه. ولم يضع في فمه فقط الحصى بل ملأه وغطاه من الرماد لأن بابل أحرقت أورشليم فامتلأت شوارعها من الرماد أطبقت على سكانها الذين ماتوا أو سقطوا مغشياً عليهم.
الإنسان يعاني من نتائج خطاياه فما يظنه لذيذاً في الخطية يفاجأ بأنه كالحصى يكسر أسنانه وما يظنه مبهجاً يجده رماداً بعد أن احترقت طاقات الإنسان بالشر فلا يبقى له سوى الرماد والحسرة والندم.
ع 17 : من ضيق أورشليم الشديد يشعر إرميا أنها فقدت السلام وكل خيراتها القديمة وباتت في ذل واحتقار.
ع 18 : بدأ اليأس يتسلل إلى قلب أورشليم المخربة أمام تأديبه الشديد.
ع 19 : وكلما فكرت أورشليم في الذل الذي صارت إليه وضلالها عن الله شعرت بمرارة شديدة مثل مرارة نباتات الأفسنتين العلقم.
ع 20 : وبهذه التذكارات المؤلمة تنحني نفس إرميا أو أورشليم أي تنكسر وتتذلل وتنسحق.
[2] رجاؤه في الرب (21 – 38)
21- أردد هذا في قلبي من أجل ذلك أرجو. 22- إنه من إحسانات الرب أننا لم نفن لأن مراحمه لا تزول. 23- هي جديدة في كل صباح كثيرة أمانتك. 24- نصيبي هو الرب قالت نفسي من أجل ذلك أرجوه. 25- طيب هو الرب للذين يترجونه للنفس التي تطلبه. 26- جيد أن ينتظر الإنسان و يتوقع بسكوت خلاص الرب. 27- جيد للرجل أن يحمل النير في صباه. 28- يجلس وحده و يسكت لأنه قد وضعه عليه. 29- يجعل في التراب فمه لعله يوجد رجاء. 30- يعطي خده لضاربه يشبع عارا. 31- لأن السيد لا يرفض إلى الأبد. 32- فإنه و لو أحزن يرحم حسب كثرة مراحمه. 33- لأنه لا يذل من قلبه و لا يحزن بني الإنسان. 34- أن يدوس أحد تحت رجليه كل أسرى الأرض. 35- أن يحرف حق الرجل أمام وجه العلي. 36- أن يقلب الإنسان في دعواه السيد لا يرى. 37- من ذا الذي يقول فيكون و الرب لم يأمر. 38- من فم العلي ألا تخرج الشرور والخير.
ع 21 : هذا : الآلام التي تضايقت بها نفس إرميا من أجل شعبه.
عندما يردد إرميا الآلام التي يمر بها شعبه لا ييأس ولا يتذمر لأنه يرجو الله الذي يؤمن أنه سيرفع هذه الضيقات عن شعبه ويعزي ويسند نبيه إرميا وسيعيد شعبه من السبى ويمجده.
ع 22 : بالعين البسيطة يرى إرميا النعمة التي يتمتع بها وهي وإن كان شعب الله قد مات منه الكثيرون وتضايق جداً الباقون ولكن لم يفن الشعب كله فخطايا الشعب تستوجب موت الكل ولكن مراحم الله قد أبقت بقية لشعبه حتى يتوبوا فيباركهم ويعوضهم عن كل ما فات.
ليتك تشكر الله على البركات التي تتمتع بها مهما أحاطت بك الضيقات فأنت بهذا تظهر بنوتك لله وتمسكك به باحتمالك الآلام وإذ تشكره تتمتع بعنايته وبركاته الجزيلة.
ع 23 : يعلن أن مراحم الله وعطاياه متجددة للإنسان كل يوم فهو يشرق بشمسه ويعطي هواءه للكل ويثبت الأرض ويغطيها بالسماء ويلجم البحر حتى لا يفيض على الأرض إنه ضابط الكل والمعتني بالإنسان فكم يستحق الشكر. فالله أمين في حبه وأبوته للإنسان مهما أخطأ في حقه أو قصر في علاقته به، فمهما أساء الإنسان وأهمل بنوته لله يظل الله بأبوته يطلب خلاص الكل حتى نهاية العمر.
