تاريخ إنشاء مكتبة الدار البطريركية
تعود جذور مكتبة الدار البطريركية إلى عهد قداسة البابا بطرس الجاولي، البابا الـ109 من بطاركة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1809–1852م)، إذ أنشأ مكتبة الدار البطريركية بالكنيسة المرقسية بالأزبكية في أواخر عام 1813م، أي منذ أكثر من قرنين من الزمان.
لُقِّب قداسة البابا بطرس الجاولي بـ«البابا الدارس»، إذ كان منذ أيام رهبنته شغوفًا بالقراءة والبحث في شتى العلوم. وعندما تولى البطريركية، لم تكن بالدار البطريركية مكتبة بالمعنى المعروف، نظرًا لما تعرضت له الكنيسة في الأزمنة السابقة من نهب وتخريب.
ومن هنا، أخذ قداسته على عاتقه مهمة جمع المراجع التاريخية والأسفار اللاهوتية والطقسية، حتى استطاع تكوين مجموعة ثمينة، كان من بينها عدد من المخطوطات النادرة التي لا تُقدَّر بمال.
ومع ازدياد رصيد المكتبة من هذه المجلدات النفيسة، أعد لها قداسة البابا بطرس الجاولي مكانًا بالمقر البابوي في الكنيسة المرقسية بالأزبكية يتناسب مع قيمتها، وأخذ بنفسه في ترتيبها، كما وضع لها سجلًا خاصًا.
وكلف قداسته عددًا من مشاهير النُسَّاخ بنسخ الكتب الفريدة التي حصل على أصولها من دير القديس العظيم الأنبا أنطونيوس ومن الكنائس الأثرية بالقاهرة.
وكانت المكتبة في ذلك الوقت تضم مجموعة من المخطوطات والكتب الأثرية، ومن بينها كتب تنتمي إلى أوائل عصر الطباعة.
وفي عام 1950م، أصبح «بيت المطارنة» بالكاتدرائية المرقسية بالأزبكية مقرًا لمكتبة الدار البطريركية.
كتالوج مخطوطات مكتبة الدار البطريركية بالأزبكية
شكَّلت فهرسة المخطوطات خطوة بالغة الأهمية في تاريخ مكتبة الدار البطريركية؛ إذ قام مرقس سميكة باشا، مؤسس المتحف القبطي، بمساعدة الأستاذ يسى عبد المسيح، أمين مكتبة المتحف القبطي، بفهرسة المخطوطات.
وأسفر هذا العمل عن الكتالوج المعروف باسم «كتالوج سميكة»، الذي أصبح أحد أهم المراجع العلمية للتعريف بمجموعات المخطوطات القبطية والعربية.
صدر الجزء الأول من «فهارس المخطوطات القبطية والعربية الموجودة بالمتحف القبطي والدار البطريركية وأهم كنائس القاهرة والإسكندرية وأديرة القطر المصري» عام 1939م، واستُكمل صدور أجزائه حتى عام 1942م. كما صدر العمل باللغة الإنجليزية، الأمر الذي أسهم بصورة كبيرة في تعريف الباحثين حول العالم بهذه المجموعات المهمة.
وبعد نياحة الأستاذ يسى عبد المسيح، أكمل الأستاذ الدكتور مراد كامل أعمال فهرسة المكتبة وما استُجد بها من مخطوطات، ثم واصل الأستاذ نبيه كامل داود من بعده الإشراف على المكتبة حتى عام 2003م.
حادثة جسيمة شدت الأنظار
في سبتمبر عام 2003م، تعرضت مكتبة الدار البطريركية لحادثة جسيمة، إذ تسربت مياه الصرف الصحي من بيت المطارنة بالمرقسية في الأزبكية إلى جدران المكتبة ودواليبها، مما تسبب في إصابة الكتب والمخطوطات بأضرار بالغة.
وأصبحت الأوراق في حالة يُرثى لها، والتصق بعضها ببعض بفعل العفن والفطريات، كما انتشرت الحشرات وأحدثت أضرارًا فادحة بهذا الكنز التراثي.
وأمام خطورة الموقف، أرسل المتنيح الأستاذ نبيه كامل، المشرف على المكتبة آنذاك، خطابًا إلى مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، طالبًا السماح بنقل المخطوطات سريعًا إلى مكان تتوافر فيه الإمكانات الكيميائية والفنية اللازمة للترميم؛ حتى لا تتعرض هذه المخطوطات للضياع النهائي.
وبناءً على الخطاب المرسل من الأستاذ نبيه كامل بتاريخ 2 أكتوبر 2003م إلى مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث، أصدر قداسته توجيهاته بالاهتمام بالأمر على وجه السرعة.
وتم تشكيل لجنة لمعاينة مكتبة الدار البطريركية بالأزبكية، واستلام محتوياتها، وإرسال المخطوطات إلى دير الشهيد العظيم مارمينا بصحراء مريوط لترميمها وإنقاذها.
