يُمثل الدكتور أنور عبد الملك أهمية كبيرة في تاريخ الفكر والثقافة المصرية، فهو واحد من أهم الرموز و القامات الفكرية الكبرى التي لعبت دورًا كبيرًا ومؤثرًا في الفكر المصري الحديث.
ميلاده ونشأته:
وُلد في 23أكتوبر 1924م، وتدرج في مراحل التعليم المختلفة حتى حصل على ليسانس الفلسفة عام 1954م. تعرض لتجربة السجن والاعتقال خلال الفترة من (أبريل 1955– مايو 1956م) بسبب اتهامه بالشيوعية، ثم سافر إلى فرنسا عام 1959م، حيث قدم رسالته للدكتوراة بعنوان “نهضة مصر”، وقد صدرت لها ترجمة عربية قام بها د. حمادة إبراهيم ونُشرت في مكتبة الأسرة عام 2001م.
المهن والوظائف التي عمل بها:
تبناه المستشرق العالمي جاك بيرك فعيَّنه بالمركز القومي للبحث العلمي، ثم مديرًا للأبحاث بنفس المركز، كما عمل بفروع مختلفة في جامعة الأمم المتحدة بباريس وكندا وطوكيو وكوريا. وعمل أيضًا أستاذًا لعلم الاجتماع والسياسة بكلية العلاقات الدولية باليابان.
أهم الكتب والمؤلفات التي كتبها:
صدرت له عدة كتب هامة نذكر منها: مدخل إلى الفلسفة (1957م) دراسات في الثقافة الوطنية (1967م) نهضة مصر (1983م)، ريح الشرق (1983م) الشارع المصري والفكر (1989م). وأخيرًا آخر كتبه “الوطنية هي الحل”.
أهم ملامح فكره وكتاباته:
الاهتمام بالحضارة الصينية:
اهتم عبد الملك في كتاباته كثيرًا بالحضارة الصينية؛ حيث تتلمذ على يد جوزيف يندهام الذي كتب عدة مراجع مهمة يثبت فيها سبق الصينيين في مجال التكنولوجيا، وهو بذلك يفند مزاعم المركزية الأوروبيَّة التي ترى أن كل نهضة وكل تقدم نبع من أوروبا وحدها.
العشق الشديد للوطنية المصرية:
أبرز ما يميز فكر عبد الملك هو عشقه الشديد للوطنية المصرية، التي ظهرت بوضوح في كتابه الهام والشهير “الوطنية هي الحل”، فهو يحوي حوالي 65 مقالًا، كتبها على فترات مختلفة وفي صحف مختلفة، وكلها تدور حول محور واحد هو مصر.
وجاء المقال الأول في هذا الكتاب الموسوعة بعنوان “لماذا التوهان؟”، حيث يطرح تساؤلًا مهمًّا هو: لماذا الضياع؟ من نحن؟ وإلى أين؟ فقد اتجه الفكر المصري منذ نهضة محمد علي إلى اليوم إلى التشعب إلى تيارين رئيسين: التيار الأول هو التحديث الليبرالي منذ رفاعة الطهطاوي ومن تبعه، أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه الأصوليَّة الإسلاميَّة منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. الاتجاه الأول دخل في عملية استيعاب وتطوير لفكر عصر النهضات والثورات البورجوازية والصناعية والعلمية في الغرب، أما الاتجاه الثاني فلقد أخذ شكل الرفض للموجة الغربية، والتأكيد على الخصوصية الحضارية. ولكن يبقى السؤال الرئيس: لماذا تقدَّم دول الشرق الحضاري ممثلةً في الصين واليابان والهند وكوريا، التي استطاعت أن تُلهَم من تراثها الفكري المتمثل في الحضارة الكونفوشية، ولم تستطِع الموجة الغربية أن تنال من تميز أيديولوجيات آسيا الشرقية وتمسكها بخصوصيتها؟ ونحن في مصر لا سبيل لنا إلى تحقيق نهضة كبرى لنا إلا بإقامة جبهة وطنية متحدة تجمع بين مدارس الفكر والعمل والوطنية دون أدنى استثناء، من أجل تحقيق ثورة ثقافية بكل معاني الكلمة تزيل كابوس التبعية والتغييب، وتفتح الطريق أمام نهضة حضارية نحن في أمسِّ الحاجة إليها.
وتناول في موسوعته أعمال العديد من رموز الفكر المصري؛ ففي مقال بعنوان “رسالة الأستاذ العميد” كتب عن طه حسين يقول إنه حاول أن يتعامل مع التراث الإسلامي بمنهج علميٍّ تحليليٍّ نقديٍّ، وتجلى ذلك في رسالته للدكتوراة عن ابن خلدون؛ فقد حاول أن يفهم قوانين التحرك التاريخي عنده، ثم جاءت بقية أعماله، وهي كلها تعنى بالإسلام الحضاري، وأثره على الحياة الاجتماعية والسياسية في عصره. ثم جاء تعامله مع الثقافة المصرية الوطنية، والذي رأى أنها في حاجة إلى ثقافة عصرية ليبرالية تواكب العصر فوضع كتابه المهم “مستقبل الثقافة في مصر” وفيه يؤكد على التماثل بين الثقافة المصرية الحديثة وثقافة أوروبا، وهو بذلك يُرجِعها إلى أصولٍ يونانية التي يراها بدورها امتدادًا لحضارة مصر الفرعونية، وهو يتمنى لهذه الثقافة أن تتَّسم بالصبغة الديمقراطية، وأن تقوم على ركائز المنهج العقلي والفكر العلمي. كما اقترب طه حسين أيضًا من اليسار المصري، وتجلى ذلك في كتابه “المعذبون في الأرض”. وفي النهاية فهو الممثِّل الأول لشخصية مصر الحضارية في جميع عصورها.
وفي مقال للدكتور على الدين هلال بعنوان “النهضة ودور الدولة في فكر أنور عبد الملك”، نُشِر في بوابة الأهرام، حيث ذكر فيه أن الهدف الرئيس الذي هدفت إليه كل كتابات أنور عبد الملك هي النهضة، وجوهر هذه النهضة هي الجمع بين الفكر والسلاح أو الثقافة والقوة، وسبيل تحقيق هذه النهضة هو تجميع كل جماهير الأمة حول “الدولة الوطنية”. والدولة التي يقصدها هي الدولة المركزية القوية صاحبة المشروع الحضاري المستقل. ولقد ركزت معظم كتبه على هذه القضية، منها مثلًا كتاب “نهضة مصر”. والنموذج المثالي للدولة عنده هي دولة محمد علي الذي لُقِّب بـ”رائد نهضة الشرق” ووصف دولته أنها الدولة الموحدة الأولى في تاريخ مصر، ومجالات تحديث هذه الدولة هي (الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط– إصلاح مؤسسات الدولة الإدارية والتنفيذية– إقامة شبكات التعليم… إلخ). ومقومات دولة محمد علي هي (القوة الداخلية لمؤسسات الدولة– عبقرية المكان وأهميته– المكانة المركزية للجيش– شمول عملية النهضة لجميع المجالات).
وفاته:
توفي المفكر الكبير الدكتور أنور عبد الملك فى 17 يونيو 2012 م عمر يناهز 88 عامًا.
مصادر ومراجع:
- علي الدين هلال: النهضة ودور الدولة في فكر أنور عبد الملك، بوابة الأهرام.
قراءة لبعض كتب أنور عبد الملك منها (الوطنية هي الحل– نهضة مصر– تكون الفكر والأيديولوجية في نهضة مصر الوطنية 1805- 1829).