ع 24 : من أجل تقلب العالم والماديات اختار النبي النصيب الصالح وهو محبته لله، ويكون الله نصيبه أي هدفه ومطلبه فيجري إليه ويتمتع بعشرته ولا ينزعج من أجل أي خسارة مادية لأن الله يعوضه.ومن أجل تعلق الإنسان بالله مهما حلت به من ضيقات يظل رجاؤه ثابت في الله.
ع 25 : إن مراحم الله تعطي لمن له رجاء بالله وإيمان به فلا يرى الإنسان رحمة الله وكثرة محبته إلا إذا كان يؤمن به ويطلبه.
ع 26 : يستلزم الرجاء الثقة في مواعيد الله فينتظر إحساناته مهما استمرت الضيقات ويستمر صامتاً مهما عيره الآخرون لأن الله سيتدخل في النهاية ويمجد أولاده الصابرين المجاهدين في طريقه.
ع 27 : نيره : خشبة مستعرضة توضع على رقبتي الحيوانين اللذين يجران الآلات الزراعية وترمز لحمل الآلام.
ينظر إرميا للآلام على أنها ضرورية لتكوين شخصية الإنسان وتعطيه صلابة روحية لذلك ينادي الشباب الفائر المملوء حيوية أن لا يتذمر على حمل الآلام بل يقبلها في صباه ليصير له شخصية قوية ناجحة مع الله والناس.
ع 28 : يصور احتمال الرجل القوي للآلام بسكوته صابراً عليها وجالساً وحده معزولاً عن كل تنعم فينال التعزية والبركة في النهاية.
وهذه الآية والسابقة لها نبوة واضحة عن المسيح الذي حمل الصليب وهو شاب ووقف الكل ضده ينادون أصلبه أما هو فلم يفتح فاه.
ع 29 : عندما تزداد الآلام على الإنسان يتذلل إلى الأرض والتراب الذي يعبر عنه هنا بامتلاء فمه بالتراب، وهو يحتمل، ولكن يحاربه اليأس فيقول لعله يوجد رجاء أي قد يحارب بالتشكك في الرجاء ولكنه يظل متمسكاً بالله فينجيه في النهاية.
ع 30 : من أصعب الآلام الآلام النفسية مثل اللطمات على الوجه والتعيير، ولكن ثبات الإنسان في إيمانه يعوضه في النهاية الله بأمجاد كثيرة، وهنا النبوة واضحة عن اللطمات والإهانات والتعييرات التي احتملها المسيح عند القبض عليه وصلبه.
ع 31 : يؤكد إرميا أن الله لا يرفض أولاده إلى الأبد بل يتخلى عنهم مؤقتاً ليتوبوا ثم يعود فيرحمهم ويعوضهم عن أتعابهم، وهذا ما ظهر على الصليب وعبر عنه المسيح بقوله “إلهي إلهي لماذا تركتني” ولكن بعد موته قام بقوة عظيمة.
ع 32 : إن كان الله يسمح بحزن أولاده مؤقتأً ولكنه يعود فيرحمهم بمراحمه الكثيرة.
ع 33 : الله لا يقصد أبداً من قلبه أن يذل أولاده ويحزنهم، بل يتألم لأجل آلامهم ولكن يسمح بالضيقات حتى يتوبوا ثم يكافئهم ويعوضهم.
ع 34 : قد تحدث مظالم على الأرض ويقبض الإنسان على الآخرين ويضعهم في الأسر ويذلهم، الذي يعبر عنه بالدوس عليهم، ولكن الله يسمح بهذا مؤقتأً لتأديب أولاده ثم يرحمهم أما الظالم فيعاقبه بشدة لعله يتوب.
ع 35 : من المظالم المعروفة أن يسرق الإنسان حق غيره ويتهمه زوراً ويعاقب غيره وهو مظلوم كما حدث مع المسيح عند صلبه وهو بلا خطية ولكن الله في النهاية يرفع كل هذا وهو مراقب لكل ما يحدث.
لا تضطرب عند كثرة ضيقاتك لأن إلهك يرى كل شيء عن قرب ويسندك حتى تحتمل ثم يمجدك بأمجاد لا يعبر عنها في الأرض وفي السماء.
ع 36 : يظن الظالم أن الله لا يراه فيقلب الحقائق ويكذب ليسلب حقوق الآخرين ولكن الله لابد أن يعاقبه لأن الله عادل.
إن كان لك سلطان فلا تستخدمه لمصلحتك وتعوج العدل خاصة وإن كان من أمامك غير قادر على مقاومتك وخف من إلهه لأنه يدافع عنه.