حين تعود المكتبة البطريركية إلى البابا البطريرك… ينهض التراث من جديد
في مارس 2023م، وبتوجيهات قداسة البابا المعظم الأنبا تواضروس الثاني، تم استلام مخطوطات الدار البطريركية بعد الانتهاء من ترميمها بدير الشهيد العظيم مارمينا بمريوط، وذلك لإيداعها بالمكتبة البابوية المركزية.
وبذلك أصبحت المكتبة البابوية المركزية تحتضن واحدة من أشهر وأثمن مجموعات المخطوطات القبطية، وهي مجموعة ذات شهرة علمية كبيرة بفضل فهرستها ونشر كتالوج مرقس سميكة باشا، فضلًا عن قيمتها الاستثنائية الناتجة عن ندرة مخطوطاتها وتنوع موضوعاتها.
وتضم المجموعة مخطوطات في مجالات متعددة، من بينها:
مخطوطات الكتاب المقدس.
مخطوطات اللغات.
مخطوطات اللاهوت.
مخطوطات القانون.
مخطوطات الليتورجيات.
مخطوطات التاريخ.
مخطوطات في موضوعات متنوعة.
مراحل تأسيس المركز البابوي للمخطوطات
المرحلة الأولى – حفظ المخطوطات وفق المعايير العلمية العالمية
بدأت المرحلة الأولى بهدف توفير بيئة علمية متخصصة لحفظ المخطوطات وصونها، وذلك بمبنى البانوراما بالمقر البابوي في دير القديس العظيم الأنبا بيشوي بوادي النطرون.
وفي يناير 2024م، وبتوجيهات قداسة البابا تواضروس الثاني، بدأ العمل في إنشاء «المركز البابوي للمخطوطات».
وتم اختيار قاعتين بالدور الأرضي بمبنى البانوراما؛ خُصصت إحداهما لحفظ وتخزين المخطوطات، بينما خُصصت الأخرى لإنشاء معمل متكامل لترميم المخطوطات.
وأُعيد تجهيز قاعة حفظ المخطوطات بعناية، مع ضبط أنظمة درجات الحرارة والرطوبة بما يتوافق مع المعايير العلمية المثلى، حفاظًا على المخطوطات وصونًا لهذا التراث العريق.
وفي فبراير 2024م، بدأت رحلة جديدة في تاريخ المجموعة، إذ انتقلت المخطوطات من المكتبة البابوية المركزية إلى مبنى البانوراما، لتستقر في دواليب ووحدات حفظ أُعدت بعناية ووفق تصميمات متخصصة، لتوفير بيئة ملائمة لحفظها بأحدث الأساليب العلمية.
قاعة حفظ المخطوطات
تحتوي قاعة حفظ المخطوطات على عدد من الدواليب المصممة بأدراج خاصة، وتخضع عملية الحفظ لبروتوكول دقيق، يشمل:
- وضع كل مخطوط داخل الدرج المخصص له في وضع أفقي.
- عدم وضع مخطوط فوق آخر، مع إمكانية وضع المخطوطات بجوار بعضها وفق المساحات المخصصة.
- تخصيص رقم استدعاء (Call Number) لكل مخطوط، وربطه بموقع حفظه.
- المتابعة المستمرة لدرجات الحرارة والرطوبة.
- توفير أنظمة متكاملة لمكافحة الحرائق.
- وضع جدول سنوي لتعقيم القاعة.
كما تضم القاعة مجموعة من المراجع المتخصصة التي تخدم أعمال المركز والباحثين، ومنها:
- كتالوجات للمخطوطات القبطية باللغتين العربية والأجنبية.
- كتالوجات لمخطوطات غير قبطية باللغتين العربية والأجنبية.
- كتب ودراسات متخصصة في علم المخطوطات.
- الملفات الخاصة بالمركز البابوي للمخطوطات.
المرحلة الثانية – الرقمنة والتصوير الرقمي
تم الانتهاء من رقمنة المخطوطات الموجودة بالمجموعة، وإنشاء نسخ إلكترونية رقمية منها باستخدام أحدث أجهزة التصوير الرقمي المتخصصة.
ويُستخدم في أعمال الرقمنة جهاز I2S V-Shaped Scanner، الذي يتيح تصوير المخطوطات والكتب النادرة بطريقة تراعي طبيعتها المادية وتحافظ عليها أثناء عملية التصوير.
المرحلة الثالثة – إنشاء المعمل البابوي لترميم المخطوطات
تم إنشاء معمل متكامل لترميم المخطوطات وفق أعلى المواصفات العلمية، وتجهيزه بأحدث الأجهزة والأدوات والخامات المتخصصة.
ويعمل بالمعمل خبراء يجمعون بين المعرفة العلمية والمهارة العملية في علوم الترميم والحفظ، ليكون المعمل مركزًا متخصصًا في صون وحماية التراث القبطي والحفاظ عليه للأجيال القادمة.