ع 37 : يعلن حقيقة واضحة في النهاية وهي أن الله ضابط الكل الذي يسمح بكل هذه الضيقات لمصلحة أولاده حتى يتوبوا ويتخلصوا من خطاياهم ويزدادوا قوة روحية.
ع 38 : يقصد بالشرور أن الله يسمح بالظلم ولكنه بالطبع لا يوافق عليه وهو المحرك لأعمال الخير من خلال أولاده الأتقياء، فالله هو الذي يسمح بالخير والشر ويوجه كل شيء لمصلحة أولاده.
[3] الحاجة إلى التوبة ( ع 39 – 54) :
39- لماذا يشتكي الإنسان الحي الرجل من قصاص خطاياه.40- لنفحص طرقنا و نمتحنها ونرجع إلى الرب. 41- لنرفع قلوبنا و أيدينا إلى الله في السماوات. 42- نحن أذنبنا و عصينا أنت لم تغفر. 43- التحفت بالغضب و طردتنا. قتلت و لم تشفق. 44- التحفت بالسحاب حتى لا تنفذ الصلاة. 45- جعلتنا وسخا و كرها في وسط الشعوب. 46- فتح كل أعدائنا أفواههم علينا.
47- صار علينا خوف و رعب هلاك و سحق. 48- سكبت عيناي ينابيع ماء على سحق بنت شعبي. 49- عيني تسكب و لا تكف بلا انقطاع. 50- حتى يشرف و ينظر الرب من السماء.
51- عيني تؤثر في نفسي لأجل كل بنات مدينتي. 52- قد اصطادتني أعدائي كعصفور بلا سبب. 53- قرضوا في الجب حياتي و ألقوا علي حجارة. 54- طفت المياه فوق رأسي قلت قد قرضت.
ع 39 : قصاص : عقاب
يتعجب إرميا من تذمر شعبه على التدمير الذي عملته بابل في أورشليم واليهوديه ويصور أورشليم برجل أو إنسان حي تقع عليه الضربات فتصيب بعض أعضائه وتجرح الآخر ولكن للأسف لم تفهم أورشليم أن هذه الضيقة هي تأديب من الله على خطاياها لتتوب فهذه التجربة هي عقاب من الله على خطاياهم لتنتبه وترجع إليه. وكان الأولى بأورشليم أن تصير قوية كالرجل في قوته وتقف ضد خطاياها وتمتنع عنها، مقدمة توبة حقيقية جادة.
ع 40 : نفصح طرقنا : محاسبة أنفسنا
يقدم النبي الحل وهو محاسبة النفس والرجوع إلى الله ثم امتحان النفس عن طريق السلوك في التوبة ليعرف الإنسان مدى خضوعه لله ورفضه للخطية.
ع 41 : يستكمل مظاهر التوبة وهي أن تقترن بالصلاة فالتوبة ليست فقط ترك الخطية بل إقامة علاقة حب مع الله، ويطالب شعبه ليس فقط أن يرفعوا أيديهم لله بل قلوبهم أيضاً أي يتركوا عنهم العبادة المظهرية السطحية ويعبدوا الله بعمق.
ع 42 : يقرر في النهاية أن سبب عدم غفران الله لشعبه ومعاقبتهم هو خطاياهم في حق الله.
ع 43 : التحفت : تغطيت بغطاء هو اللحاف.
عندما يغطي الإنسان نفسه باللحاف لا يظهر جسده بل الغطاء فقط فيستعير بدل اللحاف بالغضب فيتغطى به الله أي لا يظهر للإنسان غير غضب الله وهذا ما حدث في تدمير أورشليم بيد بابل وقتل أبنائها بقسوة.
ع 44 : ثم يعلن أن الله التحف أيضاًَ بالسحاب الذي لا يرى الإنسان ما خلفه أي أصبح الله عندما التحف بالسحاب متباعداً عن الإنسان ولم يقبل صلاته لأن ليس فيها توبة بل مجرد طلب التخلص من الضيق.
ع 45 : من تأديب الله أنه أظهر أورشليم في حقارة بعد تدميرها وسط كل الشعوب المحيطة بها التي كانت هي أعظم منهم والآن هي أحقر من الكل بسبب الخطية.
ع 46 : كذلك استهزأ الأعداء المحيطون بنا ومن علامات الاستهزاء والتعجب فتح الفم عند رؤية دمار أورشليم. كل هذا يرمز لما حدث مع المسيح عندما حمل خطايانا وعقابها على الصليب دون أن يتذمر واحتمل التعيير والاستهزاء من أجل فدائنا فما كان ينبغي أن يأتي علينا حمله عنا.
ليت تأملك في فداء المسيح يولد داخلك شكر دائم له وتمتع بحياتك الجديدة فيه واستعدادك أن تحتمل الآلام من أجل من حولك حتى لو اتهمت زوراً بدلاً ممن حولك لتستر عليهم.
ع 47 : يوضح مشاعر اليهود عند هجوم بابل عليهم وهو الخوف والرعب لأن بابل كانت قاسية فقتلت الكثيرين.
ع 48 : لم يجد إرميا أمامه إلا البكاء بشدة حزناً على شعبه المنكوب فرغم معرفته بأن هذا هو عقاب خطاياهم ولكن أبوته حركت أحشاءه بالبكاء الشديد.
ع 49 : واستمر النبي في بكائه لأن التدمير البابلي ظل سنوات ولكن كان هذا ضرورياً حتى يتوب الشعب ويرجع إلى الله.
ع 50 : كل هذا البكاء لم يكن يأساً أي حزناً بلا فائدة ولكن تضرعاً لله ليقبل توبة الشعب وينظر بعين الحنان إليهم ويسامحهم.
وهنا يظهر دور الخادم الذي يتقدم كنائب عن شعبه بطلب مراحم الله لهم معتبراً نفسه هو الخاطئ المحتاج إلى التوبة وهو بهذا رمز للمسيح الذي لم يعمل خطية ومات لخلاصنا.
ع 51 : يظهر النبي أن دموعه ليست خارجية سطحية بل نابعة من القلب لأجل انسحاق وذل شعبه ويصورهم ببنات أي لا قوة جسدية لهن أمام قسوة بابل.
ع 52 : يتكلم هنا إرميا عن نفسه عندما وقعت الآلام عليه وأخذ للسبى إلى بابل دون أن يخطئ ولكن تدخل الله فانتبهوا وأعادوه إلى أورشليم بحسب رغبته وهو هنا يرمز للمسيح الذي مات بلا خطية عاد حياً وقام من بين الأموات.
ع 53 : الجب : حفرة عميقة.
قرضوا: أزالوا وأهلكوا.
ما حدث لأورشليم في تدميرها يشبهه بدفن الرجل في القبر، فإن بابل أرادت سحق اليهود حتى لا يكون لهم قيام بعد ذلك.
وهذا ما فعله اليهود بالمسيح فلم يكتفوا بتعذيبه بل قتلوه ووضعوه في القبر.
ع 54 : يشبه إرميا أورشليم برجل يغرق في الماء حتى تغطى رأسه فهلك وهذا ما حدث في تدمير أورشليم وفي موت المسيح، ولذا فنحن المسيحيون نموت مع المسيح بالدفن في ماء المعمودية ثم نقوم بقوته إلى حياة جديدة وطبيعة جديدة.
[4] صرخة إلى الله (ع 55 – 66) :
55- دعوت باسمك يا رب من الجب الأسفل. 56- لصوتي سمعت لا تستر أذنك عن زفرتي عن صياحي. 57- دنوت يوم دعوتك قلت لا تخف. 58- خاصمت يا سيد خصومات نفسي فككت حياتي. 59- رأيت يا رب ظلمي أقم دعواي. 60- رأيت كل نقمتهم كل أفكارهم علي. 61- سمعت تعييرهم يا رب كل أفكارهم علي. 62- كلام مقاومي و مؤامرتهم علي اليوم كله.
63- انظر إلى جلوسهم و وقوفهم أنا أغنيتهم. 64- رد لهم جزاء يا رب حسب عمل أياديهم.
65- أعطهم غشاوة قلب لعنتك لهم. 66- أتبع بالغضب و أهلكهم من تحت سماوات الرب.
ع 55 : ألقي ملك يهوذا إرميا في الجب فصلى إلى الله، حينئذ أخرجوه وخلصوه كمثال المسيح الذى نزل إلى الجحيم كنائب عنا، ولكن بقوة لاهوته ارتفع إلى الفردوس والملكوت ويلاحظ أنه يذكر الجب الأسفل وهذا يعني وجود أعماق، أو درجات في العذاب. فكما يوجد في السماء منازل ودرجات كثيرة كذلك أيضاً في العذاب الأبدي، وذلك لأنه وإن كان عقاب الخطية هو الموت ولكن ليست كل خطية مثل الأخرى وبالتالي عقابها يزداد بحسب شناعتها في غير المؤمنين وغير التائبين الذاهبين إلى الجحيم والعذاب الأبدي.