ويضم المعمل مجموعة من الأجهزة والتجهيزات المتخصصة، من بينها:
- مكابس يدوية أثرية متعددة الأحجام.
- مقص للكرتون.
- أجهزة المعالجة الكيميائية.
- أجهزة التنظيف الجاف للمخطوطات.
- جهاز تقطير المياه.
- المجفف.
- المرطب.
- المكبس الهيدروليكي.
- طاولة الضغط المنخفض.
- جهاز تعقيم المخطوطات بالنيتروجين.
- جهاز معالجة الحموضة.
كما يضم المركز غرفة للاجتماعات والدورات التدريبية، بما يدعم دوره العلمي والتدريبي إلى جانب دوره في الحفظ والترميم.
مركز الميكروبيولوجي – Microbiology Center
يمثل الجانب الميكروبيولوجي أحد المجالات المرتبطة بالحفاظ العلمي على المخطوطات، من خلال دراسة ومتابعة العوامل البيولوجية التي يمكن أن تؤثر في المواد التراثية والمخطوطات.
أنشطة المركز البابوي للمخطوطات
يُعنى المركز البابوي للمخطوطات بخدمة الباحثين والدارسين من خلال إتاحة مجموعاته من المخطوطات في صورة رقمية متكاملة، بما يسهّل الاطلاع عليها ويعزز البحث الأكاديمي المتخصص.
كما يعمل المركز على تطوير برنامج للتعرف الضوئي على الحروف OCR – Optical Character Recognition، بهدف محاولة تحويل الصور الرقمية للمخطوطات إلى نصوص مكتوبة قابلة للبحث، وهو ما يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام البحث العلمي في محتويات المخطوطات.
ويعمل المركز كذلك على برنامج كتالوج إلكتروني لمكتبة المخطوطات، بما يسهّل عمليات البحث الموضوعي والوصول إلى بيانات المخطوطات.
وبالتوازي مع ذلك، بدأ المركز أعمال ترميم المخطوطات المتهالكة داخل المعمل البابوي للترميم.
ويقدم المركز أيضًا خدمة التصوير الرقمي لمخطوطات الأديرة والكنائس باستخدام أحدث أجهزة التصوير الرقمي، دون أية مصروفات، مع الحفاظ على حق عرض هذه المخطوطات لمالكيها فقط.
التعاون وتبادل الخبرات الدولية
في إطار حرص المركز على اكتساب الخبرات العلمية المتخصصة في علوم المخطوطات وحفظها وترميمها، تم العمل على بروتوكولات للتعاون وتبادل الخبرات مع عدد من المؤسسات الدولية المتخصصة، من بينها:
- المكتبة الوطنية الفرنسية (Bibliothèque nationale de France – BnF) في أبريل 2023م.
- مكتبة الأمبروزيانا (Biblioteca Ambrosiana) في ميلانو بإيطاليا في سبتمبر 2024م.
كما يسعى المركز إلى تنظيم دورات تدريبية مكثفة ومتخصصة في علم المخطوطات لأمناء مكتبات المخطوطات بالأديرة والكنائس على مستوى الكرازة المرقسية، بما يسهم في توحيد ورفع معايير الحفظ والتعامل العلمي مع المخطوطات.
افتتاح المركز البابوي للمخطوطات
في يوم الجمعة 22 مايو 2026م، افتتح قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، المركز البابوي للمخطوطات، وذلك بمركز لوجوس في دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، على هامش الجلسة العامة للمجمع المقدس التي عُقدت في اليوم نفسه بمركز لوجوس. وقد جاء افتتاح المركز بحضور عدد كبير من أعضاء المجمع المقدس، في مناسبة عكست الاهتمام الذي توليه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بالحفاظ على تراثها المخطوط والعناية بمصادره الأصلية.
وعقب الافتتاح، استمع قداسة البابا تواضروس الثاني وأعضاء المجمع المقدس إلى شرح قدمه الراهب القس ويصا الأنبا بيشوي، المشرف على المركز، تناول خلاله إمكانات المركز وأقسامه وطبيعة العمل به. وقد أوضح الشرح أن المركز جرى تصميمه وفقًا لمعايير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بما يتناسب مع طبيعة المواد التراثية التي يضمها والاحتياجات الفنية الخاصة بحفظ المخطوطات والتعامل معها.
يُقدَّم طلب الاطلاع على المخطوطات من خلال تعبئة النموذج المخصص لذلك. ويُمكن للباحث تحميل النموذج بصيغة PDF، ثم طباعته واستيفاء جميع البيانات المطلوبة، وبعد ذلك تقديمه إلى إحدى سكرتاريات قداسة البابا، سواء في القاهرة أو الإسكندرية، لاتخاذ الإجراءات اللازمة والحصول على الموافقة على الاطلاع.
This page is also available in:
English