الله يحبك وإن وقعت فى أصعب الضيقات ودعوته فهو يستجيب لك ويخلصك ويصنع المستحيل لأجلك فلا تتشكك واطلبه بالحاح لأنه أبوك.
ع 56 : زمرتي : الهواء الخارج من الأنف ويقصد به خروجه بصوت أي التنهد والتوجع طلباً لمعونة الله.
يعلن النبي طمأنينته إلى سماع الله صلاته وإحساسه بأوجاعه وآلالامه فيواصل صلاته طالباً من الله أن يهتم بكل آلامه الداخلية المخزونة والتى تخرج في تنهدات أو تظهر في صراخ وتضرع لله.
ع 57 : دنوت : اقتربت
عندما سمع الله صراخ شعبه أو صلاة نبيه إرميا اقترت وطمأنه حتى لا يخاف.
ع 58 : وقف الله خصماً أمام أعداء شعبه وخلص أولاده من عبودية بابل بقيامة إمبراطورية مادى وفارس التي أعادت شعبه إلى بلادهم، وهكذا انفكت عبودية شعب الله كما فك المسيح شعبه من قيود الخطية والهلاك فاتحاً لهم باب الخلاص والحياة الأبدية.
ع 59 : يشهد إرميا الله على المظالم التي حلت به ويطالبه أن يقيم دعواه أي يدافع عنه ويرد إليه مجده وهذا ما حدث بالرجوع من السبى وبقيامة رب المجد يسوع المسيح كبكر بين إخوة كثيرين لنقوم نحن أيضاً فيه من كل خطية بالتوبة فيرفع عنا الله حروب إبليس خصمنا وينقذنا من يده.
ع 60 : يستكمل إرميا كلامه مشهداً الله على كل المظالم وانتقام بابل من أورشليم واليهودية حتى يتحنن الله ويرفع هذا العقاب عن أولاده.
ع 61 : ويقول إرميا لله إنك سمعت تعييرات بابل وتفكرها بالشر على أورشليم ويقول هذا ليستدر مراحم الله على شعبه المسكين كما سمع الله لتعييرات الأشرار وتعذيبهم للمسيح فيمجد ابنه ويعاقب الأشرار.
ع 62 : استمر رؤساء وشعب مملكة يهوذا في تعييرهم لإرميا ومحاولة قتله أيامأً كثيرة يعبر عنها باليوم كله وكما فعل اليهود بالمسيح.
لا تضطرب عندما يتمادى الأشرار في شرهم ويعيروك فلا تتشكك واثبت في إيمانك فإن قوتهم الظاهرة زائلة وسيمجدك الله في النهاية.
ع 63 : يطلب معونة الله وأبوته أن تنظر إلى مؤامرات أعدائه عليه سواء في جلوسهم للتآمر عليه أو وقوفهم ليتخذوا خطوات ضده، وينقذه من أيديهم بعد أن صار موضوع استهزائهم وانشغالهم الأول كيف يتخلصون منه والمقصود بأغنيتهم تكرار التكلم عليه بالشر ومحاولة قتله. هذا ما حدث مع إرميا الذي كان رمزاً للمسيح في آلامه.
ع 64 : يتضرع إرميا إلى الله لينتقم من الشر ويعاقب الأعداء لعلهم يؤمنون بقوة الله المدافع عن أولاده وهو لا يقصد الغيظ والانتقام من الأعداء بل إعلان قوة الله وحقه وسلطانه على الشر.
ع 65 : غشاوة قلب : عدم القدرة على التمييز.
إذا استمر الإنسان في عناده وعصيانه يتخلى عنه الله ويسلمه إلى ذهن مرفوض
(روا : 28) فيطالب إرميا الله أن يعاقب الأعداء بالتخلي عنهم ليفقدوا تمييزهم وإذ تحل بهم اللعنات ليشعروا بضعفهم فيؤمنون بالله ويحيون معه.
ع 66 : يستكمل دعوته إلى الله بتأديب الأعداء أن يظل يتابع حياتهم بغضب وإهلاك ليبيد شرهم من تحت السموات لينقي الأرض ويظهر الله وحده إله الآلهة.